أبريل 2009


لا شيء غير «فريندز»

يلحق قطرات المطر على الشباك بإصبعه من الداخل. يبتسم وحده. ترتسم ابتسامته على الزجاج أمامه. تلفّه متعة زائدة. يعود إلى فراغه المرتسم بلهاً على وجهه. لا شيء. لا شيء، والكثير من كل شيء. تطنّ في ذاكرته أغنية مغرقة في القدم لكارم محمود. «عنابي، ترا، يا عنابي، ترا، يا خدود الحلييييوة». يــجبر ذاكرته على التوقف فيفتح باب البراد. لا تضيء اللمبة داخله. يغلقه، ويعود فيفتحه. (الآن، يذكره الضوء في الداخل بمشهد في فيلم ديني تعرضه قنــوات التلفاز أوقات الأعياد). ينظر إلى رفوف البراد، فيجد طعاماً نسيه منذ مدة. يهيّأ له أن طبقةً خضراء استولت على سطحه. يدعه هناك رغم رائحته النفاذة، ثم يغلق البراد. يفتح خزائن المطبخ العلوية. لا شيء. يحتاج للتبضّع، يفكر. في ما بعد، يضيف إلى جملته هذه في رأسه. يعود إلى قطرات الماء. يلحق قطرة أخرى بعينيه. تذبل عيناه. يفركهما وينهض متحركاً في الغرفة قليلاً ليطرد النعاس. يفتح التلفاز ولا شيء غير «فريندز». حلقة، حلقتان، ثلاث. يطفئ التلفاز. يفتح خزانة الملابس. ينظر للحظات ثم يعود إلى السرير. يحتضن مخدته البنية. ينظر إلى السقف، ثم إلى الشاشة. يطبع «إيميلاً». يتصنع عدم الوجود لمن ظهر على «الماسنجر». «عنابي يا عنابي يا خدود الحليوة». لا سبب محددا لطنين تلك الأغنية بالتحديد. لا سبب.


يعود إلى قطرات الماء على النــافذة. تكمل الرتابة التي لم يقطعها إلا هاجــسه (غــير الجديد) بتلك الأغنـية. يتصور «الكمنــجات» تحلق تحت الثريا تعزفها. وفي لحظة واحدة (لا أكثر)، تصفق ريح الخارج عصفوراً بالشباك ذي القطرات المنسابة فيقع مـيتاً على الحافة الخارجية.

يلمس بيديه الشباك العرقان. ينظر إلى الجسد الهامد. «عنابي يا عنابي يا خدود الحليوة».


بطء
أنتَ لا تفهم. عندمـا نظرتُ إليهــا في المرة الأولى، لم ينبض قلبي فوق العادة ولم أحس بجفاف حلق مفاجئ. لا. لا. لم أشعر بأي شيء من هذا. فقط أحسَسْتُ أنه يجب عليَّ أن أنظر إليها وأبتسم.

لا تندهِش لمّا أصرِّح لك بهذا. لم أقل لكَ شيئاً غير طبيعي أو استثنائي. العالم لا يتوقف لدى رؤيتي لها. بالطبع لا. إنه فقط يتباطأ. ينضج أكثر بتفاصيله. ولحظة النضج، ولبطءِ اللحظة، أستطيع عندها أن أتفادى وقوع القهوة المنسابة من الكوب على الأرض، فأحمل كوباً آخر تحت السائل المعلَّق في الهواء كي يســقط فيه. وأستطيع أيضاً أن أصفع الذبابة بالجناحين الرقيقين بطيئي الحركة، وأن أجعلها ترتطم بالحائط، منتقماً من كل ضحاياها البشر الضعفاء أمام صغرها. (هل سمعت ذبابةً تصرخ؟ لا تفوّت صوتاً كهذا مرة أخرى. أرجوك). ثم إن بإمكاني عندها رؤية الثغر يتَّسع رويداً رويداًً، فأتعرّف على الفرق بين الابتسامة المتحفظة وتلك المتسعة، وبين الابتسامة المتسعة والضحكة الصامتة، وبين الضحكة الصامتة وتلك التي يرافقها صوت.

أنتَ لا تفهمني. أنا فقط أحتفي ببطءِ ما يحدث.


