أكتوبر 2008


[ ذاكرٌ يا ترى سورَنا الأخضرَ، حيث كانت تفيءُ الطيورْ

يومها حبنا كان في حينا، قصةَ الوردِ لحنَ الزهورْ ]


اليوم، مررتُ قرب محل الورد ذاته. هل تذكره؟ ذلك القابع تحت المستشفى في موقع استثنائي. يشتري منه مريدو المرضي الباقات ويدخلون إلى مدخل المستشفى الشهير. وقفتُ عند الناصية وتذكرتُ باقتك الأولى. أتيتَ مع أمك حينها. دخلتَ غرفتي بالمستشفى على استحياء فيما أمك تقوم بكل الخطوات “الاستباقية”: تؤهَّل بأمي، وتقدمك إليها ثم تستفيض في شرح مؤهلاتك العلمية. كنتُ أنا قد كرهتُ الزوار على كثرتهم. شتمتُ اغماءاتي المتكرر والوزن الكثير الذي فقدتُه وأفضى بي إلى مثل تلك الحال. هناك في سريري كنتُ أنظر إلى يمام المستشفى يحط عند عتبة شباكي ويطير منتفضاً كلما علا صوتي أمي أو أمك. (لا. لا أسب والدتك سراً بتسميتها “أمك” ولا أحتفظ بالشتيمة التي تسبق كلمة “أمك” في داخلي. كل ما في الأمر أن لفظ “والدتكَ” فضفاض قليلاً على تصرفات “أمك”. لـِمَ تضحك الآن؟؟)

 ذاكرٌ يا تـُرى شعريَ الأشقرَ، و الشريطَ و شالَ الحريرْ]

حين خبأْتَ في سمعيَ المرهفِ، هـَمّ سرِّ كفيضِ العبيرْ ]


كنتِ هناك في سريِرك تنظرين إلى الخارج. إلامَ كنتِ تنظرين؟؟ إلى اليمام؟ يملك اليمام صوتاً مأساوياً يشعرك بكتمان الحقائق. يحيلك إلى تذكر الإحباط الذي نحاول التملص منه دائماً.
الحقيقة أنني كنتُ في موقف لا أحسَد عليه. أوصلتُ أمي للمنطقة فأبـَتْ إلا أن تصطحبني معها. لم أكن في وارد أن أفتعل مشكلاً فقد خرجتُ من مشكلي الأخير معها بأقل الأضرار الممكنة دقائق قبل زيارتنا. آثرتُ بلع الموس. ابتعتُ الباقة. ولما وطأتُ باب الغرفة عرفتُ أنني بتُّ جزءاً من ملعوب نسائي حضرتاه بالتوازي “أمك” و”أمي”. (ولتكن شتيمة، لا يهمني). لكنَّك كنتِ فقط تنظرين لليمام إلي يسارك عند عتبة النافذة. لم أتبيـَّن وجهك. كنتِ تديرينه (هل كنتِ تصطنعين النوم؟؟) فقط شعركِ الأشقر لفتني. لطالما لفتني الشعر الأشقر. تقول لي أمي أن ريقي كان يسرح خارجي فمي كلما جلستُ قبالة شقراء في صغري. (لـِمَ تضحكين؟ فعلاً حصل!). المهم أنني تجاوزتُ الموضوع مع الاستشقار المستجد الذي غزا شوارع بيروت.


[ وَ بَعـْدُ تـرامـَت حكايا، و أثقلَ روضي السمرْ

تـُحدِّث عنه الصبايا، يجئ إليه القمرْ ]


فلما استدرتُ ناحيتك رأيتُكَ في كرسيكَ مضطرباً خارج سياق الزيارة، ابتسمت. وأنا قلما أبتسم من دون سبب. شعرتُ بالراحة. أنتَ ابتسمتَ بدورك قبل أن توقع القهوة على حجركَ وتزداد اضطراباً. اتسعـَت ابتسامتي. قلتَ حينها: “منيح اللي القهوة حلوة” (!!)، فيما سارعت “والدتانا” (نعم بين مزدوجين) إلى تأكيد أن “كب القهوة خير”. كانت أمك تحاول أن ترمم صورتك أمامي فيما أمي تستبسل لمتابعة الملعوب النسائي. ما لم يعرفاه أنني وقعتُ في غرامِك في تلك اللحظة. كلما أنظر إليك أستذكرك تقول: “منيح اللي القهوة حلوة”؛ جملة بلا معنى تؤرخ اللحظة! بعدها تحدثنا في الكثير من الأمور، وبعد رحيلك شممتُ رائحة الورد الذي أحضرته. مختلفةً كانت الرائحة عن باقي الباقات التي امتلأت بها غرفتي.
(ما زلتَ عائداً في آخر الشهر، أليس كذلك؟؟)


