أكتوبر 2010


كارتون في الطائرة

“رسم الكارتون كان يرضيني أكثر، عندما كنتُ أكره عملي النهاري”.

أنظر إلى العبارة المخطوطة على قفا حذائي، وأتذكر أني اشتريت هذا الحذاء البني العادي جداً من أجل هذه العبارة تحديداً، رغم أن أحداً لن ينتبه لها إلا بعد التدقيق في قفا إحدى الفردتين.

الكل حولي نائم. فلأعيد الكتابة: باستثناء الرجل الأميركي الضخم الذي يجلس إلى يساري، فـ”الكل” فعلاً مستغرق في النوم.

استيقظت للتو، ولسبب ما، رفعتُ رجلي اليسرى ووضعتها على رجلي اليمنى. اعتذرت من جاري الضخم لأن ركبتي اليسرى لمست جانبه الأيمن، لكنه لم يرد. كان مشغولاً. يلعب التنس بترقيص أنامله على شاشة الآي-باد خاصته، وكدت أنا أعود برأسي إلى الوراء ما إن قذف غريمه في الشاشة الطابة ناحيته للمرة الأولى. خُيِّل لي أن الطابة ستخرج من الزجاج الأملس، وتستقر في  فمي خالقةً جواً من الإحراج، ما بْيـِفْهَم.

ربما لا يجدر بي استخدام هذا المصطلح قبل أن أشرح دلالته، لكني سأغامر، وأعود إلى شرح “ما بيفهم” لاحقاً، وقد لا أشرحه البتة، لكني أحسب أن القارئ العربي الذي لا يفقه بعض التراكيب اللغوية المحلية، سيتحمل بعضاً من الغموض اللغوي العابر الذي لن يخلق لديه تلبكاً معوياً.

الواضح من المقطع أعلاه أني لا أصادق الكرات. لكن، ولسخافة الصدف، فإن عبارات مفترق الطرق في حياتي غالباً ما احتوت على “طابات”.

فأنا لا زلتُُ أذكر تلك العبارة التي لا تزال تؤرقني حتى الآن: “الكرة في ملعبك”.

إذ قطعتُ صلاتي مع صديق لأنه جزم لي: “قرر، الكرة بملعبك”. إخترت أن أترك له ملعبي، وتالياً الطابة.

واختفيت عن حبيبة، وأنا دائماً ما أختفي، لحظة قالت لي: “الطابة عندك، حبيبي”.

ما هذا الملعب الذي لا يتواجد أحدٌ، إلا أنا، فيه؟

ربما أحمّل الأمور ما لا تحتمل، ولعلي أحظى بلحظات مغرِقة في التحليل الزائد غير المنطقي في السماء فوق المحيط (أي محيط هذا؟)، وأنا في طريقي إلى وادي السيليكون في سان خوسيه بكاليفورنيا.

لكنَّ المؤكد أن القصة ليست هنا، وربما ليس من قصة أصلاً. ورغم ذلك، فأني أعدكم بمحاولة البحث عن واحدة. إحساس ما يقول لي إن الحكايا كثيرة، وإنها لا تنتهي، وبعكس الرأي السائد، لا تكرر نفسها. وأنا لحظة أخط إحساسي هذا في عبارة على شاشة الكمبيوتر، أميل إلى فكرة أن القصص قد تكون مخبوءة في مكان ما، وربما يجدر عليّ التدقيق أكثر، لأخطّ بعدها القصة في مكانٍ أكثر عرضاً للعامة.

(يضحكني لفظ “العامة”).

فقد تكون القصة –مثلاً- تلم الغبارعلى قفا حذاء، من دون أن ينتبه لها أحد.

“ما بيفهم”. فعلاً، ما بيفهم.

التدوين في الزمن الحقيقي

مضى شهر قبل بدئي بالكتابة. كانت الفكرة السابقة تتلخص بكتابة يوميات عن وادي السيليكون الذي سأعيش فيه وأعمل في إحدى شركاته، وأن أقوم بكتابة هذه اليوميات يوماً إثر يوم.  شيء يشبه سطور “تويتر”  وغيرها من الكتابة في الزمن الحقيقي.

