أكتوبر 2009


مارون
«أرى الموت القادم. ليس كسابقه وحشياً، بل لن يشعر به أحد». قال له صديقه الميت في الحلم (أم كان كابوسا؟). نهض وقد أفرغ الكثير من ماء جسده عرقاً في ملاءات السرير. هي المرة الأولى التي يتذكر فيها حلماً من أحلامه. مبتسماً كان صديقه. يلبس جاكيتاً كحلية وبنطلون جينز وقميصاً كادت لتبدو بيضاء لولا بعض الخطوط. لم يتذكر أنه فتح له ذراعيه. لم يبد قديساً كما في أفلام التلفزيون: يرفع يده ويقول له اتبعني. لا. كان يبتسم فقط. قال جملته الوحيدة ثم اختفى. مشهد وحيد استغرق ثماني ساعات من النوم. كيف ذلك، لا يعرف.


جلس. ثم التقط كتاباً عن السينما من أحد الرفوف القريبة. كان كتاباً عن مارون بغدادي. اكتشف أن بغدادي كان يحضر فيلماً أخيراً قبل أن يرحل. أراد أن يميت شخصياته الأربع ميتاتٍ مختلفة. اتفق مع كاتب الفيلم على ثلاث ميتات. أما الرابعة فقد أراد بغدادي أن يجعلها «سخيفة». «فلنجعله يفقد توازنه ويسقط أسفل الدرج جثةً هامدة». هكذا كان. أُكْمـِل الملخص. لم يتوقع أحد عندها أن مارون سيموت كشخصيته الرابعة في أسفل الدرج عند عودته لمنزله. أنهى فيلم بغدادي غير المكتمل حياته؟ تواءم خيال السينما مع المجهول القادم؟


على السرير

«أول الموت زفرة روح». هكذا قال لي. عندما شخصت عيناها إلى زاوية واحدة، وانتفض عنقها لثانيتيْن قبل أن يهمد كامل جسدها، عرفتُ أنها انتهت. لم يكن الأمر مفاجئاً. كانت تبكي لأيام. كيف أصف لك الأمر. لم تكن تبكي تماماً. دعني أشرح لك. كانت عيناها شاخصتيْن إلى كورنيش الجفصين الأبيض الذي يزنِّر سقف الغرفة. الدمع كان يسيل خطين من عينيها بصمتٍ لم أشهد مثله قبلاً. كانت الحياة حولها تكمل كأنَّ شيئاً ليس يقترب من نهايته. فناجين القهوة كان يتم تبادلها فوق جثتها. أما مهمتي فانحصرت فقط في تجفيف ما فاض من عينيها بمناديل قماشية.

أعرف أني سأموت مثلها. لكني سأبدِّل سريرها العادي بسرير مستشفى.


أو الستارة الخضراء

لسبب ما، ستكون الستارة ورائي خضراء. لا أعرف مردّ يقيني هذا. الأخضر سيتلوَّث بدم عنقي. المسدس الذي سأضعه في فمي سيخرج الرصاصة من يسار عنقي، وهناك ستحدث الرصاصة فجوة. ومن هناك، ستندفع دماء ولحم وأنسجة العنق باتجاه أخضر الستارة.


بادئ الأمر، ستتلوّث الستارة بأشياء لزجة، ومكان التلوث هذا سيظل يبدو أخضر. لكن في ما بعد، وبسبب قانون نيوتن، فإن الأشياء اللزجة هذه ستمضي تتوسع في طريقها حتى الأسفل. وعندها، عندها فقط، سيختفي اللون الأخضر لصالح لون أكثر قتامةً.


أو الدراجة

على الدراجة سأموت، وسأميتُ معي عائلة بأكملها. سأدخل شارعاً باتجاه واحد، وأنا أقود دراجتي. وسيكون سائق السيارة منهمكاً بالصراخ على ولده في المقعد الخلفي، وفي هذه اللحظة، سأظهر من لا مكان أمامهم، أفتح ذراعيَّ كالطير وأنا أقود دراجتي، بعكس اتجاه السير. ستنحرف سيارتهم لكني سأصطدم بها قبل أن أطير. وأنا أطير، لن أمدَّ يديَّ، ولن أغمض عينيَّ، ولن تشتدّ أعصابي على غير عادة. سأكون أنتظر لحظة الارتطام، سيتباطأ الوقت قبل أن يحصل ذلك، ستطول الفترة قبل أن أرتطم. فأنا اعتدْتُ أن لا أحصل على ما أريده إلا بعد وقت طويل. وقت يسمح لي بإعادة النظر في ما أريده. ولمّا أبدأ بإعادة النظر، يأتي ما.. كنتُ أريده قبلاً وأسائله الآن!


أو النوبة

«رح موت وريحتي طالعة». نصف عائلتي مات بنوبات القلب. منطقياً، أنا الذي أعاني من انسداد الشرايين، سأموت بمرض قلبي مشابه، سيبدأ بوخزٍ أيسر صدري، فلا أعيره اهتماماً. وأذهب كعادتي إلى ناديَّ الرياضي، وهناك لن أموت خلال التمارين. سأحمل 60 كلغ من الأثقال / صدر مستوية. 45 كلغ من الأثقال / صدر منحنية. سأقوم ببضعة تمارين ركض، ومعدة، ولن أموت عندها. وأترجَّل بعدها الأدراج إلى الطابق السفلي. هناك، سأخلع ثيابي، وأدخل بقعة الاستحمام، حيث البخار ساخن. وهناك لن أتضايق من الحرارة، ولن أموت.


