البارحة، صَحَوْتُ مثقلَة العينـَيْن. نَظَرْتُ إلى المرآة ورَميْتُ ماء كفَّيّ على وجهي. بعد قليل، سأتجه إلى خزانته. سأفتحها، وأتفرّس بما بقي فيها من ملابس.

لطالما عشِقَ ربطات العنق الكلاسيكية. يذهب لمحل صديقه، يتعارك معه في السياسة، ثم «يُفلـّي» الرزمة الجديدة من ربطات العنق. بعدها، يستقبل الزبائن كصاحب أصيل للمحل: «تلك الكرافات جميلة. تليق بالأزرق الداكن. تلك شبابية، راحت أيامها. إسمع منّي. لا. دَعـْكَ من ربطات العنق أحاديـّة اللون، موضة آنية ستزول بعد شهر. أنظر. هذه رائعة. قرِّبها من ياقة قميصك. جميل. ستلبسها لعامين، بل لثلاثة. ستشتريها طبعاً. لا؟».

يضحك صديقه ويدعوه أن يعمل معه، فيجيبه: «خليني هيك، بـِشْرَب قهوة، بـِتـْفَرَّج، وبـْساعِد بس».

***

غداً أو بعد غدٍ، سأبتسِم. سأمسح ما بقيَ من ماءٍ على وجهي بالمنشفة. ولحظةَ أمرّ في الرواق، سأتوقّف وأنظر إلى كـَنَبَتِه. هنا كان يـَجْلـس، ويـُجْلـِس كل صغير في حجره، مخبِّئهم في عباءته المصنوعة من صوف الجمل. كلهم أحبوا تلك اللعبة.

كل الأطفال، الأقرباء والغرباء، حظوا بأسماء حركية منه إلا أنا. هذا «مامو». تلك «سيسي». ابن صديقه هو «المفكّر».
جميعهم ما عداي. أنا بقيتُ بلا استعراض حب. فقط في لحظات معدودة، صدف أن ناداني باسمٍ بديل لحظوي ظهر لي مرتبطاً بسعادة غير مألوفة، بلحظات تَجَلّي كانت قليلة بيننا. وفي كل مرة، لم يكن الاسم ليصمد.

غداً أو بعد غد، حين أستعيد الموضوع بـِرُمَّـتِه، سأبتسِم وأعلم أني حظيتُ بشيء لم يألفه الأطفال الأقرباء الغرباء: لحظات الاستثناء، جمالها في قلّتها.

***

أذكر كيف كان الزمن يمر سريعاً. تغير جسدي، واحتجتُ وقتاً لأتعرّف عليه، واكتسبْتُ معه ملكة تغيير وجهة الحوار. عندما كان يسألني عن تفاصيل حياتي الخاصّة، كنت أغيّر الموضوع، وأفكر: «هذا ليس هو». أنا اعتدتُ فقط على كلامه في السياسة: يسخر من آراء ذلكَ الرقراقة، ومن بـَلادَة الثاني ومن عرق جبهةِ الثالث، ومن شَعر الرابع غير القابل لفعل التمشيط، ومن عربيّة الخامس التي تلفظ أنفاسها مع الإصرار الفاشل على استخدامها. أنا كنت دائماً أتسلّح بالصمت عندما لا أوافقه الرأي، أو حين كان يلمّح لي قائلاً: «إنتي ضيعَتي البوصلة يا بابا». مع مرور الوقت، اكتسبت الملَكَة. صرتُ أغيّر الموضوع حين يشرِف على الحدّة. أعلم أنـَّه كان يعلم. أقول له مثلاً على الهاتف أني أرى كلباً على الرصيف خارج الباص، ألبسَـتْهُ صاحبته كنزةً صوفية، فلا يضحَك، فأفكّر: «الموضوع جديّ ويحتاج لتداركٍ «عاطفيّ» عاجِل».

***

يزعل، فيصمت لأيام. أُرسَل إليه بمهمة خاصة. «صالحيه»، تقول لي الماما. «بس هوّي مش زعلان منّي»، أستغرب. «مش مهم، صالحيه».

أمر قرب كنبته. أعانقه من الخلف وأقبله على عنقه. يلتزم الصمت ولا يخضع للابتزاز العاطفي. يعلَم أني «مـُرْسَلة». فقبلاتي له موسمية قليلة، وقبلته على جَبْهَتِي لم أعْتـَدْها رغم تكرارها. يجبرني على تقريب رأسي بيدٍ ضاغطة على عنقي في الخلف، ومرة تلو مرة، تخفّ مقاومتي أكثر، أستسلم لفعلِ إرضاء.

***

البارحة في نومي، حلمْتُ به. شعرَتُ باختناقٍ، صرتُ ألهث، وحام وجهه فوقي طيلة الحلم. كان يردد: «ما زلتِ جميلة». استيقظْتُ منزعجةًً من دون أن أعرف فوراً تفاصيل الحلم. وظللتُ هكذا حتى الظهر، حين ضربَتْني لمحة من الحلم، ومن ثم صورة ثانية، وثالثة، حتى جمعتُ ما ظننتُ أني رأيت، وأعلنتُ وحدي في الغرفة بصوت عالٍ: «لقد انضمَمْتَ الآن إلى شخوص أحلامي الغرائبيّة».

***

الخزانة مفتوحة. اليوم، أنظر صامتةً وأفكر: هل أستطيع أن أستعين بتفاصيل حياتِه الخاصة من جديد؟ «الكرافات» تلك، معشوقته ذات الألوان الصاخبة، هل يحق لي أن أربطها على ياقة قميص زوجي مثلاً؟ أم يجب عليّ أن أبقيها في الخزانة لزمنٍ احتفاء لا ينتهي؟

بتُّ أخاف أكثر فترة الصمت بعد أن كنتُ أعدّها ترفاً. ربما أخاف أن أنسى الكلام وأتقنَ أكثر الكتابة. أنا التي لطالما فتشتُ عن جملة تختصر ذلك كله ولم أفلح. أنا، التي كنتُ حين لا أهتم، ألجأ إلى الحياد الذي شعرْتُ به تجاهه لأعوامٍ طوال، وأبرِّر كل ما أفعله بذلك اللا شعور المبطـَّن الذي لا أفهمه. أنا لا أستطيع أن أعاود فعل ذلك الآن. صحيح أن الحياد يعظم في حضرة الغياب الطويل. لكني اليوم خسِرْتُ حتى الغياب. أصبَحْتُ قريبة منه من غير أن أدري كيف، وصخب مشاعري غير المفهوم لا يساعدني على الإطلاق.

أنا التي تود أن تخلق سعادة من لا شيء، أفتش عن شيءٍ ما يوفر لي ذلك الشعور. كل صبيحة يومٍ أبحث. واليوم، أعاود التفتيتش عن جملة تريحني، فأتجه إلى الزاوية وأدير الراديو. أطرد الوشوشة وأحاول أن أحصل على أغنيةٍ نقية. إذاعتي المفضَّلة تبث أغنيةً وطنية. أنا لطالما كرهتُ الأغاني الوطنية، الآن ودائماً وأبداً. هو كان يحبها، ولا أدري إن كان لا يزال يفعل، حيث هو. من أغنية وطنية إلى أخرى، تشعّ جملة واحدة تشفع لدقائق من النفاق اللحظوي الذي أرى أن أوانه فات. أحصل على جملتي صافيةً، كما ينبغي لها أن تكون، ويظهر سعيد عقل مصيباً ولو لمرّة:

«أجملُ التاريخ كان غداً».

Advertisements