هكذا تترجَم العبارة إلى العربية  حرفياً وبعيداً عن التوضيب.Real time blogging تصبح: “التدوين في الزمن الحقيقي”.

بعد إعادة تفكير، أتذكر أني لطالما ظننت، بل ووثقت، أن الزمن الحقيقي غير مضبوط الإيقاع، وأنه يسرع ويبطئ بحسب استقبالنا لأحداثه، أو لا أحداثه. لكنني أصلاً أبحث عن قصتي. بعبارة أخرى، أنا أبحث عن إيقاعي الخاص، فهل أضيف إلى ضياعي هذا، تجريبية وخراب الزمن الحقيقي؟

لعلي لستُ أصلاً في هذا الزمن الحقيقي أصلاً لأدوّن عنه؟ مجدداً، من أين أبدأ؟

سأغامر وأبدأ من أكثر الزوايا تقليدية، من الزمن اللاحقيقي الذي كان لعقود، على ما يبدو، حقيقياً؟

RT @hilalchouman في البدء كانت رقاقة

هكذا أعاد أحد أصدقائي توترة أحد رسائلي على موقع تويتر. أصل العبارة كما هو معروف لدى كثيرين، هو: “في البدء كانت الكلمة”.

وعلى سيرة الكلمة، الرئيس الروسي ميدفيديف كان البارحة هنا، في الوادي. زار مكاتب شركة “تويتر”، وأنشأ حسابه الخاص على الموقع الشهير، و”زقزق” للمرة الأولى: “مرحباً! أنا على تويتر، وهذه رسالتي الأولى”، كتب بالروسية.

وأنا إذ أفكر، وأقرأ أكوام الأوراق المبعثرة حولي، أحلم فيها بذلك المجتمع السيبيري الكامل الذي يحصل فيه مستخدموه على هويات محددة تعرّف عنهم، بذلك المجتمع السيبيري الذي يعرِّف فيه الفرد عن نفسه بنفسه بعيداً عن تعريفات المجتمعات الطاغية، والأفكار الدينية الاقصائية والوطانويات الرديئة.

شهيق، زفير. في الأعلى بقايا من أفكار التربية الحسنة التي حظيت بها كشاب نشأ في عائلة لبنانية متوسطة الحال حاولت قدر الإمكان إبعاد ابنها عن عنف الحرب وعاداتها.

شهيق، زفير. المأساة واستعطاف القارئ لا تنفع. عليَّ فعلاً أن أتوقف عن الإغراق في حملة كليشيهات تشبه تصاريح المتسابقات في الجولة النهائية من احتفالات ملكات الجمال حول العالم.

فلأعد للموضوع الأساس: ما هو وادي السيليكون؟

باختصار، يقول أحدهم على الانترنت معرفاً: “وادي السيليكون، هو المكان الوحيد على الأرض الذي لا يجرب أن يبحث عن طريقة تجعله وادياً للسيليكون”.

وأعتقد، أعزائي القراء، أنكم تستطيعون استخدام العبارة أعلاه لتعرّفوا لأولادكم “الثقة” في جملة.

مسؤولية أمام الباب الحديدي الأسود

فلأبدأ من اللحظة التي وصلت إليها إلى المبنى الذي من المفترض أن أقيم فيه لستة أشهر قادمة. وقفتُ عند باب المدخل الحديدي الأسود. تركت الشنطتين، لأخرج المفتاح من المظروف الذي أُعطيَ لي ووضعته سابقاً في جيبي. ضغطت على زر المصعد. وقعت شنطة، فهرعتُ لأوقفها متذكراً أنها تحوي بعض الأشياء الزجاجية داخلها. أسندتُها إلى الباب الحديدي، وفيما أنا أخرِج المظروف، نظرتُ إلى الإعلان البلاستيكي المعلق على الباب:

توخَّ دائماً أن تغلـِق الباب وراءك

قد تحمي حياة طفل

لعلي وقفت فاغر الفم. لا أذكر.  تحت العبارة، خُطَّ بالأحمر جمل تذكر قانونيْن أميركيين لن أوردها هنا لسببين:

– أولاً: أنا لا أتذكرها.