[ ذاكرٌ يا تـُـرى وعدكَ المقمرَ، بالرجوعِ و قطفِ الورودْ

أم تـُراه مضى حبنا و انقضى، موسما مفرداً لا يعودْ ]


أجل أنا عائد. سأحضر لكِ باقةً من “البياع” ذاته أم تريدين باقةً من بعض الصِبية الذين يتواجدون في مستديرات شوارع بيروت؟ أعلم أنك تحبين ذلك الصبي الأسمر الذي يبيع الورود عند مستديرة الأونيسكو (ولولا عمره الصغير لأبلغتُ عنه الشرطة). سأفتش عنه، أدفع له بقشيشاً وأطل منه إيصال الباقة حى عتبة بيتك.

 

أما زال اليمام يملك ذات النغمة الآسرة الحزينة عند عتبة شباكك؟؟

ترجمة غير حرفية لإحدى تدوينات جيج، بداعي الملل والإعجاب، مع بعض الإضافات والحذف، دون إذنه، عله لا يمانع.

يطوف الحليب من الوعاء على النار، يلحق الأولاد بالقطار، وتصعد السيارة التل. تنعكس صورة برج إفل في الباب المعدني البارد، وتفرغ صالة السينما الفارغة بعد العرض الأخير. الرجل موصل البيتزا يغطس في مسبح الفيلا، والأب يعود من عالم الأموات، فيما الرجل العجوز الذي تخلّى عن كل شيء يقود الدراجة النارية مع وعاء الزهر في يده، ويستسلم أخيراً لرقصته المجنونة. كل شيء يستحيل أخضر ولا يبدو أن أحداً يهتم. شوارع تايباي تظهر من وراء عدسة برتقالية، وهو يدوس العظام بحذائه. الألعاب النارية تستمر فوق نهر السين، وهي تستمر تقول بالطريقة نفسها: “ألم تفهم بعد؟ أنا فقط مثل هذا العالم حولك، لا أتغير”. تخلع للحظة حجابها، ويظل القلب الدامي مرمياً فوق الثلج الأبيض النقي. الرجل العجوز النحيف متواجد دائماً في الجوار يراقب، والفتاة الأفريقية في الدكان المزدحم تنحني مرة أخرى فوق سطح الماء. المطر يهطل داخل البيت. وهناك، في مكان ما، من يحصل على الحلوى السحرية وينقذ الفتاة الصغيرة، أما أنا فأقفز فرحاً فوق السرير وترميني دائماً رفاصاته إلى الأعلى. دائماً إلى الأعلى. غريب. هو حينها يكون يريها نقطة وراء الأشجار ويسمع نفسه يقول: “من هناك جئتُ أنا”، ولا تزيد الاستدارات في خصلات شعرها عندها، ولا تقل. الناس في مترو الأنفاق متجمعون، القطار قربهم يمر، وفي الخارج، قبل سنوات، شابلن وجين كلي يدوسان بإصرار في بقع المطر المتجمعة، فيطرطشان كل الفراغ المحيط بهما. الرجل الصغير يتابع حديثه بكلمات مقلوبة، والأمواج تتكسّر على الصخور بينما هم ينتظرون القارب. وصوت ماسحات زجاج السيارات يستمر، فيما الأولاد يسرقون معطف العجوز بعد موته. أما هو، فيغطس إلى الأعماق هناك ليجدها تنتظره. وأنا أبقى أنظر إليها وألاحظ الطريقة التي تصبُّ فيها الشاي لي. أحدس لحظتها أنها ميتة فعلاً، وأتذكّرالطريقة التي ركضت بها في الشارع في ذاك الصباح الباكر، وكيف استدارت ناحيتي وابتسمت وكيف توقف العالم لحظتها. أتذكر وألاحظ كل ذلك، وأعرف أنه أصعب من أن أستطيع تحمله، أصعب من أن أستطيع تحمله.

