أغسطس 2010


تصدر قريباً رواية “نابوليتانا” لهلال شومان عن “دار الآداب” و-“محترف كيف تكتب رواية”. الرواية نتاج الدورة الأولى من الورشة التي أقامها المحترف لكتابة الرواية في 2009-2010 تحت إدارة نجوى بركات.

/لصورة أكبر من الغلاف، أنقر على الصورة أعلاه/

 

Advertisements

قد يبسط الشاب كفيه على الزجاج الذي يفصله عن الطاولات في الخارج، ويُلصق أنفه على الواجهة نفسها، تاركاً بخار ماء وراءه سيختفي بعد ثوانٍ. وقد ترد الفتاة المعنية بحركته من مكانها تحت الشمس، فتلوِّح بكفها اليمنى مفادة إشارة الجنون، وتبقي سيجارتها المولعة في الكف االيسرى، ما ينبئ باحترافيتها التدخينية. وربما يصدف التصاق قطة برِجل طفل يبلغ من الأعوام ثلاثاً، فينظر إليها للحظة قبل أن يكتشف ماهيتها، وينفجر في نوبة بكاء، ما سيجعل أمه المطلّقة تهرع ناحيته، لتحمله وتحاول تهدئته.

من المحتمل أيضاً أن تخجل القطة من نفسها، فتختبئ تحت سيارة لم تتزحزح من مكانها منذ سنوات حتى هرم حديدها، قبل أن تطل برأسها للحظة من الأسفل محاولةً استراق النظر إلى ما آلت إليه الأمور في الأعلى. ومن الممكن أن تنسى القطة الموضوع بكامله، ويمكن عندها عذرها على لا مبالاتها بإلقاء اللوم على ذاكرتها القصيرة التي تحِّدثها باستمرار بشمّ الأشياء والأشخاص. في تلك الحال، ستفضِّل أن تتابع حياتها وتنهمك في رحلتها في المجتمع السفلي لقطط الحي، فتؤنب صديقتها السوداء، وتغوي ذاك الأشقر، وتخمش آخر سميناً لأنها مزاجها ليس “رائعاً”.

ولتستعيد مزاجها اللعوب، ولأن الممنوع مرغوب، تعود صديقتنا فتثب من القسطل الداخلي قرب الموتور إلى الأسفلت مرة أخرى، وتصعد من الفجوة أسفل المقعد الخلفي إلى داخل السيارة، لتجد نفسها تراقب من جديد –لكن على مستوى أعلى- خارج وداخل المقهى.

قد يكون الطفل هدأ، وصارا من تعارفا عبر الزجاج في مرحلة الحوار الصامت المدعَّم بجمل انكليزية مقتضبة مكتوبة بأحرف كبيرة على أوراق صفراء، عبر الزجاج الفاصل نفسه. لكن القطة لن تأبه لهذيْن التفصيلين، بل ستتجه بنظرها ناحية شاب آخر يجلس إلى طاولة قريبة، ينظر في فنجانه، ويحرك الملعقة باتجاه دوران عقارب الساعة.

لن تعرف القطة ما يدور في ذهن الشاب. سَيَكون يتساءل لمَ لا يحرك القهوة بعكس اتجاه دوران عقارب الساعة كما يظن أن بقية الناس تفعل. ستراه يقلب الفنجان عند الانتهاء من شربه، لكنها لن تفهم أنه ينتظر خريطة البن لتثبت في الداخل، وأنه يحاول قراءتها كما كانت أمه الميتة من أسبوعين لتفعل وتعقب: “ثلاث إشارات، بعد ثلاثة أيام، بعد ثلاثة أسابع، شهور أو أعوام، فالتحديد صعب يا ابني، وتفاصيل الأشياء يجب أن تكون دائماً عامّة مبهَمة، تحمي ولا تؤذي، وتبشِّر دائماً بالأمل”.

في هذه اللحظة، ستلاحق القطة بعينيها متسولة صغيرة تبيع أوراق اليانصيب بضعف ثمنها، تلتصق بالشاب. سيصرف الشاب الصغيرة، بعد أن يشتري منها ورقة يثق مسبقاً أنه لن يربحها، ويتابع الغرق في لحظته السحرية.

قد تتحرك المضائق البنية في الفنجان أمام ناظريه، وتستدير ملتويةً حتى ترسم المشهد كاملاً. ربما يراها، أو يتخيل أنه رآها، فيبتسم ابتسامة صبيحة أحد كسول. هو الوحيد الذي سيكتشف أنه والجميع مرسومون في فنجان قهوة، وأنهم يدورون مع عقارب الساعة. سيفكِّر أن هذا التزامن المكاني منطقي، إذ إنّ من المحتمل أن تكون التفاصيل السابقة من نسج خياله أمامه على شاشة الكمبيوتر، أو هي في أحسن الحالات محض تجميعات من أيام كثيرة غير متعاقبة لا من يوم واحد، فهو على الأرجح لا يعرف كيف تحدِّث القطط بعضها وتراقب وتفقه – أو لا تفقه- ما تراه، وأغلب الظن أنه يعيش -وببساطة شديدة- نهاراً عادياً جداً لا يتضمن أي حدث، غير قراءته وقراءة غيره لهذه القصة منشورةً في الجريدة.

