يناير 2009


أنت وأنا

»نجَّم« المذيع. صوَّرهم وتكلَّم عنهم و»نجَّم«. هل يُلام؟ أنت الذي تكتب قصتي الآن، ألا تفعل الشيء ذاته؟ يا خطاً رفيعاً بين الاستخدام والدعم، يا خطاً رفيعاً بين المال والمهنية، من يحددك؟ من يراك؟ وأنا؟ أنا؟ (أنت من يكتب »أنا«. هل هو »أنا« فعلاً؟ أسألك أنت. أنت!) متى أتوقف عن طرح الأسئلة وأقبل بكل شيء؟ بالقتل وتغطيته؟ بالحروب المراقبة دولياً؟ (هذه أسئلة تطرحها أنت الذي تكتب). أنا، متى أتوقف عن استخدام علامة الاستفهام البائسة هذه؟ (هذا أنا، لا أنت! )

قصيدة ذكيَّة

هناك من يوزّع المنايا من وراء حدود تعبتُ في ملاحقة ترسيمها على الأرض.

»حديد، رصاص. حديد، رصاص. حديد، رصاص«. الرصاص رحمة. الرصاص ذكرى سبعينية وثمانينيّة فات أوانها. الرصاص حكايا الآباء والأجداد. يا شعراء، وسِّعوا معاجمكم. أدخِلوا ألفاظاً حديثة، حدِّثوا معلوماتكم عن الأسلحة الذكية. جدِّدوا قوافيكم. واكِبوا العصر.


الخبز
سيرمون الخبز لي عبر شاشة أو في ملعب تابع لمدرسة سكنْتُ فيه بعد نزوحي، لكني لن أمد يديَّ لأتلقفه. لا يعني لي الطحين شيئاً. سأنزوي في زاويتي وأهمهم أغنيةً قديمة، بل بالغة في القدم. ربما بموشّح لشاعر أغفل التاريخ اسمَه. هو شيء ما لا يرتبط بما يحدث. أصلاً لم يحدث شيء سوى ذلك الحدث الذي شهدتُه بعد دقائق؛ عندما ضوّت السماء وسمعتُ الصوت. حينها، رفعتُ رأسي ورأيتُ الألوان تضيء العتمة.


الفوسفور
اكتشفتُ أنني لستُ »أبيض« البشرة. تأكدت من ذلك لحظة رأيتُ البقع البيضاء ترقِّط بشرتي، فلحظت الفرق بين لون بشرتي، ولون البقع. دخل المذيع إلى المستشفى. واتجه تواً ناحيتي. أراد تصويري. أغلقتُ الستارة في وجهه. افهموني. لستُ جاهزاً لأريَ أحداً بقعي البيضاء. سأتآلف معها أولاً، أعتادها ومن ثم سأدع المذيع يستخدمها لـ»ينجِّم«. لكنني لحظة سأفعل ذلك، لن أصرخ. لا تملك حنجرتي الطاقة على الصراخ والولولة كما اعتدت أن أفعل أكثر من مرة. أكره »الديجا فو«. لكن الأمر مختلف هذه المرة. لسبب ما أظن أن هذا يحدث معي لمرة أولى ووحيدة.

قهوة
وصل الحريق عظمي. اجتاحني الأبيض. من فوق، أرى جسدي معرّياً على عشب يشرب ماءَ مطر تشبَّع بفوسفور الهواء. الآن، أنظر إلى جسدي تحت ملفوفاً بقماشة بيضاء. بعد قليل، سيأتي سائق عربة الإسعاف ليتحسّسني أمام كاميرا المذيع النجم، وسيبكي قليلاً، وقد يولول. الآن، سأرى كل ذلك من وراء شباك. سأصمت وأكتفي بمسح ندى الشباك الذي خلفه هطول المطر في الخارج.

الآن يحفرون لي قبراً، في هذه الهدنة »بين رصاصين«. الآن، أسمع شاعري المفضل يخاطبني قائلاً: »أنت بنفسج القنبلة(..) أنت امتداد الياسمين«. هل خصَّني أنا بكلامه ذاك حقاً؟ نعم قال لي ذلك. أنا متيقن. هو جاري وكليمي. حظيْتُ بما تمنيته. الآن، أتخيّل البحر جفَّ، وتجاعيد الجبال ازدادت. أنتبه أنّ الطيور اختفت، والسمك مات. الآن، أرى الياسمين يزحف فوق كل الدم. تتراكض الغصون مع تلك الخاصة بثمرتيْ البرتقال والتين. تغطي الأغصان كلها الرمل المنكوش وتتصاعد حتى السماء. خلايا نباتية تستولد بعضها، وتكاد تمتص بقايا الفوسفور العالق في الهواء. تغطي كل شيء حتى لا أعود أرى شيئاً.