Lsiten to Li beirut, by Radiodervish

(Vocals: Palestinian Nabil Salameh)

(other streaming audios by Radiodervish)

إنّ أرنباً أبيض يخرج من قبعة الساحر. ولأنه أرنب ضخم، فإنَّ جلسة السحر هذه، ستحتاج إلى مليارات السنين. وكل أطفال البشر يولدون على طرف الشعرات الدقيقة في فروته، مما يجعلهم يدهشون، مباشرةً، من جلسة الشعوذة المستحيلة. ولكنهم يكبرون ويغرقون أكثر في فروة الأرنب. حيث يمكثون، ويشعرون بالراحة بحيث لا يعودون أبداً إلى امتلاك شجاعة تسلق الشعرة.

جوستين غاردر في روايته “عالم صوفي”

يحدث أحياناً أن تنهض في الصباح كَسِلاً، أو مريضاً وتبقى لربع ساعة (أقل أو أكثر قليلاً) في سريرك. تنظر إلى السقف أو إلى فوضى الغرفة، أو تلحظ الغبار الذي التصق باللمبة وشريطها المدلّى من السقف. تفكّر أنك ستمسح هذا الغبار اليوم، ولا تفعل.

وتنهض بعد الوقت ذاك. تنظر خلال خروجك من الغرفة إلى الثياب المكدّسة قوق شنطة السفر (ستضبّها غداً، آمَل). تتركها وتنتقل إلى المطبخ.

تحضّر كوباً من قهوةٍ منزوعة الكافيين. تعود إلى كنبتك (المفضّلة؟ لا لم تقرر بعد). تجلسُ تتفرّج على إعادات رتيبة لحلقات مسلسل رمضاني، أو سيتكوم حفظته غيباً. تضحك أكثر ممّا ضحكْتَ قبلاً، من دون أن تعرف السبب.

يحدث أن تبقى ببيجامتك، وتشعر بثقل رأسك وتتحول عيناك لطابتيْن ثقيلتيْن. (قررت: أنت في بداية مرض، لا كسل.) تحاول أن تقرأ لجوستين غاردر ولا تفلح في تخطي قسم “فروة الأرنب”. الطابتان تزدادان ثقلاً، والرأس يحاط بصوت يشبه أصوات السيارت الهادرة والمارة بالقرب من رجل لا يتحرك: فوووف. فوووف. (هذا، لا شك، رشح قاتل يستولي على مناعة جسمك).

تدع الكتاب، لتنتقل إلى بحث سريع على الانترنت: فتاوى رمضانية. مسلسلات. سوزان تميم. الدويقة. قنابل. انهيار الأسهم. تفاهمات. مصالحات. افطارات. حوار وطني. شتائم غير وطنية (بتاتاً، لكن ملطَّفة قياساً باعوام ثلاثة مرّت).

تفكِّر: هل أنت منهمك داخل الفروة أم تتنقل على أطراف الشعرات البيضاء؟

يحدث بعض الأيام أن تخرج إلى الشرفة بلباس بيجاما قطني الملمس، وتنظر إلى أشجار الصنوبر الخضراء دائماً (التي لم تلتهمها النيران في الصيف الذي ما زال يلفظ أنفاساً أخيرة). تشعر فعلاً بلمسة الهواء الباردة وأنت تلمح الغيوم السوداء القادمة من فوق البحر باتجاه بيروت عشوائية البناء. تقول: اقترب مطر الخريف (أم هذه غيوم مازوت عاظـَمَتْ من أشكال غيوم البحر؟). تضيف متيقناً: ستنتظر الغيوم إلى الغد. هكذا تبوح أشكالها. تشعر بمسام جلدك الناتئة من ريح بدت لكَ باردة، وتسمع أحداً من التلفاز المضاء في الغرفة الجانبية، يتكلم، ويتكلم، ويتكلم..

تدخل وتغلق الباب وراءك. تقف أمام التلفاز. تتنقل بين القنوات التلفزيونية. تنتقي قناةً للطرب، لتجد أم كلثوم تغني عن ربع ساعةٍ أخير في علاقة عاطفية ما، على الأرجح لم تحدث إلا في خيال كاتبها.

ولا يرنُّ خليويُّك.

” كيف تخبرني أنـَّك وحيد وأنَّ الشمس لا تشرق لك؟ دعني أقدْكَ يداً بيد داخل شوارع لندن. سأريكَ شيئاً لأجعلك تغيِّر رأيك.”

