ديسمبر 2008


البارحة نبت الورد على أصابعي. تحسسته بلطف متوجساً أن أؤذيَ إحدى الوردات ثم أكملتُ نهاراً طبيعياً.. غايةً في الطبيعية!! تحاشيت أن أصافح أحداً في طريقي للعمل. اكتفيت بقراءة بعض التقارير العلمية الجافة مبتعداً عن الكمبيوتر. لا أريد أن يميت الضغط على لوحة المفاتيح إحدى الأوراق. هذا برعم ظهر للتو وتلك ورقة يزداد اخضرارها.

 

البارحة جلست أنظر إلى ورداتي تقبع على أطراف أصابعي وهي تتفتح على مرأى من ناظريَّ. شهدتُ الحياة تمشي ببط وتتطور. هي تكمل يومها وأنا أنظر. أتعب من النظر فأشيح بنظري بعيداً أو أغمض عيني فيفوتني تلوّن وردة. تباً. لا يأتي التعب إلا في أتفه الأوقات.

 

البارحة رويتُ الورد الطالع بالماء تحت الصنبور برقـّة. سألتُ قبل ذلك إن كان الماء يحتوي كيماوياً قاتلاً للنبات، فأنا أريد الحفاظ على ورودي. قفلتُ عائداً إلى غرفتي لأختلي بنفسي. تجنبتُ الأكل. لا أريد أن أمارس أي روتين يومي يقضي على هذا الورد المستجد الجميل.

 

البارحة، تكلمت مع ورودي من غير أن يسمعنا أحد. وحدها فراشة اقتربت من وحدتنا. لم أعرفها بادئ الأمر.  تذكرت “هايكو” مورتيك:

ما ظنتها زهرة ساقطة
ترفرف عائدة إلى الغصن
كانت فراشة

 

أضفتُ الفراشة إلى مستمعي حديثي. الظلام يحل في غرفتي. أضغط على زر الإضاءة بساعدي من غير أن أستخدم كفيَّ. تطير الفراشة ناحية الضوء، وتنتحر هناك على مرأى من ورودي وناظريّ.

 

أكتئب، فقد شاهدت اعداماً ذاتياً  للتو. أهرع إلى سريري. أحاول أن أنام من غير أن أتقلب. أحاول أن أبقي ورودي سالمةً.

أستيقظ صباحاً وأفاجأ بورودي قد ذبلت وانضمت إلى فراشة الليلة الماضية في أرض البقاء.

البارحة نبت الورد على أصابعي. اليوم ذبل ومات.

 

البارحة صافحتها. يبدو أن علي مصافحتها اليوم أيضاً حتى تلد أصابعي وروداً جديدة.

أخرج للمنزل متجهاً إلى ذلك المقهى الغريب حيث تجلس هي.

في إحدى صفحات الجرائد التي ألتقطها في الباص، شعر آخر  لكياروستامي:

 

تبرعمت

أزهرت

ذبلت

سقطت

ولم يرها أحد

 

بلى. رأيتها. أنا.. فقط.

في الشارع، يركض الأولاد خلف الكرة، وتركض الكرة بدورها فوق غبار الطريق. وحدها السيارة الحمراء نظيفة لمّاعة. الأولاد يتعاركون، يستدعون شتائم آبائهم ليعنِّفوا بعضهم كلامياً. يركض الأولاد، ولا تمطر عليهم السماء. هم يغتسلون فقط بغبار الطريق. (ستفرغ والداتهم الرملَ من أحذيتهم عصراً، ويضعْنَهم في البانيو مساء. سيدلقْنَ الماء على أجسادهم المغبَّرة من “طاسات” معدنية بكميات محسوبة، ويشتمن الساعة التي خُلق فيها التراب).

أجساد البنايات جرحى، خرقَها رصاص حربٍ قيل أنها توقفَتْ البارحة. (لم يتأكد الناس بعد من ذلك، حتى أجساد البنايات لم تصدِّق بعد. قارئي، لو دسَسْتَ إصبعَك في هذه الفجوة، لشعرْت بسخونة بارود البارحة).

