نوفمبر 2010


أيقظني كلامكِ لما لمحتـُه مكتوباً في الكتاب الذي نفيتُه على رف المكتبة في خيار مازوشي أكرره دائماً. أعلنتِ كتابةً أنكِ “في مقهى رصيف في شارع الحمرا، تتلصصين على المشاة وعلى المتجر المستحدَث الذي يبيع السلعة التقليدية بـ”نصف سعر الأصلية” وأنك “تشربين فنجان قهوة مرة”، لو شربتُه أنا “لاقشعر” له بدني كله.

استخدمتِ هذا اللفظ تحديداً: “إقشعرّ”.

***

صفحتان، ثم: “أضفتُ السكر إلى فنجان القهوة الثالث. أحتاج أن أتوقف عن شرب القهوة. والسكَّر لطالما نجح في إبعادي عنها حتى.. الظهيرة”.

لذيذٌ هذا الكتاب بتعليقاتِك.

***

الكاتب يحاول أن يبنيَ شخصياته وأنتِ: “أقف أمام “ملك البطاطا”. فايتة اشتري سندويشة”.

تذكرين البطاطا على هامش صفحات رواية، أحداثها تجنح بالشخصيات نحو مصائر دامية! وأنتِ، وبثقةِ غير القارئة لهذا الكتاب على الأرجح، تكملين بملاحظاتكِ: “أحتاج أن أشمّ عطرك الشهير الذي كنتُ أكرهه، ومنعتـُك أكثر من مرة من استخدامه. تعرف؟ أصبحتُ أحبه. كان يشبه رائحة البطيخ”.

الشخصية الأولى أصيبت بالسل، الأخرى خُطِفَتْ، والعقدة تجنح للتعقيد.

***

في الهامش تكمل العبارات: “لن تصدِّق. اليوم، دخلتُ دكان العطور الشهير آخر الحمراء، ورحتُ أطلب من البائعة أن تدعني أشم العطور “الرجاليّة” الأكثر انتشاراً. لم أعرف ماذا أقول لها. أريد عطر البطيخ؟ جعلتـُها تنزِل جميع القوارير من الرفوف ولم أجد غايتي. ساعدَتـْني في البدء لظنها أنها تتعامل مع زبونة “دفـّيعة”. لكني لم أجد الرائحة وخرجْت. كرهـَتـْني طبعاً. لا يهمّني. أنا في الباص الآن. أقطع الشارع المنحدر الذي يوصل الحمراء بالكورنيش. ما اسمه؟ كاراكاس؟”

***

في الرواية من جديد: مع الخاطفين. حوار الضحية والجلاد المتكرر. لِمَ يلجأ الروائيون والسينمائيون دوماً إلى مثل ذلك الحوار المضحك؟ غريب. الرؤوس تُقطَع يومياً من دون سابق إنذار في التقارير وعلى المواقع “الجهاديّة”. تَطبَّع المشهد، ولم يتوقف الجلاد في الكتب عن الشرح المستفيض لضحيته قبل قيامه بالأمر. وبدورها، تفنِّد الضحية لقاتلها المفترَض كل حديثه قبل أن يقتلها أو تتخلص هي منه!

***

في هامشٍ آخر: “فقدْتُ كاتب عمودي الصباحي منذ سنة. لم أغيّر الجريدة. فقدتُ كاتب العمود الثاني منذ ستة أشهر. غيّرت الجريدة. فقدتُ كاتبي المفضّل في جريدتي الجديدة منذ أسبوع. سأشرب القهوة بلا مصاحبة لأي ترويسة صحفيّة. ذاهبة للجامعة. حزينة أنا اليوم. أكرهكَ أيضاً. تحمّلني”.

باتت الرواية سخيفة، لكنّ تعليقاتكِ تستمر. يبدو أنكِ مللتِ من الكتاب أسرع مني فبدأت برصّ يومياتِك في هامش صفحاته.

***

قفزة إلى ما في الهامش الأخير: “دخلتُ اليوم البيت. وقبل أن أخلع ذلك الحذاء البني الذي تكرهه (“معليش، ولا يهمّك. أنا بْحبّو”)، شمَمْتُ رائحتكَ. حسبْـتـُكَ تختبئ في إحدى الزوايا لتفاجئني طامحاً في شتيمة معهودة مني. خطواتي البطيئة الحذِرة أوصلتني إلى الصالون حيث وجدتُ أختي تأكل.. البطيخ! أنا أبكي الآن، وأنا أكرهكَ”.