من أغنية لـ”رالف ماك تـِلْ”

***

طابق ثانٍ وجناحان

في الطابق الثاني من الباص، تجلس. لحظةَ تعلو، تمتلك عالماً متخلياً وتتضخم لديك المقاييس. تخاف استدارات الباص. تتأكد لثوانٍ أنه سيرتطم بالسيارة القادمة قبل أن يخيب توقعك. وأنتَ في الأعلى، لا تثق بالسائق. لا زلْتَ لا تعرف الكثيرهنا. لا زلْتَ تخطئ وتفتح باب السائق الأمامي الأيمن في سيارة رفيقك. لا زلْتَ تنظر للجهة الخاطئة من الشارع. لا تعرف كيف يبدأ نهارك وكيف ينتهي. لا تعرف حتّى إن حلّ الصيف أو انتهى الشتاء. فالشمس لا زالت حاضرة مع الريح الباردة، والحمام الأوروبي الوقِح يتـَناتـَش بقايا شطيرة في وسط الشارع غير آبه لرذاذٍ صيفيّ، أو لباصٍ قادم إلاّ في اللحظة الأخيرة. الشطيرة تستحق فعلَ المخاطرة إن وُجِدَ الجناحان.

***

عرب في المكان

هنا مساحة لاختلاط أجساد غريبة لا يجمعها إلاّ المكان. السعودي يتحدّث عن فعل التلاعب الموسمي بالأسهم السعودية من أشخاص معروفين بالإسم. الأردني يخبِرُ عن أمه المريضة بالمرض القاتل وعن فقدانه للكثير من شعر مقدمة رأسه وابيضاض جانبيه لحظةَ زارها. أما الفلسطيني، فيستفيض لتأكيد أنّ العلاقات الداخلية الفلسطينية أعقد من التعميم المنصِف، ولا يتوانى عن توزيع الهامبرغر المجاني، دعوات العشاء، دعوات لصالونات الحلاقة، والواقيات الذكرية المجانية لإلهاء طلاب الجامعة عن المحاضرة الإسرائيلية مساء هذا اليوم.

***

اندماج

في مطاعم البيتزا السريعة، ملصقات لتجمعات إسلامية، لحفلات الأناشيد القادمة لعماد رامي، ولحلقات نقاش عن انتشار الأسلحة بين أيدي المراهقين. قرب الملصَقات تمر المحجبات الباكستانيات وهنّ يلبسْنَ “النص كم” ببساطة ويرافقْنَ المنقّبات حتى الجامعات. في الجامعات، المسلمون مجتمعان: سني وشيعي. ينأيان بأنفسهما عن أيّ موقف داعمٍ واضح لأيّ قضية يمكن أن يوسمهم بالإرهاب. يحاولان الاندماج بالمجتمع الانكليزي. ينجحان ببطءٍ مجتمعـَيْن، وينجحان أسرع لمّا ينفصلا.

***

صينيون في مكان بديل

الصينيون في انكلترة. انكلترة كبديل عن مكان لم يصلوه: أميركا. يجهدون في تعلم الانكليزية. ينجحون ويفشلون. أحدهم لا زال يـُشعـِر زميله الانكليزي بأنه يختنق كلما تحدَّث اللغة. أما الانكليزي فلا يزال يخطئ بدوره في توقع عمر مخاطبِه الصيني. تباعاً، تستعيد الذاكرة نظريّة مفادها أنّ الصينيين يتأخـّرون ليهرمون.

***

قلقيلية

المستشفى. يدخل الطبيب. لبانته تسبقه وتخفف من وَطْء بذلته الرسمية على المرضى. يضحك وهو يعلك اللبانة. يسأل عن مكان الولادة. “بيروت”. يبتسم. يقول أنه ذهب إلى إسرائيل وعاش في قلقيلية. “هل تعرف قلقيلية؟”، يسأل. “مكان رائع”، لا ينتظر الإجابة. يود أيضاً الذهاب إلى لبنان وسوريا لولا “الأختام الإسرائيلية على جوازه”. يضيف أن تلك الأختام لم تمنعه من دخول الأردن. ينظر إلى ملف المريض، يضحك ضحكته الرتيبة ويعيد علك لبانته بإصرار ويلتفت قبل أن يرحل قائلاً: “من يدري؟ قد تراني في لبنان قريباً”.