في البناية، جارة لا تطيق وجه زوجها العجوز، فتشتمه وتشتم أمه. في فسحات الأدراج، نسوة البناية يطبخْنَ اللوبياء بزيت في وعاء لم يخلَق أكبر منه في تاريخ التكافل الإجتماعي، قاعه أسود من كثرة الإستعمال. وتحت البناية، صفٌّ من الرجال يبتاع الخبز أو “يزقّ” غالونات الـ10 والـ20 ليتراً.

نحن الآن في طريقنا إلى شقة مغلقة من شقق البناية. (قارئي، حاذر وأنت تخطو فوق الركام. لا تـَدُسْ هنا). الشقة لم تفتح أبوابها منذ توقفت النار، النوافذ أغلقت بقطع من الخشب البنّي. مَن فيها لم يعرفوا بعد أن كل شيء انتهى. (إنه شيء أشبه بما حدث للبطلة في الفيلم الألماني “وداعاً لينين”). داخل الشقة، خاطفٌ بذقن بيضاء يربِّت على أكتاف صِبـْيَته. يقبل بناته على خدودهنّ وهو يجلسهنَّ في حجره. وقد استطاع أن يفعل ذلك كله وهو يقشِّر ليمونة برتقالية ليقدمها إلى ضيفه المخطوف. أما مساعد الخاطف المثليّ فيقضي أوقات فراغه بلعب “عسكر وحرامية” مع مخطوفه. يلحق به، فيهرب الآخر منه.

هم لا يعرفون أنَّ شيئاً ما قد حدث وانتهى، أو أنّهم لا يعترفون بحدوث الشيء الذي حدث، أو أنهم لا يأخذونه على محمل الجد.

على الدرج، خارج الشقة، امرأة تنطلق إلى الشارع لتنضم إلى صديقاتها اللواتي يطالبْنَ بأقربائهن المفقودين. هذه المرأة لا تعلم الآن أنها ستضع صورة زوجها المخطوف ذاته مع صديقاتها على كراسي قاعة نقابة الصحافيين بعد 15 عاماً من الآن. ستبقى تنتظر عودة زوجها في زمن آتٍ سينعم به الناس الآخرون بجنّة “التغاضي”، ويسمّونه “تسامحاً”. إنه التغاضي الذي يجعل خدوداً يسرى تتواجد دائماً لتتلقى الصفعات التالية. ومع التغاضي المحسوب، يتقزَّم العنف الفعلي ليصير كلاماً و”بعبعة”.

وفي مكان ما، في شقة أخرى من البناية نفسها، مقاتل سيصبح مقاتلاً “سابقاً” عمّا قريب. المقاتل يأبى أن يتغاضى. يصرخ وهو يضرب جبهته في الحائط سيء الدهان. يبكي أمجاد حربٍ ظنَّ أنها انتهت. لا يعرف المقاتل أنه وبعد أقل من عقدين سيعود ليتفحَّص سلاحه المضبوب على “التتخيتة”، وسيفكّر ويقول: “يا للمهزلة”.

في شقة مجاورة أخيرة، سيموت أحد العجزة الذي لم يتحرّك قياماً عن كرسيه المدولب لأيام. العجوز وجّه كرسيه ناحية الشباك حيث ظنّ أنّ باستطاعته رؤية السماء، ولم يخلع معطفه، ولم يسرق الأولاد ما في جيوب معطفه هذا من حلوى، بعكس الفيلم الأجنبي.

في الخارج، على حدود المدينة، في المكان الواسع المطلَق، حيث يجب أن تنتهي المشاهد الأخيرة من الأفلام، جدار خطَّ أحدهم عليه العبارة التالية: “أنظروا ماذا فعلت بنا الشرعية”.

(*) خليط من أحاديث أصدقاء وأقرباء وإعادة استحضار لمشاهد سينمائية من سلسلة أفلام لبنانية أنتجت خلال العقدين الماضيين وتعارف على تسميتها باسم سلسلة أفلام الحرب.