من هذه الطريق البحرية بدأ كل شيء. محا الدخان الأسود زرقة السماء، وابتلعت الفجوة السوداء بقايا أجساد بشر ومبانٍ وحديد سيارات. من هنا مرّ من مرّ، وحدث ما حدث. سيتردد لاحقاً صخب الصراخات في الخطابات التلفزيونية. هنا سيقف تمثال بعد ثلاثة أعوام على بداية كل شيء. التماثيل تُستَحضر من كتاب تاريخ غير موحّد، وتراقب. تراقبنا.
هنا في وقت لاحق، سيرفع على الأكتاف طفل، وسيجول شاب بين المسلحين على دراجة نارية. على هذا الإسفلت ستمر مدرعات وقوى مكافحة شغب. فوق هذه الطريق سيرمي مجهولون قنبلة صوتية، فيفيق رجل ستيني ويتملكه الأرق ويدخن ست سجائر على الشرفة حتى طلوع الصباح. ستة فقط، لا خمسة، ولا سبعة. سجِّل هذا عندك لئلا تنسى: “ستة”!
تحت شرفة الرجل القابعة على تخوم المدينة، سيمسك أحدهم علماً بألوان ثلاثة، ويرفع آخر صورة ضابط، ويشتم مناضل شتيمة عنصرية، ويركض عداءون، ويتمشّى عاشقان –يتمشّيان لا يمشيان!-، ويزحف ببطء أفراد عائلة مستجدة من شارع لآخر. هنا، الهواء الملاصق لرصيف الطريق، سيحمل صدى الأخبار العاجلة، التي تُخفي الناس من الشوارع وتلزمهم البيوت ليوم أو يومين.
من على صخرة، على بعد دقائق من هذه النقطة مشياً، انتحر كثرٌ: طبيب ومهلوس وأخرس وشاب عادي وفتاة لم تعد تطيق لا نفسها ولا عائلتها، وأناس عاديون، فقط ملّوا الحياة. وبالابتعاد عن المد الصخري المقابل للروشة، إلى الداخل من هذه المدينة الرمادية البشعة معمارياً، لا يتوقفون عن زرع إشارات السير. يموت أحدهم، فيُزرَع تمثال، وتُخترَع مصلبية باسم جديد، وتُزرَع إشارة ضوئية. تكثر الشارات الضوئية ويخفت كل شيء آخر. الضوء البرتقالي الساطع باستمرار يَدلُّك على إشارة ضوئية غير “شغالة”.
تحت الإشارات إشارة تقول: “نعمل لأجلكم”. قرب الجملة، يفتح العامل بالوعة، ثم ينتقل إلى بالوعة هناك، ويتجه بعدها إلى أخرى، ويشتم وينطلق ناحية بالوعة رابعة، ثم إلى خامسة، فسادسة، حتى يصل البالوعة التي يبحث عنها، فيدفع بجسمه إلى الأسفل ليصلح العطل. وهناك -وعلى نحو فجائي- يخفت صخب المدينة.
يهلع العامل فيستعين براديو ترانسيستور خرج معه من الحرب الأهلية الماضية سالماً. يخرجه من جيب قميصه ويعيد بعضاً من الصوت الهادر فوق إلى تحت، في المجرور. يصلح العامل العطل، وهو يستمع إلى الخبر العاجل من مكتب التحرير، لكنه -ورغم الخبر- يبقى في الأسفل حتى إصلاح العطل كاملاً بصورة مؤقتة. ولا غضاضة في المؤقت، فهوية البلد نفسها غير ثابتة.
ينظر العامل إلى الأعلى من تحت، قبل أن يعود فيصعد، ويتنهد، ثم يتسلق السلم، ويستعيد الصخب المعتاد، فيهدأ.
يرتاح. ويمضي ماشياً مخفياً شاربه لئلا يظهر أمام شباب الجامعات غريباً من بلد فيلقى نصيبه من الصفعات والركلات، ويبصق بعضاً من دم كان يراه فقط على الشاشة. لا يكاد ينهي فكرته في رأسهحتى يرى نفسه ماشياً بالقرب من شباب يضربون شخصاً. يقول –في رأسه- إنه عراك عادي. الآن يقول ذلك، ومساءً سيعرف أنه مرَّ بقرب خبر غير عادي مطلقاً.
ثم يتوقف للحظة عن التفكير كل تلك المؤثرات. يفكر أن عليه حلق شاربه اليوم قبل غداً، لكنه لن ينفِّذ خاطره هذا.. مطلقاً.