***

بريد إلكتروني

تفتح البريد الالكتروني وتجدُ أنك اخترْتَ لتربح جوائز وهمية من دون أن تعرف. لا يزال بنك أفريقيا الجنوبية يعلمكَ بالمبلغ المليوني الذي ورثته على حين غرّة، أو بالشخص المجهول الذي يحتاج لمساعدة طبيّة عاجلة ويسأل انسانيتكَ أن تمنحه إياها. لا تزال حتّى تتلقى إعلان القوات اللبنانية الالكتروني الذي يزدان بصورة لراقصة تركية يدعونَك فيه لليلة “شرقية” راقصة في تولوز بجنوب فرنسا.

***

في حقيبة واحدة

تـُترَك أنفاق المشاة المنخفضة عن الأرض لمن يطأها بلا أدنى اهتمام. تهمَل لترقدَ فيها روائح غريبة من بول الكلاب وعرق عمل النهار، فتعرِّف هويتها. يجلس الشحاذ في باحة تقاطع الأنفاق على المقعد الحجري. لا يتكلم. لا يستجدي. يقرأ فقط في كتاب بلـِّلَتْ صفحاته ثم تركت وحدها لتجف فتعاظم حجمها. وصل الآن إلى الصفحات الأخيرة. يرفع نظره لحظةَ يترك أحدهم قطعة معدنية واحدة أو اثنتين. يشكره. يتابع القراءة للحظات ثم ينبِّش عن شيء ما في حقيبته البنـّيّة الرثـّة. هو يحمل بيته في حقيبة واحدة.

***

سُكْرٌ يتقيّد بالإشارات الضوئية

ليل نهاية الأسبوع. تكاد السيارة أن تدهس قاطع الطريق غير الآبه للإشارات الضوئية. يتراجع في اللحظة المناسبة، يزفر تنهيدة النجاة. تقترب إحدى الفتيات التي خرجت للتو من سهرة نهاية أسبوعها.

“أنظر إلى الإشارات الضوئية. أنظر! تأتون من آخر العالم ولاتفقهون معنى الإشارات. لم تنظر إليّ هكذا؟ هل تظنّ أنني سكرانة. مخطئ. مخطئ ومعتوه أيضاً.”

تعود إلى رفيقاتها. يبتعدْنَ وهي تكمل بترنّح: “الغبي يظنني مخمورة.”

***

رحيل

لحظة الرحيل يعاد بناء ما تراكـَم، ويتم تجميع ما تبعثر. لا يُشعَر بالمكان إلاّ عندما يـُترَك. تتضخم المقاييس للحظة كما في الطابق الثاني للباص، وتقفز للعين تفاصيل صغيرة ليسَتْ جديدة لكنّها لا تفقد طزاجتها وكأنّها خبِّئَت للحظات الأخيرة. يهطل الرذاذ دائماً بلا إعلان مسبق. في مدن بريطانيا الشتويـّةِ الصّفة أيام الصيف، “يحمل المطر قليلاً من الشفقة والمواساة لبطل منسيّ آخر وعالم لا يكترث”. تختم الأغنية.

يجلس بملابسه الداخلية وحيداً في زاوية من غرفته المظلمة. ضوى برق كهربائي منذ لحظات. كان عائداً لينهي نهاره كما دائماً في عزلته الاختيارية. لمس بأصابعه المتعبة أزرار الكهرباء فلمع الطرف الأيمن من الغرفة ثم حلّ الظلام. وجدها فرصة ليزيد من اعتكافه الاجتماعي. خلع ملابسه، أدار التدفئة الحرارية، ثم جلس هناك. صمت لثوانٍ، لدقائق. تنهد. قام ونظر إلى الرفوف الخشبية. ألبوم الصور مستقر إلى اليسار. كادت يده تمتد لترفعه من مكانه لكنها تضامنت مع خياره المازوشي. تذكر أيضاً أن يطفئ المحمول. ثم عاد إلى كرسيه المدفّأ.

نظر إلى السقف. اكتشف أنه يحب أسقف البيوت خاصةً في الظلام. ترسم عيناه هناك أشياءً حدثت أو لم.. تحدث. أشياء صغيرة تحرك “الستاتيكو” الآني. تذكّر أنها ليست المرة الأولى التي ينظر فيها إلى الأسقف. كثيراً ما كان يستلقي في سريره لينام فينتهي به الأمر ناظراً إلى فوق ومتأملاً. تشخص عيناه للحظات ثم يثقل جفناه ويروح في نوم عميق.

