[ ذاكرٌ يا ترى سورَنا الأخضرَ، حيث كانت تفيءُ الطيورْ

يومها حبنا كان في حينا، قصةَ الوردِ لحنَ الزهورْ ]


اليوم، مررتُ قرب محل الورد ذاته. هل تذكره؟ ذلك القابع تحت المستشفى في موقع استثنائي. يشتري منه مريدو المرضي الباقات ويدخلون إلى مدخل المستشفى الشهير. وقفتُ عند الناصية وتذكرتُ باقتك الأولى. أتيتَ مع أمك حينها. دخلتَ غرفتي بالمستشفى على استحياء فيما أمك تقوم بكل الخطوات “الاستباقية”: تؤهَّل بأمي، وتقدمك إليها ثم تستفيض في شرح مؤهلاتك العلمية. كنتُ أنا قد كرهتُ الزوار على كثرتهم. شتمتُ اغماءاتي المتكرر والوزن الكثير الذي فقدتُه وأفضى بي إلى مثل تلك الحال. هناك في سريري كنتُ أنظر إلى يمام المستشفى يحط عند عتبة شباكي ويطير منتفضاً كلما علا صوتي أمي أو أمك. (لا. لا أسب والدتك سراً بتسميتها “أمك” ولا أحتفظ بالشتيمة التي تسبق كلمة “أمك” في داخلي. كل ما في الأمر أن لفظ “والدتكَ” فضفاض قليلاً على تصرفات “أمك”. لـِمَ تضحك الآن؟؟)

 ذاكرٌ يا تـُرى شعريَ الأشقرَ، و الشريطَ و شالَ الحريرْ]

حين خبأْتَ في سمعيَ المرهفِ، هـَمّ سرِّ كفيضِ العبيرْ ]


كنتِ هناك في سريِرك تنظرين إلى الخارج. إلامَ كنتِ تنظرين؟؟ إلى اليمام؟ يملك اليمام صوتاً مأساوياً يشعرك بكتمان الحقائق. يحيلك إلى تذكر الإحباط الذي نحاول التملص منه دائماً.
الحقيقة أنني كنتُ في موقف لا أحسَد عليه. أوصلتُ أمي للمنطقة فأبـَتْ إلا أن تصطحبني معها. لم أكن في وارد أن أفتعل مشكلاً فقد خرجتُ من مشكلي الأخير معها بأقل الأضرار الممكنة دقائق قبل زيارتنا. آثرتُ بلع الموس. ابتعتُ الباقة. ولما وطأتُ باب الغرفة عرفتُ أنني بتُّ جزءاً من ملعوب نسائي حضرتاه بالتوازي “أمك” و”أمي”. (ولتكن شتيمة، لا يهمني). لكنَّك كنتِ فقط تنظرين لليمام إلي يسارك عند عتبة النافذة. لم أتبيـَّن وجهك. كنتِ تديرينه (هل كنتِ تصطنعين النوم؟؟) فقط شعركِ الأشقر لفتني. لطالما لفتني الشعر الأشقر. تقول لي أمي أن ريقي كان يسرح خارجي فمي كلما جلستُ قبالة شقراء في صغري. (لـِمَ تضحكين؟ فعلاً حصل!). المهم أنني تجاوزتُ الموضوع مع الاستشقار المستجد الذي غزا شوارع بيروت.


[ وَ بَعـْدُ تـرامـَت حكايا، و أثقلَ روضي السمرْ

تـُحدِّث عنه الصبايا، يجئ إليه القمرْ ]


فلما استدرتُ ناحيتك رأيتُكَ في كرسيكَ مضطرباً خارج سياق الزيارة، ابتسمت. وأنا قلما أبتسم من دون سبب. شعرتُ بالراحة. أنتَ ابتسمتَ بدورك قبل أن توقع القهوة على حجركَ وتزداد اضطراباً. اتسعـَت ابتسامتي. قلتَ حينها: “منيح اللي القهوة حلوة” (!!)، فيما سارعت “والدتانا” (نعم بين مزدوجين) إلى تأكيد أن “كب القهوة خير”. كانت أمك تحاول أن ترمم صورتك أمامي فيما أمي تستبسل لمتابعة الملعوب النسائي. ما لم يعرفاه أنني وقعتُ في غرامِك في تلك اللحظة. كلما أنظر إليك أستذكرك تقول: “منيح اللي القهوة حلوة”؛ جملة بلا معنى تؤرخ اللحظة! بعدها تحدثنا في الكثير من الأمور، وبعد رحيلك شممتُ رائحة الورد الذي أحضرته. مختلفةً كانت الرائحة عن باقي الباقات التي امتلأت بها غرفتي.
(ما زلتَ عائداً في آخر الشهر، أليس كذلك؟؟)


[ ذاكرٌ يا تـُـرى وعدكَ المقمرَ، بالرجوعِ و قطفِ الورودْ

أم تـُراه مضى حبنا و انقضى، موسما مفرداً لا يعودْ ]


أجل أنا عائد. سأحضر لكِ باقةً من “البياع” ذاته أم تريدين باقةً من بعض الصِبية الذين يتواجدون في مستديرات شوارع بيروت؟ أعلم أنك تحبين ذلك الصبي الأسمر الذي يبيع الورود عند مستديرة الأونيسكو (ولولا عمره الصغير لأبلغتُ عنه الشرطة). سأفتش عنه، أدفع له بقشيشاً وأطل منه إيصال الباقة حى عتبة بيتك.

 

أما زال اليمام يملك ذات النغمة الآسرة الحزينة عند عتبة شباكك؟؟