سأعود إلى المنزل وأوضب جو ديفيدي السهرة. أهلي سيكونون خارج البيت في الجبل. سأضيء التلفاز، والمكيِّف. وسأشعر فجأة بالبرد وأنا مستلقٍ على الكنبة، فأتدثَّر. ثم أعرق، ويبدأ الوخز. الوخز. فأقوى أقوى. وأستمر أعرق.
ويظل التلفاز والمكيِّف مضاءيْن.


أو الالتهاب

سيلتهم الالتهاب مصراني حتى معدتي، ومن هناك سيمتد حتى القصبة الهوائية، ولن يكون عليَّ فقط أن أتبرز دماً، بل سأبصق دماً. جسدي سيلفظ الدماء من فوق، ومن تحت. سأخسر الكثير من الأنسجة، ويضمر جسمي شيئاً فشيئاً إلى أن تبدو عظامي أكثر نتأً. إلى أن يتوقف كل شيء.


أسميه الالتهاب، لكنه ليس التهاباً. تعرفونه. لا أستطيع أن ألفظ الاسم.


أو ببساطة

سأموت وأنا أنتظر تغيّراً ما يمسّني. سأموت وأنا أنتظر تغيّر شيء، ولن.. لن يتغيّر أي شيء. على الإطلاق!


ما يؤرِّقه قبل

عليَّ أن أمسك بضع شعرات قبل أن أذهب. هذا شعر تبقى على رأسي، وهو صلب، وتقتلعه أصابعي بسهولة. أهم شيء هو التحضير. أن لا يأتي كل شيء على غفلة منا. بالنسبة لي، أحب أن أموت ورأسي قد تم تحضيره: أصلع كلياً. فإذا كان الكيماوي قد أسقط بعضاً من شعري، فهذا لا يعني بالضرورة أن أدفَن ورأسي نصف أصلع، نصف مشعوعر!


(ومن ثمّ) ـ ما يؤرِّقه بعد

سأدعه ينتفخ. هذا البريد الافتراضي سينتفخ بالسخام وبرسائل شخصية وعمل لن أردَّ عليها.


لاحقاً

أسوأ ما في الموضوع أني لن أعرف إن كان باستطاعتي رؤية الأحداث اللاحقة لموتي. هل سأبقى افتراضياً أو تهيم روحي في الأمكنة التي دستها في حياتي؟ هل سأحل في جسد آخر؟ هل أستطيع أن.. أفكِّر حينها كما الآن؟


لا تجذبني كيفية موتي، بقدر ما سيحدث بعده.

Advertisements

تستقرّ رِجـْلاها في الحذاء الرياضي الزاحف بلا عناد يُذكَر. تمرَّان قرب الباب. تكـّة ما تصدر من الأعلى. تجتاز الرِجْلان الباب. تهبطان الدرج حتى المدخل الرئيسي. تتوقفان خارجاً لتستمتعا برطوبة العشب الخارجي النابتِ عنوةً رغم الحذاء الذي يغطيه. تتقدمان من جديد. تـُبطئان قليلاً قرب قطة تعيش مأساة الشارع. شيء ما يمتد من الأعلى ليمسّد على ظهر القطة.

تكملان إلى تلك الحديقة. تستقبلان كرةً هربت من أرجلٍ صغيرة فتعيد إحداهما ضربها بلا تفنن كروي. صوت ما يأتي من الأعلى. تقفان قرب جحر نمل. تدوسان عليه بلا قصد ولا معرفة وتكملان إلى الأمام.

رِجْلاها تسرعان الخطى حتى تصلا إلى ذلك المقعد الخشبي. تستقران كجمادٍ مرغَم ما إن يقرر شيء ما من فوق الاستقرار لدقائق في هذه البقعة. تبتعدان عن بعضيهما لأن الشيء ذاته أراد أن يرتاح في جلسته. تعودان فتتجاوران ما إن يصبح الارتياح عيباً اجتماعياً.

رِجْلاها تصمتان وتلحظان دائماً الجزء السفلي من المشهد. لا تستمتعان بلذة المشاهدة البانورامية من فوق. تصمتان. تكتئبان. تركزان في العشب الأخضر الممتد أمامهما، في أرجلٍ فتيّةٍ يَلْحَقْنَ بعضهنّ ويأبينَ الانصياع لأرجل طاغياتٍ أخرى يختـَرْنَ لهنَّ طريقهنَّ بحنان خانق.

تتنهد الرِجلان. يأتي جاران ذكران ويستقران أسفل المقعد نفسه. يتشاركون جميعاً اللحظة وتخف وحدتهما قليلاً. لكن الشيء في الأعلى يقرر أن يرفع رجلاً ليضعها على الأخرى بحبورٍ تحسبه الرجلان سخيفاً.

تبقى رِجـْل واحدة في الأسفل، على الرمل البني قرب الرِجـْلـَيـْن الذكرين. تتضرَّج بخفر وتخجل من الاستمرار في الحديث في هذا الازدحام الذكوري. تسأل زميلتها عن «الجو» في الأعلى غير الملامس لرمل الأرض. تجيبها بفرح أنها تستمتع بالجزء العلويّ من المشهد بعد انقطاع طويل. تعود عندها الرِجْل الأنثى الداعِسة على الثـَّبات البنّي إلى صمتها الكئيب.