يستذكر جدته. تقسِّم مراحل حياتها بحسب الأحداث السياسية الأشهر. لا تعلم متى ولدت. تعلم أنها شهدت في صغرها المجاعة وتعرفت إلى الجراد. بعدها سمعت في مراهقتها أن رجالاً حبسوا في قلعة ما وأن الفوضى عمّت فجأة ثم استتب الوضع وعاد الناس ليترحموا على “الفرنساويي” ثم دبت ثورة أخرى ثم أخمدت وفي أثناء ذلك ظهر ذلك الكاريزماتي التي أحبته. ثم كادت تتزوج من آخر لكن تنحي الكاريزماتي وامتداد “الجـَفـْلة” إلى شوارع بيروت لم يكتفِ فقط بإرجاء زواجها لأيام بل قدم لها زوجاً بجبهةٍ جريحة من فعل ضرب الرأس بالحائط. قدم لها بداية بائسة لزواج. كرهت لحظتها ذلك الكاريزماتي الآتي / الباقي / المتنحي / العائد. ثم عادت فأحبته يوم رحل. وكيف لا تحب الراحلين لحظة رحيلهم؟

التفتت إلى زواجها فجربت أن تحمل ولم تنجح. ولما حملت أسقطت الجنين مرة ومرتين وثلاث. وذات مرة، ذهبت إلى الشاطئ القريب من بيتها الجنوبي وجعلت تغسل ملاءات السرير البيضاء فاستحال زبد البحر أحمر. فجلست تبكي ولم تحاول مرة أخرى. إختارت أن تعتني بأولاد زوجها وتفننت في زرع قصب السكر في حديقتها الصغيرة. ثم ظهر شخص أسمر آخر يشد على الحروف المنطوقة ويتهدّج بإيمان كلما خطب. قيل بعدها أنه ذهب إلى قيـّمي اللا مكان بـ”شجاعة”. “شجاعة” امتدت معه إلى خطاب كلـَّفها الطبخة المحروقة الأولى ونظرة العتب الأولى من زوجها أبي اولاده.

وماذا بعد؟ احترقت الطبخة وخرجت القضية المطرودة من بلد لبلد لتستقر هنا ثم اشتعل حريق آخر قريباً منها. وبات غصن الزيتون مركوناً قرب الكلاشينكوف وظل ناس القضية يأكلون الصعتر الطيب ولا شيء غير الصعتر. ثم قتل الأسمر المؤمن ودخل الجنود الآتين من لا مكانهم الأراضي المحيطة بها. كانوا كثر. بعضهم جهد في تكلم العربية فخرجت من فاهه هجينة لئيمة. استعارت جدته لئمهم ولم تمتنع عن أداء دور مربية أولاد الزوج. هكذا كانت تردح لجنود اللا مكان لحظة يطأون سقف دارها أو يسرقون قصب السكر من حديقتها.

وكان أن اختفى ابن زوجها ليظهر في صفوف حركة شارعية اسلامية تجاهد ضد نصارى ما بعد المتحف. ثم أدار ظهره للنصارى وانهمك في قتاله ضد الشيعة وقـُزِّمـَت هوية الحركة من الإسلامية للسنية. لحظتها، لم تكن جدته لتكترث بالمشاريع الإعمارية المعلقة الطائرة بين دول القرار والتي تريد بناء البلد قبل أن ينتهي فعل الخراب فيه. نزلت إلى بيروت لتعيد ابن زوجها وهو كذلك فعل لكنه كان قليل الهمة بعكسها. وجدت ابنـ”ـها” قد بدّل الحركة ولم يبدّل السلاح، ولم تفلح في إعادته. استمرت لسنوات قبل أن يتوقف كل شيء فجأة كأن شيئاً لم يكن.