تنتظر قطار ظهيرة الأحد. تنتابها رعشة على أثر نسماتٍ هبـَّت، ثم لا تلبث أن تفاجئها ريح فتحمل نفايات الأرض حولها.

“الحياة تقاطعات من خيبات الأمل الجميلة” (هكذا بدأ حديثه معها ذات مرة). “قصصها تنتهي عند نقطة ما” (هكذا أردف). “الأجزاء الثانية تواجه فشلاً ذريعاً كما في السينما إلا في ما ندر”، (أفاضَ يتفلسف ممرِّراً أصابعه في خصلات شعره). “تذهب القصص ويبقى أبطالها، لكنهم يبقون متعبين” (حكّ ذقنه غير الحليقة عند هذه الجملة). “في تعبِهم وخفوتِهم يتذكرون كل ما مضى، كل الوجوه، ويلاحظون أشياءهم المهمَلة المتناثرة في زوايا بيوتهم” (نفث الدخان في الفراغ الذي يفصله عنها).

يعبر طيفه رأسها لدقائق، قبل أن تطرده، فيحل مكانه مرضاها الخمسينيون دائمو التأفف.

هذا يرضى عنها صباحاً ويشتمها مساءً. تلك تحدثها عن أولادها الذين هجروها بمحبةِ التي ترفض الاعتراف بالحقيقة. وذلك يأبى أن يأخذ الدواء. يريد أن يتحسن ما إن يبلع الحبة. بالنسبة له، فترة الإختبار هي يوم واحد لا غير وبعدها يبدأ عصيانه الصحي.

عند كل ظهيرة، كانت تخرج من غرفة الطوارئ. تبلع رئتاها هواءً منعشاً (لم تعد تتذكر كم تكره رائحة الداخل إلا عندما تتنشق هواء الخارج). كانت تُخرِج سيجارة من جيبها (رغم كونها حذرت أحد مرضاها من خطورة التدخين للتو)، وتنتبه: من أعطاها هذه السيجارة، وكيف صمدت في جيب ردائها الأبيض من دون أن تتلف؟

تمج منها وهي تمشي. تتوقف، وتنفث دخاناً، ثم تعاود خطوها. تتجه إلى “الإستاد” القريب الفارغ من اللاعبين، وتجلس على أحد مقاعده البلاستيكية الصفراء.

كانت خلوات “الإستاد” دائماً ما تـُقطَع بأغنية. يطل “نيسان” فيروز فجأة في عز صقيع أميركا، وتعود هي إلى بيروت فجأة. تلتفت فتراه هناك يسمعها الأغنية من خلويّه. هو “نيسانها”، واستراحة غدائهما غالباً ما تطول قبل أن يعودا إلى عمليهما، هي إلى مرضاها، وهو إلى مكتبه.

بعدها، تتخيل ما يحدث معه: ربما يقرِّعه مديره للحظات قبل أن يلحظ هدوءه الغريب وابتسامته. فهو يعلم أنّ موظَّفه مغرمٌ بإحداهنَّ. وبدوره، يستعيد المدير ما حدث معه شخصياً قبل ثلاثين عاماً مع تلك الغريبة الرائعة التي أصبحت فيما بعد زوجته. سيصرف موظفه إلى مكتبه، ويطلب منه أن لا يتأخر مرة أخرى. وما إن يغلق الباب، حتى يهاتف المدير زوجته مطمئناً.

يطلع كل ذلك منها الآن وهي تنتظر القطار. من داخلها يطلع. من أماكن ظنت أنها نسيتها، أو أغلقت عليها جيداً. كذب ظنها. لم تنجح في محو الأشياء. ها هي تنتظره أن يصل. كم مضى على عدم وصوله؟ يوم يومان؟ أسبوع؟ شهر؟ أكثر؟ هل هذه أغنية ؟ هل ينقص هذا الانتظار الشتاء؟  ألا يلائم الخريف، أم ماذا؟

كل أحد، تطيِّر الريح النفايات المهمَلة على أرض المحطة، ويتابع القطار طريقه من دونها. من دونه. تبقى هي جالسة على المقعد، وترقص النفايات حولها، فتحزن للحظات. للحظات فقط. فهي تعلم أنها لا تزال تحتفظ بعينيها العسليتين و”نيسانها الذي لا يخفت أبداً”. هكذا قال لها مرة، وهي استغربت لحظةَ أسرَّ لها بهذه الملاحظة، ولم يمنعها استغرابها عن تصديقه.

تصدقه دائماً، حتى لو لم يأتِ. ربما لذلك، لم تعد تستغرب عدم وصوله. هي توقن أنه سيطل فجأة كما دائماً، ولذا تعود تنتظر، كل أحد، على المقعد الخشبي ذاته.

هي تنتظر المفاجأة، فقط.