مايو 2009


«ألم تفهم بعد؟ أنا فقط مثل هذا العالم حولك، لا أتغير. نحن لا نتغير».

هذا ما قلتِه لي تلك الظهيرة. أنا ومذ ذّاك أحلم، أتذكر أكثر ما أحلمه، وأهلع. نعم. أجزع لأني تذكرتُ حلماً. لا تضحكي. اعتدتُ أن أحلم طبعاً. من منا لا يحلم؟ هذا أمر أكيد. لكني اعتدتُ أيضاً أن لا أتذكر في الصباح التالي أياً من تفاصيل حلم الليلة. تتراءى لي منه فقط صور مبهمة. أعرف أني حلمت ولا أعرف مضمون رؤياي. ثم يحدث أن تمر أيام تالية قبل أن أصادف حدثاً من نوع ما، وأظن أني صادفت هذا الحدث من قبل. كأني حلمت به. الآتي سيحصل هكذا، أحضِّر نفسي. دائماً ما يخيب توقعي بالتفصيل القادم من الحدث، لكنّ هذا لا يمنعني من الإيمان أني فعلاً حلمت بذلك التفصيل.

أول حلم حلمته بعد جملتكِ تلك هو وقوفي أمام مرآة حائط. أراقب تحول جانبيْ شعري إلى اللون الأبيض. فقط الجانبين. لم يمتد الابيضاض إلى مقدمة رأسي. شي ما أشبه بتحولي إلى شرير رسوم متحركة يابانية الصنع، رغم أني حافظت على ابتسامتي.

هلعتُ طبعاً، وتوجهتُ إلى ذوي المعرفة. اختلفت جدتاي على تفسير الحلم. الأولى قالت: سيأتيك مال أو يحصل لك شيء خيِّر، والثانية جزمت بموت أحد أعرفه. كلتاهما استعاذت، وطلبت مني أن لا أذكر مضمون حلمي لأحد. أما عمة أبي فأقعدتني في حجرها. قالت وهي ترتل بعض الآيات القرآنية القصيرة القليلة التي تحفظها أن «عليَّ نفس». تثاءبت حتى طفر الدمع من عينيها، وطلبت مني أن أبتعد عنها، إذ أنها لا تستحمل امتصاص كل تلك الطاقة السلبية.

تركتُ جدتيّ وجملتكِ تصخب هدوء رأسي القديم الذي فقدتُه. فكرتُ أني أعيش في المؤجل. هناك شيء ما لا أعرفه سيحدث في وقت ما قادم، لا أعرفه أيضاً. ولذلك أجزم أنني – على الأقل أنا – أتغير. الأمر أن حكمكِ الجازم المعاكس يرتكز إلى ملاحظتك لما حصل في لحظة واحدة. واحدة فقط. أحدهم في السيارة أمامكِ رمى محرمة ورقية من النافذة، فشتمتِه وجزمتِ بعدها أنهم لا يتغيرون. أو مثلاً، كدتِ تصطدمين بسيارة قطع سائقها الإشارة الحمراء، فتشتمين وتضيفين أن شيئاً ما لا يتغير. (ما لي أستخدم أمثلة السير حصراً؟)

نحن لا نتغير على مدار لحظة. نحتاج إلى تراكم لحظات. نحن في حراك دائم. نهبط، نعلو. لولا الهبوط ما علونا. ولنعلو مجدداً علينا أن نهبط قليلاً. وفي كل مرة، لا تمنعنا معرفتنا الواضحة لهذا الحراك من أن نسقط في هذا الهبوط. هذا أمرٌ لا يمكن تفاديه. هذا صخب الحياة (وإن كانت في بعض الأحيان نسبياً هادئة).

أصدقكِ القول. صديقي كتب مرة قصة قصيرة عن «ساعة ذئب». تعرفينها؟ تلك الساعة الأكثر إظلاماً التي تسبق شروق الشمس. أنا عشت «لحظة ذئب» في وضح النهار. حدث ذلك تواً بعد جملتِكِ تلك.