عاد إليها ابن زوجها سليماً لكن محبطاً وعاطلاً عن العمل. وبدأت سنوات اللا زمان واللا مكان. مهّد لها أحدهم وقد أصبح بعدها شهيداً على الشاشات الجديدة الإخبارية التي ستدمنها في آخر أيامها مقعدة بسرطان العظم. اختلطت عليها الأمور بادئ ذي بدء مع بداية سنوات الرماد: ابن زوجها مصاب يقضي أيامه في المنزل كئيباً، وأحد “الشهداء” المستقبليين يترك قيـِّمي اللا مكان ويستدير ليبدأ أم معاركه في الجهة الأخرى، أما غصن الزيتون فقد عاد من منفاه كئيباً كما لم يكن من قبل مصاباً بطفيليات نادرة. وعادت القضية المطرودة لتنام في أحضان قيـِّمي اللا مكان، فتضخمت جيوب البعض كما خلال سنوات الخراب. أما الشعب فبقي مطروداً يعيش على الصعتر.

ثم ماذا؟ أضاعت جدته هنا “التـَوْرَخـَة”. تقول أن سكوناً حلَّ قطعه جنازات واغتيالات بدت لها عادية قياساً بما مرّت به. لحظة تملك منها ذلك المرض وتم نقلها إلى المستشفى، طلبت من سائقي عربة الإسعاف أن يتوقفوا في البقعة الجديدة المعاد إعمارها ويخرجوها قليلاً لتنظر فقط. عبثاً كانت تفتش عن شوارع شعبية كانت تتسوق فيها قبل اندلاع الحرب. قالت أن المكان بات غريباً عليها ثم أضافت أن لا مشكلة فهي ذاهبة وربما يتواءم من هو أصغر منها معه. عادت إلى سيارة الإسعاف واتجهت إلى غرفة ستقضي فيها بقية عمرها. هناك، ستعيد عقد الصداقة مع التلفاز الذي هجرته منذ سنوات الخراب.

في الشاشة سيسقط البرجان. في الشاشة ستتعرف إلى الملتحين. في الشاشة، ستتعرف على الغبي صاحب الحركات “الوجهيّة” الغريبة. هناك، سيُحاصر صاحب زيتون الشاشة المقلوع عنوةً.. ثم يموت أيضاً.. في الشاشة. ثم تنام لتصحو على هزّة. تسألهم عمّا حدث فيقال أنه انفجار، فلا تكترث قبل أن تشاهد الشاشة، ثم تصدق. ترى الأرض المحروقة وتبدأ أيامها الأخيرة لتتحول الشاشة بعدها واحةً لأناس كرهتهم في السابق فعادوا وطلوا أمامها وكأنهم لا يريدون تركها تهنأ بأيامها الأخيرة.

تختلط عليها الأمور، البعض يتحدث عن “أولاً” و”آخراً”، تنظر إلى السقف تستذكر صديق أمسياتها الحربيـّة رياض شرارة وتبتسم. ثم تغلق عينيها، وتبتسم. ثم تسمع أزيز الطائرات، فــ.. تبتسم. ثم تـُبنى كاريزما شخص آخر، ولا تملك إلا أن.. تبتسم.

وهو أيضاً. ينظر الآن إلى السقف الأسود (لعله السقف ذاته؟)، ويتهدل جفناه. ينتقل بملابسه الداخلية – التي قد تبدو غريبة لجدته – إلى سريره. يستلقي كعادته هناك ثم يعيد النظر فيراها تبتسم فوق وتنتهك بكل محبة عزلته.

ثم يغلق عينيه، وينتظر أن يأتيه يوم ينظر فيه إلى الشاشة و.. يبتسم.

صاحب السحنة السمراء يخرج سريعاً من بيته متجهاً إلى عمله. ينسى إطفاء التلفاز. جيفارا البديري تتلو رسالة الصباح. يصعد الباص. ينظر إليه السائق نظرةً غريبة ثم يتأمل بطاقته لدقيقة قبل أن يسمح له بالصعود. ما هَمّ. البارحة، وجدوا قنبلة تحت أحد مقاعد محطة الباصات وسحنته باتت دليل شبهة.

صاحب السحنة السمراء يشعر بكآبة مزمنة، ينتظر نهار عمله أن ينتهي كي يعود إلى بيته سالماً. يمر في أحد الشوارع فيتذكر “مار الياس” وذلك المحل “الآرتيزانا” الذي كان يقف أمام واجهته ويقول:
“من هنا سأشتري لها أول هدية معلنة بعد طوفان الهدايا المجهولة التي وصلت عتبة بيتها. بس لو تقبل.”

هي لم تقبل ومحل “الآرتيزانا” لم يغلق أبوابه كما في نهاية فيلم رومانسي رتيب. ازدانت واجهته ببضائع جديدة واحتلّت عشبة الماريجوانا تطريزات معظم الحقائب المعروضة.