الآن أتوقف عن المشاهدة، أفقد البصر وأحتفظ بقليل من بصيرة يكفي لأتيقن أني متُّ.

لكن ما هم؟ ولِمَ عليَّ أن أبكي وأنوح؟ ها أنا أرشف القهوة.. مع شاعري المفضَّل!

من هذه الطريق البحرية بدأ كل شيء. محا الدخان الأسود زرقة السماء، وابتلعت الفجوة السوداء بقايا أجساد بشر ومبانٍ وحديد سيارات. من هنا مرّ من مرّ، وحدث ما حدث. سيتردد لاحقاً صخب الصراخات في الخطابات التلفزيونية. هنا سيقف تمثال بعد ثلاثة أعوام على بداية كل شيء. التماثيل تُستَحضر من كتاب تاريخ غير موحّد، وتراقب. تراقبنا.

 

هنا في وقت لاحق، سيرفع على الأكتاف طفل، وسيجول شاب بين المسلحين على دراجة نارية. على هذا الإسفلت ستمر مدرعات وقوى مكافحة شغب. فوق هذه الطريق سيرمي مجهولون قنبلة صوتية، فيفيق رجل ستيني ويتملكه الأرق ويدخن ست سجائر على الشرفة حتى طلوع الصباح. ستة فقط، لا خمسة، ولا سبعة. سجِّل هذا عندك لئلا تنسى: “ستة”!

 

تحت شرفة الرجل القابعة على تخوم المدينة، سيمسك أحدهم علماً بألوان ثلاثة، ويرفع آخر صورة ضابط، ويشتم مناضل شتيمة عنصرية، ويركض عداءون، ويتمشّى عاشقان –يتمشّيان لا يمشيان!-، ويزحف ببطء أفراد عائلة مستجدة من شارع لآخر. هنا، الهواء الملاصق لرصيف الطريق، سيحمل صدى الأخبار العاجلة، التي تُخفي الناس من الشوارع وتلزمهم البيوت ليوم أو يومين.

 

من على صخرة، على بعد دقائق من هذه النقطة مشياً، انتحر كثرٌ: طبيب ومهلوس وأخرس وشاب عادي وفتاة لم تعد تطيق لا نفسها ولا عائلتها، وأناس عاديون، فقط ملّوا الحياة. وبالابتعاد عن المد الصخري المقابل للروشة، إلى الداخل من هذه المدينة الرمادية البشعة معمارياً، لا يتوقفون عن زرع إشارات السير. يموت أحدهم، فيُزرَع تمثال، وتُخترَع مصلبية باسم جديد، وتُزرَع إشارة ضوئية. تكثر الشارات الضوئية ويخفت كل شيء آخر. الضوء البرتقالي الساطع باستمرار يَدلُّك على إشارة ضوئية غير “شغالة”.

 

تحت الإشارات إشارة تقول: “نعمل لأجلكم”. قرب الجملة، يفتح العامل بالوعة، ثم ينتقل إلى بالوعة هناك، ويتجه بعدها إلى أخرى، ويشتم وينطلق ناحية بالوعة رابعة، ثم إلى خامسة، فسادسة، حتى يصل البالوعة التي يبحث عنها، فيدفع بجسمه إلى الأسفل ليصلح العطل. وهناك -وعلى نحو فجائي- يخفت صخب المدينة.

 

يهلع العامل فيستعين براديو ترانسيستور خرج معه من الحرب الأهلية الماضية سالماً. يخرجه من جيب قميصه ويعيد بعضاً من الصوت الهادر فوق إلى تحت، في المجرور. يصلح العامل العطل، وهو يستمع إلى الخبر العاجل من مكتب التحرير، لكنه -ورغم الخبر- يبقى في الأسفل حتى إصلاح العطل كاملاً بصورة مؤقتة. ولا غضاضة في المؤقت، فهوية البلد نفسها غير ثابتة.

 

ينظر العامل إلى الأعلى من تحت، قبل أن يعود فيصعد، ويتنهد، ثم يتسلق السلم، ويستعيد الصخب المعتاد، فيهدأ.

 

يرتاح. ويمضي ماشياً مخفياً شاربه لئلا يظهر أمام شباب الجامعات غريباً من بلد فيلقى نصيبه من الصفعات والركلات، ويبصق بعضاً من دم كان يراه فقط على الشاشة. لا يكاد ينهي فكرته في رأسه  حتى يرى نفسه ماشياً بالقرب من شباب يضربون شخصاً. يقول –في رأسه- إنه عراك عادي. الآن يقول ذلك، ومساءً سيعرف أنه مرَّ بقرب خبر غير عادي مطلقاً.

 

ثم يتوقف للحظة عن التفكير كل تلك المؤثرات. يفكر أن عليه حلق شاربه اليوم قبل غداً، لكنه لن ينفِّذ خاطره هذا.. مطلقاً.