«لا أتغير. لا نتغير»، قلتِ. أحسستُ بشيء يصعب وصفه. حسناً. سأستعير جمل صديق غاب فجأة ولا أعرف أخباره. كتب عن موقف مشابه فوصف أنه «رأى الأخضر حوله يزداد اخضراراً (رغم أن أحداً قد لا يهتم)، ولحظ الاستدارات في شعرها (شعر حبيبته) تزداد، واقتنص رؤية نادرة للشحاذ وهو يضحك بإصرار غريب، وتأكد أن الفتاة والشاب اللذين يقطعان الطريق الآن يضغطان على كفيهما المعقودتين أكثر».

كأن الظلمة اشتدت قبل أن تنبض كل تلك المتغيرات بالحياة وتبرز. «لحظة الذئب» تلك جعلتني متأكداً أني أتغير، وبسرعة لا أستطيع أنا حتى اللحاق بها. هل استوعبتِ ما قلته للتو؟ أقول إنني لا أستطيع اللحاق بنفسي. نفسي أسرع مني. لا تضحكي وتظني أن هذا شيء جيد على الإطلاق. هذا خراب. نفسٌ تسبق صاحبها. إنسان يحدس أنه مسيَّر، لِمَ عليه إذاً أن يحتفظ بالنشاط والرغبة على إتيان فعل ما؟

الليلة وأنا أقف أمام الباب الزجاجي لشرفة شقة قريب لي في بيروت. في فضاء الزاروب كانت هناك وطاويط تمرح في الهواء. ترتطم ببعضها وتكمل استعراضها في الهواء. تقترب طائرة من زجاج الباب من دون أن ترتطم به وتبتعد. عرفتُ أني الليلة سأحلم من جديد . صدق حدسي. رأيتُ شارلي شابلن في فيلم .”Modern Times” كان يبتسم في المقدمة ومشاهد الفيلم تواصل تتابعها في الخلفية. قال إنه يبتسم لكِ لا لي. لم أغضب لتلك الملاحظة، بل سررت. صحوتُ متذكراً الحلم. وللمرة الأولى منذ زمن، لم أفزع.

تستقر شامتها بحياء على صدغها الأيسر. تسهم بموقعها هذا في إضفاء غموض (أعرف أنه غير مقصود). فكرَت بذلك وهي تتلمّس دائرتها البنيّة تحت قطرات الماء النازلة من الرشاش المثبَّت في الأعلى. أخفضت وجهها، ثم رفعتْه وآثرت إغماض عينيها (ربما لمحاولة خلقِ بعض الحميمية. لستُ أكيداً). أحسَّت بشامتها تنزلق حتى أعلى شفتها العليا، إلى اليسار من وجهها. صارت في منتصف عشريناتها، لا تأبه بغموض الغد. مررت أصابعها بين خصلات شعرها الرطبة. مشت الشامة حتى أسفل وجنتها. شعرت أنها كبرتُ أعواماً. أنها باتت في ثلاثينياتها، امرأةً عاملة تنتظر مساءها لترفِّـه عن نفسها. بدَتْ بأفعالها (التي شعرْتُ بها من دون أن أراها) كأنها تحاول التقاط شامتها المنزلقة (لكني أشعر لسبب ما أن هروبها يستمر). هي وصلَتْ الآن بحسب عينيها المغمضتين (وعينيَّ) إلى أسفل عنقها. ذلك المكان من الجسد يتوِّه الناظر فيصرعه (على الأقل بالنسبة لي). لحظةَ وصلَتْ الشامة إلى عنقها، أحسَسْتُ أنها انتََقَلَتْ – معها- إلى موقع السيطرة (كأنني لم أعد أسيطر عليها).


لحظات سيطرتها لا تطول (أستعيد الإمساك بكل شيء. أعاند محاولة الهروب تلك). الانزلاق يتواصل من العنق إلى الثديين حتى البطن ثم الأسفل. تتمرّدَ حتى تضيع ولا تعود تُرى. تصير بدونها امرأةً أربعينيةً تهرب من الجنس الليليّ المـُنهِك. تتلقّى كتفها يدان، ويحنوعلى عنقها رأس. من هنا مرّت الشامة. من هنا صُرِعَ بمحبة وتبع درب الفرار بقبلاته.