ما هذه الرائحة؟ تبدو كرائحة “الآرتيزانا” التي صمدت تحت حصار لم ينته. أين هي الآن ،يسأل. يهرع لكتابة رسالة الكترونية لصديقتها. تقول له أنها ما زالت هناك مع صاحبها القذر. يعاملها باستخفاف كما دائماً وهي ما زالت تحبه في علاقة أشبه ما يكون بالآرتيزانا الرتيبة.

يمسح وجهه براحتي كفيه وينظر إلى ما ظهر من انعكاس وجهه على شاشة الكمبيوتر السوداء. لـَمْ ينتبه لسحنته قبل ذلك. كان يعيش بين آخرين يشبهونه. هنا بدا نافراً،غريباً. هنا بات وحيداً.

يمر بساحة فيتذكر وسط بيروت. هنا مسرح وتلك سينما. ينتبه أن المسرح والسينما لم يكونا يوماً جزءاً من هوية وسط بيروت الجديدة. لا مسرح ولا سينما هناك. فقط شظايا تظاهرات ثقافية من حينٍ لآخر في خطوةٍ أشبه برشوى من البنائين لمرتادي الساحة. السياحة الجديدة تعني جنس وأكل. الجديد ليس بثقافة خشبية. براغماتيةٌ هذه السياحة لدرجة مستفزة. تغيـِّر لونها الثقافي بتغير الأحداث.

يكمل طريقه ويمر قرب صالون تجميل. يدخل . يحتاج لإعادة تأهيل تخفي شبهة سحنته السمراء.

ينظر إلى المرآة بعد محاولة إعادة التأهيل. لا يعرف نفسه. ينقد العامل مبلغاً ويخرج. يجتاز الشارع إلى محطة الباص. يفاجأ بسمرٍ آخرين فعلوا مثله وأعادوا تأهيل انفسهم. ينظر إلى أحدهم ويتذكر أنه رأى هذا المظهر قبل دقائق خمس في مرآة ما.

يصل الباص. يصعد الباص. يعيد السائق التفرس في ملامحه. يدخل ويجلس قرب النافذة.
لـِمَ قالت لا؟ يعيد نبش أوراق زمن مر. يعيد إيهام نفسه أن الفرصة ما زالت سانحة.

يتوقف الباص وتصعد عجوز تأبى أن تتكلم إلا بصوت مرتفع.
لـِمَ جنّ عند معرفته بقصفٍ طال محيط بيتها الجديد؟ لـِمَ ما زال يفكر فيها أساساً؟ ما هذا الهراء الفكري الذي يلفّه هذه الأيام؟

يتوقف الباص ويصعد مراهق يعلن مثليةً صريحةً تؤكدها ملابسه وحركاته.
لـِمَ يفتقد الصراحة مع أسراره الدفينة. لـِمَ يصر على عدم إشراكها مع أحد؟ أَلـِيَحتفظ بأملٍ هو أبعد ما يكون عن المنال؟

يتوقف الباص ويصعد طفل وامرأة. الطفل يبتسم بسبب وبلا أي سبب في وجهه.
لـِمَ ينظر إليه الطفل ويبتسم. من أين يأتي بتلك الإبتسامة؟

ما همّ. عليه ان يعالج تداعيات اكتئابٍ بدأ. العلاج كما تربى عليه يتمثل بتأجيل الموضوع كما دائماً وفي حالات متطرفة يبدو اللجوء إلى البتر الاحمال الأنجع. لِيـَكن صريحاً مع ذاته: لـِمَ يجلد نفسه إذا كانت الخاتمة المفترضة تقول أنه سيعود إلى هناك ويحظى بـ “عذراء” انتقتها له أمه؟

يصل بيته. ينظر إلى المرآة. يدخل الحمام ويزيل مظهره الجديد كـَمـَنْ ينتقم من لحظة ضعف. يستلقي على سريره وحيداً كما دائماً .

في التلفاز، جيفارا البديري كما تركها عند خروجه: تقف ببذتها العسكرية وتعلن بصوتها المخنوق آخر الأخبار من أرض الحلم.
جميلةٌ هي جيفارا البديري وغريبٌ هو صوتها. تماماً كغرابة اسم جيفارا لامرأة.

الصفحة التالية «