تدور
. . . . …. يقول لها إنه يحبها فتسأله أن يؤجّلَ الموضوع حتى عودته من الخارج يومئ بنفسه لنفسه ويعقـِّب بطبعاً ويُحبَط في وحدته والأنكى أنه لا يعرف في تلك اللحظة إن كانت تبتسم أم تبكي أم تصمت لا يعرف حتى إن كانت تعرف كيفية استخدام أدوات الوقف في أمكنتها المناسبة فهو يعاني معها ربما لأنه لم يلتقط أنفاسه في فترة فاصلة طوال حياته القصيرة ثم يعودان فيتحدّثان وكأنّ شيئاً لم يكن ويتكلمان في التفاهات والقضايا المصيريّة ويتشاجران على قضايا أسخف هل يمكن وصفها بالقضايا أصلاً إن هذا لسخف حقاً ثم يقفزان فوق التـفاهات الآنفة الذكر ولما يدغدغ هو ما تم وضعه في الاحتياط لديها تبتسم وتقول له أن يتـوقف وتتهمه بأنه يفسر الأشياء بمزاجه الخاص فيصمت للحظات قبل العودة لأشيائه الصغيرة في محاولة فاشلة أخرى منه ثمَّ يقول لها إنه يحبها فتسأله أن يؤجلَ الموضوع حتى عودته من الخارج يومئ بنفسه لنفسه ويعقـِّب بطبعاً ويُحبَط في وحدته ….. . . .

Advertisements

في المقهى أجلس. بالقرب مني، مخرج يناقش سيناريو فيلمه الجديد مع كاتبه، أو ناشطة بيئية تشتم عادات اللبنانيين اللا-بيئية، أو طلاب على الكنبة يحضرون مشروعهم الجامعي، أو شاب يقترب بأنفه من وجه فتاة ليقول لها” أحبك” (من دون أن يوقع كوب القهوة)، أونادلة بشرايين خضراء على صدغها تبتسم لي أو له (ذلك الجالس ورائي). ما همّ.

نجلس في المقهى. تخرق الكتابات والملصقات نظر من ينظر من الداخل للخارج أو من يراقب الداخل من الخارج. ننظر إلى اعلانات عن الحروب والفنون ملصقة على الباب. رائحة البن تشقّ أنوفنا. صوت الآلة البخارية لصنع القهوة قريب. قناني السوائل المعطّرة على الرفوف لا تتحرك من أمكنتها. فوقنا إشارة منع التدخين، وحولنا تدرّج ألوان: أحمر، برتقالي، بني. ألوان ترابية.

نجلس في المقهى مبتهجين أو مكتئبين. لا هم. نراقب سرب حمام يقطع السماء. نتابع الشمس تغرب من وراء البناء الضخم المقابل على الرصيف الآخر.

قد نسمع رصاص الابتهاج يملأ بيروت، فنحدس أن أحدهم سيظهر اليوم على الشاشة. لكننا نكمل احتساء قهوتنا. ما همّ. يصعد فيطلقون له الرصاص. يتوارى فيطلقون له الرصاص. أما نحن الجالسون فالأمر عندنا سيان، نشرب القهوة ونبتسم. نمحو همومنا في لحظات. نفكر ولا نفكر.

يخطر ببالنا كل شيء أو لا شيء. نعاني من ذلك الفراغ المصاحب لارتشافنا السوائل البنية. نبتسم أو لا نبتسم. لكننا –مؤكد- نشرب القهوة، أو نقطع قطعة من شطيرة تعيننا على جوع داهم، أو نأكل حلوى باطنها الزهري الغريب يستدعي حكاية بيت الحلوى الشيطاني الذي أكل منه الاولاد حتى أتخموا.

على عتبة المقهى كادت قطة شقراء أن تلد أطفالها. حملوها في علبة كرتونة ووضعوها على الرصيف المقابل في الشارع. أغلقوا عليها حتى انتهت من ولادتها. لعقت صغارها وهم مغمضي الأعين. ثم نامت وناموا هم ملتصقين ببطنها. نامت، ونظر إليها أحدهم قبل أن يغلق عليها الكرتونة ويدعها لمصيرها ويصعد في سيارته.

الأكيد أن كل ما سبق لم يكن خيالاً. حصل كله عام 2008. أول ذاك العام ولد مقهى مع طاولات بالقرب من أخيه الأكبر. هناك، القهوة وقوفاً. هنا، القهوة (وأكثر) جلوساً.

شارع الحمرا لا يني يصبح كالمغنطيس، والمقهى اسمه: مقهى يونس.

فجأة، ظهر خيال فوقي. لم أعد حتى نصف الرجل الذي اعتدْتُ أن أكونه. هو البارحة. لقد حلّ فجأة.

(من أغنية للبيتلز)


ـ صندوق باندورا


بيوت التنك تزنِّر المدينة. قاطنوها يأتون من بعيد. المطر يقرع السطوح، والرجل يجلس حول الطبلية الخشبية مع امرأته وأولاده. يأكلون ما تيسّر لهم من طعام. يعدّ الرجل قروشه القليلة، ما تبقى لديه بعد دفع ثمن وجبة المساء.

 

السياح والصحفيون الأجانب يملأون الفنادق، في الغرف والأروقة والترّاسات. المقاتلون في الشوارع، ثمّ بوم. بدأت الحرب. ارتدى رجل بيت التنك بّزة داكنة. سينتسب إلى حزب أو حركة، لا يعرف عنهما شيئاً، ويقتل رجلاً كل يومين. هذا سيكون معدله طيلة الأعوام القادمة. سيقاتل مع الأغنياء وضدهم. لا فرق. نهر بيروت يثمل من الدم. الجثث ودم المعارك ومطر الشتاء تكفل فيضاناً آتياً منه إلى شوارعه المحيطة به. لرصاص لا يتوقف، من البحر، من البر، من السماء.