كلّ ذلك الهروب المـُلاحَق، ولـَمْ تتكلم. بقيَت كجمادٍ معروضٍ تحت الماء. فََتَحَتْ عينيها للحظة، ولحَظَتْ شامتها تضيع في بالوعة “البانيو” (إنها تعلم أنها مرصودة، لكنّها تعانِد).


(أراها تنظر فقط في المرآة بعد بعثرتها للبخار الملتصق على زجاجها بكفها). ترى أنها ما زالت تملك شامة، على صدغها الأيسر. لقد ركزت شعورها على قطرة ماء، أو ربما هو إضطراب “مرَّتها” الأولى. تعرف ذلك وهي تراه وراءها في المرآة واقفاً في الحوض، قبل أن يغيِّب بخار الماء كل شيء.


(أما أنا فأقفل الكمبيوتر خاصتي وأنهض عن كرسيِّ. لقد ختمتُ نصي، وهزمتُ هروب الشامة).


«إنه ينتشر»، أعلنت المذيعة. رُفِعَتْ ركوة القهوة عن المنضدة، وانساب السائل الأسود رقراقاً داخل الفنجان.

الأم التي تشرب القهوة في فنجانها الأزرق المفضّل أبصرت في نومها مطراً أسود غزير السقوط. استيقظت، وأضاءت التلفاز ففوجئت بالتقارير التلفزيونية تعلن ازدياد حالات الوفاة. في اليوم الأول بثت التلفزيونات صوراً لناس بكمامات زرقاء في مترو وقطارات أوروبا. وشت الصورة بحجم الهلع. لاحقاً في نهارٍ تالٍ، واكبت فصائل من الشرطة مجموعات من الأطباء البيطريين إلى مزارع في أنحاء البلاد. دخلوا بكماماتهم الزرقاء، أطلقوا غازاً قاتلاً، وخرجوا.

هرب عمال المزارع. من وصل منهم إلى بيته سالماً نقل أخباراً لا تصدَّق عن المشهد. تحدثوا عن أجسادٍ سقطت في لحظة، عن أطنان من الخنازير النافقة المتكوّمة في الداخل، ولا أحد يجرؤ على الاقتراب منها. هربوا وتركوا وراءهم في محيط المزارع مجنوناً وحيداً يتمتم ثم يصرخ: «ليست الخنازير وحدها. لا تظلموا الخنازير».

عالم بأسره صار يجلس أمام شاشة بقنوات معدودة. حتى قنوات التلفزيون فرغت من موظفيها. أكثرهم فضلوا ترك أعمالهم والانتقال لقضاء أوقات ـ قد تكون أخيرة ـ مع عائلاتهم.

لم يعد أحد يخرج إلى الأسطح ليكش حمام سماء المدينة. صار الناس يلزمون بيوتهم ويمتنعون عن الاختلاط. الكل يتابع قليل عمله قدر المستطاع من بيته، عبر الهواتف والانترنت.

لن يمر الكثير من الوقت قبل أن تنهار اقتصادات دول. ستزداد المشاكل في البيوت الموصدة. الوجوه نفسها كل يوم. الغسيل الرطب سيُنشَر على حبال داخل الغرف الموصدة، ويستغرق الكثير من الوقت ليجف. لن يجرؤ أحد على الخروج إلى الشرفات. يفتحون نافذة واحدة نصف ساعة في اليوم، ليجددوا الهواء التعب داخل البيوت. يغلقون النافذة المفتوحة بأسمك غطاء قابل لأن يمرّر الهواء ويأملون أن لا يدخل الموت من النافذة في نصف الساعة هذه. يمر اليوم، فينتظرون يومهم التالي. صاروا يكبرون بالأيام لا بالأعوام. يسألون: إلى متى نصمد قبل الانهيار الكبير؟ متى ستتوقف الكهرباء والهاتف أو ينضب طعامنا وشرابنا المخزَّن؟ متى تحل العتمة المطلقة؟

«هذه أيام سوداء»، فكرت الأم. هذا عمىً أسود لا أبيض كما في الرواية التي أخبرها عنها ابنها البكر. قال لها: «في الرواية البرتغالية احتفظ الناس بأجسادهم وهاموا عمياناً يتلمسون بعضهم. الرؤية كانت بيضاء كالحليب». ما يحدث اليوم مختلف عن الرواية. اليوم، تصاب، تعدي غيرك وتموت. قطع «دومينو». تموت أو تبقى.

