.. وهو إذ جلس على القمة ينظر من فوق إلى أضواء المدينة، أخذ يفكر. ما الذي أتى به إلى هذا المكان؟ ومن هم هولاء الناس الذين يجلسون على السور الحجري ويتركون أرجلهم لهواء الوادي السحيق تحتهم؟ ولِمَ يستلقي هذا الشاب النحيف على غطاء محرك السيارة ناظراً إلى نجمة الدب القطبي؟

كانت قهقهات الشباب تعلو في فعل جماعي عفوي، ثم تموت تاركةً مكانها للصمت. لكأن الضحكات احتاجت إلى ذلك الصمت لتولَد من جديد، أكثر علوّاً.

نظر إلى يمينه، فوجد أحد الشبان يقف على السور، معطياً ظهره لأصحابه، وفارداً ذراعيه. أطلق الشاب صرخة واحدة، ولم يقفز. بقي في مكانه متبِعاً صرخته الأولى بأخرى أكثر كتماناً. خُيِّل إليه أنه الشخص الوحيد الذي سمع صرختيْ الشاب. لعله كان يهمس، أو يحدث نفسه، أو يكلّم الأضواء.

لم يقطع تفكيره هذا إلا قهقهة جماعية أخرى. لكن يده المستريحة على حقيبته الصغيرة، عبّدت طريق خطواته التالية، وأشغلته عن متابعة أفعال الشباب.

فتح الحقيبة، مخرجاً منها آلة التصوير. أنذرتْه شاشتها بنفاذ قريب للبطارية، لكنه لم يأبه، وأخذ يصوِّر كيفما اتفق. حرّك الكاميرا يميناً ويساراً، رقّصها دائرياً، هزّها للأعلى والأسفل، ثم نظر إلى الصوَر.

لم تظهر المدينة على الشاشة. كانت الأضواء فقط، ترسم أشكالاً غريبة بألوان أغرب. لكأن المدينة صدَّرت حكاياتها في رقصات الضوء. فكَّر لحظةَ ألمّ ذلك الخاطر به، كم أنّ فكرة المدينة باتت مجترّة. كتبها أخرون، وشرشحوها حتى القتل. لكن أي الأفكار لم تقتَل؟ أيها لم تلمَس؟ قرر أن يتوقف عن فيض أفكاره السلبية غير المجدي. لا هذا المكان ولا الزمان لنقاش كهذا مع نفسه. سيقتنع الآن أن المدينة هنا غير، أنها تنبسط يميناً ويساراً كما عجينة البيتزا تحت شوبك والدته في مطبخها وراء المحيط، أن الضوء يرسمها، يخطّ شوارعها والجسرين المعلّقين والبنايات الشاهقة والواطئة والطرقات السريعة التي تقطّعها أقساماً وتحيلها جثة مضاءة ليعاينها هو بنظره.

حدَّق في رقصات الضوء على شاشته أكثر. وجد تفاصيل لم ينتبه لها في السابق. عرف كم أنه صديق جيد وحبيب فاشل. عثر على الطفلة القادمة جديداً إلى هذا العالم ترقص. شمّ رائحة المياه الغريبة التي يسقون بها المساحات الخضراء قرب منزله. سمع رنة القطار المقتضبة وهو يكمل طريقه من دون أن يتوقف. أنصت لرائحة القهوة كما دائماً، تدخل من أذنيه وتخرج من أنفه، فيرتعش من أخمص قدميه حتى رأسه. لمح هزة السرير، وحصار الموسيقى في أذنيه، وبقايا كلمات الأغاني الفاشلة الموجودة بين دفتَيْ دفتر سرقه من مكان عمله.

رأى كل ذلك. كان من الممكن أن يرى ويفقه أكثر، لكن تقدّمه البطيء بين جمع الشباب الواقف والذي ازداد عددهم باضطراد، شغله بخاطر وجده لحظتَها أكثر خطورة. شعر فجأة أنه بات يعرف كل من حوله. بل يعرفهم منذ زمن. لعله تعرف عليهم في حياة سابقة، قال. كاد أن يستغرق في أفكاره عن ألفة الوجوه حوله، إلا أنّ الصوت من ورائه أعلمه أن الجميع ينتظره في السيارة للرحيل.

أطلق تنهيدة طويلة سمعها هو وحده. لولا يد صديقه التي هبطت على كتفه، لظنّ أنه ميتٌ فعلاً، وأن كل ما استولى عليه قبل قليل كان محض فعل استعادة في حياةٍ لاحقة.


Advertisements