***

أغلق الكتاب وأشم ساعدي حيث تستظلّ بعضاً من رائحة جسدي. أركز. ماذا؟ بطيخ؟ أشم ثانيةً. فعلاً، بطيخ! هذه الرائحة من الكتاب أم من ساعدي؟

“أنا أملك رائحة البطيخ وأنتِ تأسرين ما تبقّى من كآبة تسعينيات شارع الحمرا. أشعر أنّ الشارع سيتجاهل أي حربٍ قادمة ويستمرّ في كآبته. سيتجاهل محلات الأحذية والمطاعم والمقاهي، ويكتئب أكثر. وسنبقى نحن نكتب الوهم عنه. عذرنا –ربما- أننا نحتاج شارعاً واحداً فقط، لا أكثر. وهذا الشارع –ربما- مثلنا. يمرّ قرب المأساة، فيكتئب، ويتابع حياته. في المأساة يكمل. يستقبل الاعلانات كلها ولا يتأفف. يترك المسلحين المثيرين للغثيان يمشون على أرصفته ولا يتذمر. الشارع مثلنا ونحن مثل الشارع، وهذا لا علاقة له بهراء الوجه-الفاضل-الذي-يجب-أن-تكون-مدينتنا-عليه. فات وقت الهراء، التلفاز والصحف تصدّر لي الأجوبة، وأنا لا أبارح مكاني، أطرح الأسئلة. تعرفين؟ عندما أرى الشوارع هنا، أتيقن أن الحمرا مجرد زاروب من زواريبنا. زاروب تتفرع منه زورايب، تتفرع منه زواريب. نحن نرقي الزاروب لأننا ننق له وينق لنا. نوهمه بالأحسن، ويوهمنا بالأحسن.

ما الأحسن؟ ما المأساة؟ ما الأحسن!؟”

أمسح بكفّيَّ شعري وصولاً إلى رقبتي في حركة سريعة، أرفع القلم للحظة، ثم أنهي الكتابة في هامش إحدى صفحات الكتاب. أقطع الطريق في هذه القرية الانكليزية الباردة، وأدخل المبنى لأعيده لكِ. وتحت واجهة المحل التي تحوي كلمتي: “Post office”، أؤمن بأنّ للبطيخ الكئيب رائحة.

في مجارير بيروت يا هلال، يسبح أكثر من كائن غريب. هل تتصور كل هذه الأسلحة والمواد المشعة التي لا نعرف عنها الكثير؟ لقد طمرتها الميليشيات المتناحرة خلال ثمانينيات القرن الماضي، بالقرب من مصبات المجارير في البحر. فكِّر في إمكانية اختلاط المياه المالحة بالمجارير. مدّ واحد من البحر كفيل بأن يُدخل بعضاً من هذا الماء المالح المشعّ إلى الفتحات تحت اليابسة. هناك أيضاً مواد غريبة عجيبة طمرها المقاتلون في اليابسة، فوق العظام واللحم المدمّى لضحاياهم. كلُّ طمر عظام أعدائه، وفوقها نفاياته وأسلحته. سياراتنا تمشي فوق أسفلت يحوي أجساداً وأسلحة ونفايات. هل تتصور مادة مشعّة، فوق لحم وعظم، ومع ديدان وحشرات قرب منزل لكائنات غير معروفة؟ هل تتصور هذه الكائنات تأكل أو تلمس مواد كهذه؟ إنّ هذا لا يمكن إلا أن يحدث تشوهات وطفرات خَلْقيّة قادمة في جنس الكائنات غير المعروفة هذه. لا تضحك. أنا لا أخترع شيئاً. كل هذه الفرضيات سبق أن كتبها وصوَّرها سينمائيون غيري.

والآن ماذا؟ أرغب بجعة محلية الصنع. ربما ألمازة. (هل هناك غيرها؟) أملك عدة قناني من تلك الخاصة بالإصدار الخامس والسبعين في براد المطبخ. يا زلمي، أكثر ما أحب فعله لدى شربي قنينة البيرة هو نزع الملصقات عنها. الآن، وأنا أنظر إلى الإصدار الخاص الخامس والسبعين من القنينة أوقف نفسي عن ذلك الفعل وأنتبه. هذه صور قديمة على البيرة. أنا أشرب قنينة مماثلة للتي كان يشربها آباؤنا. أشعر أني أمام تاريخ.. في قنينة. إشرب، إشرب. سنشرب من هذه القناني الخضراء، ونرميها على الشاطئ. سنتخيّل كائنات مخاطرة غريبة تهرع لشرب ما تبقى من جعة.

“نتخيل”؟ هل استخدمت الفعل الصحيح؟

أعرف أنك ستفرغ كل هذه التسجيلات فيما بعد. أنك ستعيد كتابة أحاديثنا مرة أخرى، بطريقتك الأدبية. وهذه المرة، ستضيف علامات الوقف في أمكنتها المناسبة، بعكسي. ستعيد وتؤخّر، وقد تمزج بين كلامي، وقصص الكائنات، وتتلاعب زمنياً بكل هذا. أعرف. أعرف أنك ستحذف الكثير، وقد تضحك عندما تعيد الاستماع لأحاديثنا. وستظن أني أكذب. وقد أكون كذبت عليك في مطارح أساسية من الحكاية فقط لدواعي التجميل وشدشدة الحبكة. لكن عذري أنّ تاريخاً وخيالاً (؟) كهذا لا يجب أن يخرج في حكاية مرتخية سقيمة نثقلها بدواعي الحكمة التي ستضيفها أنت غالباً على الحكاية أيها الكاتب الكلاسيكي حدَّ الملل.