– ثانياً، ذكر الجمل سيضيف 70 إلى مئة كلمة إضافية إلى هذا النص، وسيعاظم ذلك –مؤكد- من ملل القارئ.

لم أنتبه للزمن الذي مر في وقفتي تلك إلا عندما سمعت صوت جرس المصعد. التفتُّ لأجد بابه الجرار يغلَق، فأسرعتُ لأعيد فتحه، لكن الأوان كان قد فات. طلبتُ المصعَد مرة ثانية، لكن هذه المرة حضَّرتُ شنطتيَّ بالقرب من الباب، وأخرجت المفتاح معيداً المظروف إلى جيبي.

كنت أنتظر مديراً ظهري للمصعد، ومواجهاً للباب الحديدي. تلقائياً، أخذت أعيد قراءة الجمل في الإعلان مرةً بعد مرة، حتى شعرت أني مستهدَف. مستهدَف فعلاً. لا يعقَل أن يأتي الأميركان بـفيلم “راحت الطفلة، راحت”  لبين آفلك ليستقبلني عند باب بيتي الذي ما زلت لم أطأه بعد يعني.

وهكذا، تقدمت إلى الباب الحديدي. فتحتُه، ودفعتُه برفق من دون أن أغلقه، ثمّ تراجعت ناظراً إليه. كان المصعد قد وصل. وضعت حقيبتيَّ داخله، ودخلت. أخذت أنظر من الداخل إلى الباب الأسود غير المغلَق حتى غطى باب المصعَد كل شيء.

لم أفكر في الطفل الذي سيُخطَف أو يغتَصَب. لقد تصرفتُ تماماً كأي لبناني يتخذ موقفاً في السياسة نكايةً في غريمه في الفريق الآخر، وابتسمتُ إذا ثبتُّ هويتي في بلد غريب.

الطريق إلى غرفتي تمر بماوطوزو

ليست استعارة لعبارة عرفات الشهيرة: “الطريق إلى القدس تمر بجونية”. لستُ أهتم أصلاً بمثل هذا الهلوسة السياسية اللغوية التي تنافست مع العبث الفعلي في الحرب اللبنانية، لكن الطريق إلى غرفتي تمر فعلاً بماوطوزو. وماوطوزو هي البارك الخضراء المجانبة للمبنى الذي أسكن فيه. والمبنى الذي أسكن فيه جزء من مبانٍ كثيرة متشابهة، بل ملاصقة، تقع ضمن “مجتمع” ريدوودز. وريدوودز كغيره من مجتمعات أخرى يقع ضمن مجمّع يدعى “نورث بارك”، ونورث بارك يقع في وادي السيليكون، بالقرب من الكثير من الشركات كـ “سيسكو” وأنالوغ ديفايسز”.

لمَ أشعر أني أغني أغنية إرشادية مباشِرة التفاصيل، وموجهة للصغار دون سن العاشرة؟ ربما لأني أستصعب عادةً شرح الجغرافيا؟

فلأستعن بالرسم إذاً. هاكم خريطتي اليومية المعتادة:

(يتبع، وقد لا يتبع)

كان يمكن أن تمدّ يدك لتلتقط الكوب الذي أخذ يسقط على الأرض بطيئاً كسلحفاة، لكنك لم تفعل. جثم سائل القهوة البني للحظات في الهواء. تمدد، قشط ببطء، ثم انفجر بسرعة أشلاءً على أرض المطبخ.