المقاتلون يحتكرون الأرصفة ومداخل البنايات. أكثرهم مغطى الوجوه. هذا في البداية. في ما بعد سيكشفون عن وجوههم. إغفال الهوية في خضم الدم لا يعود ذا أهمية. المعارك تبدأ ولا تنتهي. من يتذكر آلاف وجوه المقاتلين؟ ضحاياهم هل يتذكرون وجوههم، حيث هم الآن؟ أين ذهبت صور وكالات الأنباء؟ أين صار هذا الذي يظهر في الصورة ملوِّحاً بسكينه في وجه الدبابة؟ تبدأ الحرب بباص، بمجزرة، برجل يقف على سطح بنايته مطلقاً رصاص رشاشه في الهواء مع صرخة مدوية، أم بغير ذلك؟ البداية للتأريخ. نحتاج تاريخاً ما لنبدأ منه الكتابة. نقول: في تاريخ كذا، بدأت الحرب. وقبل؟ ألم يكونوا يكرهون بعضهم؟ وبعد توقف الحرب، هل توقفوا عن كره بعضهم؟


التلفاز صندوق مشع نسوا إغلاقه. أضِئه، تـُخرِج منه غرباناً ووطاويط. صندوق باندورا فُتِح. كل الشرور خرجت. وحده الأمل ظل قابعاً داخل الصندوق. الحرب سائرة على الشاشة والناس والقطط اختفوا من الشوارع. ما اسم المعركة التي تعرض الآن على الشاشة؟ أي حرب هذه؟


الحرب تكمل وتنك البيوت يصمد ولا يتحول إلى حجارة.


ـ الأصبع المقطوع

 
يفكر كيف نجا من المجزرة. يفكر بالبرميل التنكي الذي اختبأ فيه ذات يوم. وقتها، رفع الغطاء قليلاً وشاهد الأشلاء تصبح ـ فعلاً ـ أشلاء. تابع رحلة الخَلق. دم، دم، دم. المجزرة مستمرة. وصوت الدعسات لا يتوقف في رأسه. صوت متضخم سيشبِّهه بدبيب النمل لو قدِّر له أن يتعرّف على ذاك الصوت. يفكر وهو في البرميل كم تتسع قلوب هؤلاء للنفايات. تساءل كيف تتحمل قلوبهم كل تلك الرائحة المثيرة للغثيان.


نجــا من المــجزرة تلك. علق بعدها عند حاجز مسلّح على الطــريق الساحــلي. نفايــات قلوبهم كـانت أقل. يملكون شيئاً من رحمة. قطعوا له أصــبعاً واحداً فقــط. اليوم، كلــما نظر إلى كفه الأيمن تذكر الحرب. كلما حمل ملعقة، شوكة، سكيناً، تجسّد الحاجز أمامه. حمّلوه الحرب ومضوا. هو بالذات، لن ينسى وجوههم.


ـ أجنحة الدجاج المتبّلة


2009. أمير الحرب يتنقل. يجول في سيارة مرسيدس سوداء زجاجها داكن. جالس على فراش المقعد الخلفي الجلدي، يتكلم من خلويه مع أمير حرب آخر، ويفكر كم يشتهي الآن أجنحة الدجاج المتبَّلة. قام صباح وأوقفوا الحرب. نظر إلى مرآة الحمّام. نظف أسنانه. فتح فاه. نظر إلى أسنانه، ثم نظفها مرة أخرى. بصق الماء الممتزج بمعجون الأسنان في المغسلة وذهب إلى مؤتمره الصحافي ليعلن التزامه بالسلم، فحصل على وزارة مكافأة على قراره الجريء هذا.


لو صعدنا برؤيتنا إلى فوق. لرأينا رجال الأمن بسياراتهم الفورد السوداء يوقفون أرتال السيارات من المتحف حتى مستديرة العدلية. من جسر الرينغ حتى التباريس، وغيـره وغيرها، تقاطعات بأكملها تغلق. للاحظنا أن سيارة الأمير تذرع شوارع، كانت خطوط تماس بين شرق وغرب. سيارات المواطنين تقف عند عتبات هذه الخطوط. عالقين في سياراتهم، يشتـمون أمير الحرب، أو ابنه أو أخاه، أو أو.. ثم ينتخبونهم بعد شهــرين. شــوارع بيروت تزفَّت، الموسم الانتخابي بدأ، والموتى ما زالوا قابعين في مقابرهم الجماعية. البارحة، اليوم، غداً. لا فرق. هذا البلد والموت صنوان.