الليلة تذهب الأم للنوم، وتبصر في نومها كابوساً جديداً: مطراً أسود أو أحمر؟ غير مهم. هذه إشارة مكررة ستجعلها تعود غداً بتدابير احترازية. ستتشدد في منع أولادها من الخروج من المنزل. ستجلسهم على الكنبة: ثلاثة صغار باتوا رجالاً في لحظة، وتعلن: «نحن نواجه عدواً لا نراه، ولا نستطيع أن نلمسه. هذه حربٌ لا نربحها إلا بالهروب». سيردّ أصغر رجالها على خطبتها بأنه يحبها كثيراً، وأن ما يحصل يذكره بأفلام الكوارث الأميركية التي كان يعشق مشاهدتها، وبات يمقتها الآن.

ستبتسم الأم وهي تنظر إلى رؤوس أطفالها المتجاورة تؤلف خطاً قطرياً تحت نسخة لوحة «غيرنيكا» المعلقة على الحائط وراءهم. الآن، يعلن الخبر العاجل على أحد المواقع الالكترونية أن الإصابات تتفشى وأن خمسين ناشطاً من حملة «فلنعش سوياً جنباً إلى جنب، أيها الفيروس» ماتوا في ساحة المدينة في ثوانٍ معدودة. كانوا يلبسون الأبيض. «يا لغبائهم. لقد بدأت الحرب»، فكرت الأم. «لن يتعرف أولادي على فتيات جميلات غريبات. لن يعرفوا أبداً الحب».

هذه حرب لا تشبه الحروب السابقة. يقول الكليشيه إن الحروب تُهزَم بالحب. حرب اليوم بطلها نَفَس، بطلتها قبلة! القبلة عميلة مزدوجة.

«البسوا دائماً الكمامات الزرقاء. الحب أمر خطر. حاذروا القبل». هكذا أكد وزير الصحة. أضاف بجدية: «إذا أردتم أن تحبوا، فحبوا فقط أنفسكم». في بادئ الأمر تهكم الناس على الوزير، وشاعت نكات منمطة بذيئة، ثم ما لبث الجميع أن فطن لما يحصل حولهم. لقد انقلبت القوانين، وباتت الفردية بطلة المرحلة المطلقة. الناس يطبقون النصائح التي تُرسَل عبر ما تبقى من الإذاعات العاملة بدقة مذهلة: «لا تكونوا جماعات. لا تزوروا جيرانكم. تجمعكم يقضي عليكم في لحظة. لا تخرجوا من غرفكم».

يحمل الهواء الفيروس إلى أماكن متفرقة، وتزداد عزلة الأفراد. كثرٌ شرعوا بكتابة روايات على الانترنت. خرج أحدهم بنظرية أن الفيروس ينتقي الموتى. أن كل من مات كان يجب أن يموت، وأن من بقي حياً تخطاه الفيروس لأنه يريده حياً لسبب ما. رجل الدين فرح بالفكرة. أعلن عبر مكبر المعبد أن ما يحدث ابتلاء لمن ضل الصواب. قال ذلك، وذهب ليصلي، فتملك منه المرض قبل أن يتم صلاته.

ستسري إشاعة عن اكتشاف ترياق ما في أدغال إفريقيا، ثم تنفى بعد ذلك. وسيتكرر الأمر. كل يوم ستخرج الإذاعات المشوّشة بأخبار من هذا النوع، لا تلبث أن يتضح كذبها.

«يا لسخافة ما يحصل خارج الغرف الموصدة»، فكَّرت الأم وهي تحضن صبيانها الثلاثة حليقي الشعر.

هو يوم قيامة سابق لأوانه. حرب ساكنة. إبادة مليارية بدأت.. بزكام.