بدا الحدث مشابهاً للأشرطة الدعائية التي تحضرها في الاستديو الصغير. تُقدِّم اللحظة وتؤخِّرها ألف مرة، وقد تلغيها رغم الإعادات. يحدث أن أمر في الغرفة وراء كرسيّك، فأحفظ تلك الثانية، وتقبع في رأسي حتى تأتيني في أحلامي. فأرى لأسبوع قادم مثلاً إنساناً ينزل الرصيف ثم يعود بجسده إلى الوراء، ويخيل لي عندما أخرج من البيت أن الشارع يحوي روبوتات تتحرك بإمرة أحدهم في مكان ما.

كان يمكن أن تركض من حيث أنت، وتفعل إحدى حركاتك البهلوانية الوثيرة، وتأتي بشيء (فأنتَ دائماً ما تأتيني بأشياء غريبة) لتلتقط به الفنجان ومافيه قبل أن يصل البلاط. لكنّك لم تحرك ساكناً، بل أكاد أقول أنك عزمتَ أن تبقى حيث أنت، وأنا بدوري لم أهتم لعدم حراكك، فشرعتُ أنظف الأرضية على الفور.

طبيعي أن تصل إحدى نثرات الزجاج إلى قدمي اليسرى، فتترك نقطة دم واحدة تنقلب بعد ثوانٍ إلى كرة حمراء صغيرة تنفلش فوق أوردة قدمي الخضراء الظاهرة. يحصل هذا دائماً: أوقع الكوب، فتصاب قدمي، قدمي اليسرى تحديداً. هذه إعادة ليست جزءاً من أشرطتك الدعائية. هذه إعادة حقيقية لطالما اعتدت عليها، حتى بدأت أعتقد أنّ قدمي لن تأبه بأي نثرة زجاج قادمة ولن تُخرِج أي نقطة دم أخرى.

بعد تنظيف سريع للقدم، أتابع مسح البلاط، فأجمع كل شيء في زواية واحدة ثم أرميه في سلة القمامة. يطيب لي بعدها أن أحضِّر كوباً آخر ربما انتقاماً من الحدث المكرَّر. أضع الركوة على النار، وأضيف ما يلزم من بن وسكر ما إن تغلي المياه. لا أسألكَ إن كنتَ تود مشاركتي الشراب، فأنا أعرف أنك لن تجيبني لا بلا، ولا بنعم.

تغلي الماء ثلاث مرات. تصعد القشوة البنية إلى السطح ثلاث مرات، قبل أن تنكسر وتبين ما تحتها من سائل. أصب القهوة في فنجان مماثل (مماثل تماماً، بالنقوش ذاتها، ربما لأكمل انتقامي)، وأروح إلى الكنبة لأجلس قبالتك. أنظر إليك وتنظر إلي من دون أن نتكلم. أرفع فنجاني ناحيتك وأكاد أرفق حركتي بـ”بصحتك” (كما تفعل أنت دائماً مع أي شراب في كوب كحولياً كان أم غير كحولي)، لكني أتراجع، وأعيد الفنجان ناحية شفتيّ.

منذ أسبوع، تحيطني باهتمامك أكثر. تفتح لي الباب، وتقول: “تفضلي”. تقودني إلى الدرج الذي وضعت فيها المفاتيح بعد أن أكون قد استنفذتُ ساعة في البحث عنها وبدأت أشعر باليأس. تشير لي لآلة التحكم التي وقعت تحت الكنبة ما إن أجلس لمشاهدة التلفاز.

منذ أسبوع، اعتدتُ أن أكلمك أكثر، وأعتدتُ أن تجيبني على الفور. أما اليوم فتقبع صامتاً لا تجيب ولا تسأل.

أعرف الآن أنك صرتَ تفصيلاً جامداً في صورة معلقة على جدار، زاويتها العلوية اليسرى يغطيها شريط أسود. ولحظة أتيقن من هذا، أشعر بالدم ينساب من داخلي.

اليوم، يعاودني الطمث للمرة الأولى منذ موتك.