في المقهى أجلس. بالقرب مني، مخرج يناقش سيناريو فيلمه الجديد مع كاتبه، أو ناشطة بيئية تشتم عادات اللبنانيين اللا-بيئية، أو طلاب على الكنبة يحضرون مشروعهم الجامعي، أو شاب يقترب بأنفه من وجه فتاة ليقول لها” أحبك” (من دون أن يوقع كوب القهوة)، أونادلة بشرايين خضراء على صدغها تبتسم لي أو له (ذلك الجالس ورائي). ما همّ.

نجلس في المقهى. تخرق الكتابات والملصقات نظر من ينظر من الداخل للخارج أو من يراقب الداخل من الخارج. ننظر إلى اعلانات عن الحروب والفنون ملصقة على الباب. رائحة البن تشقّ أنوفنا. صوت الآلة البخارية لصنع القهوة قريب. قناني السوائل المعطّرة على الرفوف لا تتحرك من أمكنتها. فوقنا إشارة منع التدخين، وحولنا تدرّج ألوان: أحمر، برتقالي، بني. ألوان ترابية.

نجلس في المقهى مبتهجين أو مكتئبين. لا هم. نراقب سرب حمام يقطع السماء. نتابع الشمس تغرب من وراء البناء الضخم المقابل على الرصيف الآخر.

قد نسمع رصاص الابتهاج يملأ بيروت، فنحدس أن أحدهم سيظهر اليوم على الشاشة. لكننا نكمل احتساء قهوتنا. ما همّ. يصعد فيطلقون له الرصاص. يتوارى فيطلقون له الرصاص. أما نحن الجالسون فالأمر عندنا سيان، نشرب القهوة ونبتسم. نمحو همومنا في لحظات. نفكر ولا نفكر.

يخطر ببالنا كل شيء أو لا شيء. نعاني من ذلك الفراغ المصاحب لارتشافنا السوائل البنية. نبتسم أو لا نبتسم. لكننا –مؤكد- نشرب القهوة، أو نقطع قطعة من شطيرة تعيننا على جوع داهم، أو نأكل حلوى باطنها الزهري الغريب يستدعي حكاية بيت الحلوى الشيطاني الذي أكل منه الاولاد حتى أتخموا.

على عتبة المقهى كادت قطة شقراء أن تلد أطفالها. حملوها في علبة كرتونة ووضعوها على الرصيف المقابل في الشارع. أغلقوا عليها حتى انتهت من ولادتها. لعقت صغارها وهم مغمضي الأعين. ثم نامت وناموا هم ملتصقين ببطنها. نامت، ونظر إليها أحدهم قبل أن يغلق عليها الكرتونة ويدعها لمصيرها ويصعد في سيارته.

الأكيد أن كل ما سبق لم يكن خيالاً. حصل كله عام 2008. أول ذاك العام ولد مقهى مع طاولات بالقرب من أخيه الأكبر. هناك، القهوة وقوفاً. هنا، القهوة (وأكثر) جلوساً.

شارع الحمرا لا يني يصبح كالمغنطيس، والمقهى اسمه: مقهى يونس.