البارحة نبت الورد على أصابعي. تحسسته بلطف متوجساً أن أؤذيَ إحدى الوردات ثم أكملتُ نهاراً طبيعياً.. غايةً في الطبيعية!! تحاشيت أن أصافح أحداً في طريقي للعمل. اكتفيت بقراءة بعض التقارير العلمية الجافة مبتعداً عن الكمبيوتر. لا أريد أن يميت الضغط على لوحة المفاتيح إحدى الأوراق. هذا برعم ظهر للتو وتلك ورقة يزداد اخضرارها.

 

البارحة جلست أنظر إلى ورداتي تقبع على أطراف أصابعي وهي تتفتح على مرأى من ناظريَّ. شهدتُ الحياة تمشي ببط وتتطور. هي تكمل يومها وأنا أنظر. أتعب من النظر فأشيح بنظري بعيداً أو أغمض عيني فيفوتني تلوّن وردة. تباً. لا يأتي التعب إلا في أتفه الأوقات.

 

البارحة رويتُ الورد الطالع بالماء تحت الصنبور برقـّة. سألتُ قبل ذلك إن كان الماء يحتوي كيماوياً قاتلاً للنبات، فأنا أريد الحفاظ على ورودي. قفلتُ عائداً إلى غرفتي لأختلي بنفسي. تجنبتُ الأكل. لا أريد أن أمارس أي روتين يومي يقضي على هذا الورد المستجد الجميل.

 

البارحة، تكلمت مع ورودي من غير أن يسمعنا أحد. وحدها فراشة اقتربت من وحدتنا. لم أعرفها بادئ الأمر.  تذكرت “هايكو” مورتيك:

ما ظنتها زهرة ساقطة
ترفرف عائدة إلى الغصن
كانت فراشة

 

أضفتُ الفراشة إلى مستمعي حديثي. الظلام يحل في غرفتي. أضغط على زر الإضاءة بساعدي من غير أن أستخدم كفيَّ. تطير الفراشة ناحية الضوء، وتنتحر هناك على مرأى من ورودي وناظريّ.

 

أكتئب، فقد شاهدت اعداماً ذاتياً  للتو. أهرع إلى سريري. أحاول أن أنام من غير أن أتقلب. أحاول أن أبقي ورودي سالمةً.

أستيقظ صباحاً وأفاجأ بورودي قد ذبلت وانضمت إلى فراشة الليلة الماضية في أرض البقاء.

البارحة نبت الورد على أصابعي. اليوم ذبل ومات.

 

البارحة صافحتها. يبدو أن علي مصافحتها اليوم أيضاً حتى تلد أصابعي وروداً جديدة.

أخرج للمنزل متجهاً إلى ذلك المقهى الغريب حيث تجلس هي.

في إحدى صفحات الجرائد التي ألتقطها في الباص، شعر آخر  لكياروستامي:

 

تبرعمت

أزهرت

ذبلت

سقطت

ولم يرها أحد

 

بلى. رأيتها. أنا.. فقط.