1

تصعد الصورة إلى الفضاء. يوزعها قمر صناعي باتجاه من يريد استقبالها. يعاد تصديرها، وتصبح صورةً عامة يراها كل من يشاهد التلفزيون أو يقرأ الجرائد. تصير أمراً واقعاً، ومن ثمّ ماذا؟

 

ميلان كونديرا في روايته “الخلود” الصادرة عام 1990 تحدث عن الإيماغولوجيا (فلسفة الميديا). إحدى شخصيات الرواية تعلن: “تنتمي الأيديولوجيات للتاريخ، وتبدأ الإيماغولوجيا حيث ينتهي التاريخ”.

 

يمكن الأخذ بعين الاعتبار الظروف المحيطة بالكاتب التشيكي والتي جعلته يكتب ما كتب. ربما تورّط في موقع لحظي، وربما لم يفعل. فالعبارة عرضة للتأويل والنقاش المستفيض. الأكيد أنه في ذلك الوقت لم يكن ليعرف أحداث العشرين عاماً التي ستلي ما كتبه. أول ما تلى ذلك، في المنطقة هنا، حربٌ أسست لأسلوب تعاطٍ جديد في صناعة وتصدير الخبر والصورة: حرب الخليج الثانية. اليوم، وبعد ما يقرب العشرين عاماً، هل يمكن إعادة تطبيق نظرية كونديرا مع كل المتغيرات الطارئة؟ ألا يمكن القول أن الإيماغولوجيا (بعنصرها الأهم: الصورة) باتت المعين الأكبر للأيديولوجيا أو حتى للفصائل السياسية/الدينية منعدمة الأيديولوجيا؟

                                                                  

وكونديرا لم يتطرق في كتابه للإيماغولوجيا السلبية. أشار فقط للإيجابية منها. تلك المتعلقة بكمال الصورة. اليوم، يجيـَّش آلاف من الصورة الأكثر مأساوية ودمويةً. هذا لا يعني أن الحدث/المأساة وراء الصورة لم يحدث. ليس هذا موضع النقاش. الصورة هنا تدفع بعناصر إلى واجهة الحدث، وتعزل كل ما هو خلافها. إنها انتقاء في لحظة. لكن عناصره ليست على الدوام إيجابية، فقد تكون سلبية يراد منها أن تتعاطى مباشرةً مع نفسية المتلقي. هكذا يقتنع المتلقي بأنه ضحية أكثر. وهكذا يصنع رأيه المحكَم القادم.

 

2

عام 1922، تطرق والتر ليبمان بشكل أو بآخر في عمله المعنون “الرأي العام” إلى الإيماغولوجيا، وإن كان اللفظ لاحق لعمله هذا. قال ليبمان أن الناس لا يتعرفون إلى العالم إلا عبر “صور قابعة في رؤوسهم”. أشار بحكمه العام إلى طريقة تعاطي الصحفيين مع الخبر، أي خبر. يملكون صوراً في أدمغتهم ويبحثون عما يشبهها، ثم يستعينون بالتفكير النقدي لإثبات الصور القابعة في رؤوسهم، لإثبات أحكامهم المسبقة. وتباعاً ومع تتاليها وتراكمها، تؤثر الصور هذه على.. تصرفات المتلقين. هكذا كتب ليبمان. يمكن فهم آراء الرجل إذا ما تعثرنا برأي (وإن مختلَف عليه) يقول إنه.. أول من اخترع لفظ “الصحافة الموضوعية”!

 

يطالَب الإعلام/مرسِل الصورة بشكل مستمر بالتحلي بالموضوعية. دائماً، يطلَب من مرسِل الصورة أن يكون موضوعياً، لكن ماذا عن المتلقي؟ أما صار يرتكب “التهمة” ذاتها (غياب موضوعية ما)؟

 

هذه الأيام، لم يعد “الانفلاش” الإعلامي جديداً. الطفرة هذه – التي ما عادت طفرة- هل ما زالت تتوجه إلى عموم الناس لتصنع صورةً عامة، أم أن الأمر وصل إلى ستاتيكو ما لدى المتلقي؟ أما صار لكلّ جمهور تلفزيونه أو قناته؟ ألم يجنح المتلقون لقناة واحدة أو اثنتين لتثبيت ما يفكرون به في السياسة أم هم ما زالو ينتقون ويتأثرون ويتغيرون بما ينتقون؟

 

3

يقسِّم التصنيف العام الصورة إلى مجموعتين: “فنية” و”نفسية”. في الفنية منها مصدّر الصورة هو اللاعب الأكبر، في النفسية يصعد نجم المتلقي حتى يصير مشاركاً في إعادة تصدير الصورة. هو لاعب من الخارج، يقحم نفسه فجأة بعد نهاية العملية.

 

في بلد يحيا على الصورة “النفسية”، منذ نشوئه. ومع حروب صغيرة مقدسة تستولد قدسيتها من تكرار حدوثها، وإن كان يقوم بها شبان الأحياء على حدود.. أحيائهم. يصح السؤال الآن، أين المتلقي والمرسل في كل هذا؟ ألم يحصل اندماج وتواطؤ ما بين الطرفين؟

 

صورة الحرب مثالاً: مع توقف كل حرب، هناك صورة ستحيط بك من كل جانب. في إيميلك، على التلفاز، في الصفحة الأولى من جريدتك الصباحية، ومعادةً في صفحاتها الداخلية. بواب العمارة، سيفتتح معك حديثاً صباحياًً عنها. صديقك في العمل سيواصل الحديث. في طريق عودتك إلى بيتك، ستضيف المذيعة في الراديو رأيها الخاص. وآخر ما تنام عليه هو تلك الصور تحديداً تبث على أكثر من قناة تلفزيونية.

 

هنا تخرج الصورة منتصرة، سيان أكان صانعها أو متلقيها/معيد تصديرها هو من شارك في العملية هذه، أو كلاهما.

 

4

في روايته، يقول الكاتب التشيكي: “العجلات الإيماغولوجية تدور ولكن ليس لدورانها أي  تأثير على التاريخ.”

يصيب كونديرا في القسم الأول من جملته، ويخطئ في القسم الثاني.

 

فالزمن يمضي، والإيماغولوجية والسياسة يزدادان وفاقاً بل ويتبادلان الخدمات. لم تعد الأيديولوجيا بحاجة إلى قسم وانتساب مكتوب كما القرن الماضي. لم يعد الأمر “محكَماً” كما السابق. استعارت الأيديولوجيا من الإيماغولوجيا “ليونتها”، قل: تأقلمها مع كل ضغط مستجد. استعارت ما يعينها على البقاء حية وإن بشكل جديد.

 

تباعاً، “تنجح” صورة الحرب بعيداً عن القصة/المأساة التي تقف وراء التقاطها. إنها الصورة التي ستصبح عنواناً للحرب ذاتها. بل ستصبح هي الحرب! الالتباس والترابط بين الصورة وأثرها على المتلقي أعقد من أن يتم تفكيكها بسهولة في محاولة نصية. الثابت أن الإيماغولوجيا ستستمر – رغم كل النقاش المستفيض- بتقنيات جيدة. وهكذا، لن يبقى من الأيديولجيات والسياسة والحروب إلا صوراً في رؤوسنا، في لا وعينا.