تضحك؟

إسمع. قصدت، سجِّل. أنا لا أعرف مثلك أن أكتب رواية. لا أعرف كيف أصيغ كلماتي على نحو صحيح. أرتكب الكثير من الأخطاء الإملائية والقواعديّة. لا أعرف مثلاً كيفية استخدام الحركات ولا أدوات الوقف. أترك كل الكلمات تسبح بلا حركات، وأستعيض عن أدوات الوقف جميعها بالنقاط. هل تتخيل نقطة مكان علامة استفهام وتعجب؟ هل تتخيل فاصلة بدل نقطة؟ هل تتصور كل تلك اللا مبالاة الظاهرة في النص؟ يا هلال، أنا لا أكتب رواية. أنا فقط أعصر ذاكرتي لك. لم أفلح يوماً في كتابة يوميات، فكيف أكتب رواية؟ أنا فقط أتذكر لك ومعك.

عندما رأيتُ المسلحين يدخلون الشارع، ويصلون قرب المقهى، ركضْتُ لأختبئ في مبنى قريب. لم أعرف أنّهم سيتجهون لهذا المبنى تحديداً.

(الآن)

الآن، أروي كل شيء للمرة الأولى. أكلِّم نفسي، وأثبِّت المشاهد في عقلي. أحاول استعادة التفاصيل كي أفرّغها على الشاشة. الآن، أستعيد كل ما حدث. لكن هل يعني هذا بالضرورة أني نجوت؟ ماذا لو كتبتُ كل هذا بعد إصابتي بعاهة؟ بترت يدي أو رجلي، أو أصبت في قدمي مثلاً أو تركت رصاصة ما ندبةً لن تُمحى على جزء حميم من جسد؟ ثم ماذا لو كان غيري يصوغ الآن بلساني، وماذا لو كان يضيف أجزاءً متخيَّلة؟ وماذا لو كنت أكتب ما حدث من حيث أتواجد في حياتي الأخرى؟

(نحن لا نذكر أسماء الأموات)

تحدَّث بالعامية طبعاً. لكني سأجعله يتكلم الفصحى. “إن في ذلك إستلاب أكثر”، أفكر ولا أضحك.

قال: “إنهم يهربون كالعصافير”. ضحك، وبانت أسنانه. كانت بيضاء.

ربَّت على كتف زميله الصغير في السن مستطرداً: “أنت لم تكن في تلك الحرب. ما نفعله اليوم لعب ولاد. تمرين.”

جلس على تنكة خضراء كتب عليها “البقرة الحلوب”.

“أنا لا أنتقم من موتاي. من ذهب قد ذهب. أنا فقط اشتقت”.

“ما هذا؟ ألا ننتقم لشهدائنا إذاً؟” سأل صغير السن.

“انسَ الأموات. لا تذكر أسماءهم.” أجاب، ثم قام يتمشى.

“نحن لا نذكر الأموات، على الأقل ليس الآن، وليس هنا. أنظر هذه الآر بي جي. تلمّسها. يا الله ما أجمل ملمسها. سبحانك يا الله. سبحان العقل البشري”، أضاف، واقترب أكثر من حيث أختبئ.

(أنا خائف)

لديَّ اعتراف. كدْتُ أن أبوِّل على نفسي وأنا أرى المسلَّح يقترب من حيث أختبئ.

لديَّ اعتراف. خفت على كل الأشياء التي سأفوّتها ما إن يقترب ذلك المسلّح مني، ويشدني من ياقة قميصي، ويرفع بوجهه فوهة الكلاشينكوف، ويصرخ، فأتأتئ، فيصرخ، فأتأتئ، وأبوّل على نفسي، ومن ثم يعقد حاجبيه أكثر، ويطلق النار طارشاً ما في دماغي من دم ونخاع على الحائط.

بقي الكثير لأفعله. الروايات التي لم أقرأها والحب الذي لم أجربه بعد والطعام الذي لم أتذوقه، والمدن التي لم أزرها، وأفكاري الفانتازمية التي كنت أشتغل عليها مع محللي النفسي ولم أضعها موضع التنفيذ قط، واللغة اليابانية التي لم أتعلمها بعد، والأولاد الذين كلما ابتسموا في وجهي ألتفت بعيداً عنهم ولا أعانقهم.

لو رأيتُ ولداً الآن، لعانقته. لا. لبقبشتُه. لا. لحملتُه على كتفي ودرتُ به يضربني الهذر. أريد أن أشرب ماءً. لا. أريد قنينة بيرة خضراء اللون لأضعها أمامي وآخذ أشربها، ثم أمزق الملصقات عليها شيئاً فشيئا من دون أن أنزعها كلياً، وأنا أتابع الشرب!

أغمض عينيَّ، أعقد أصابعي. آخذ أتمتم بأرقام متعاقبة، وأنا أنتظر. سواد. صمت. صوت خطوات تقترب. 21، 22، 23… عليَّ أن أحلم.

(حلمت: أنا وهي على الدراجة النارية)

على دراجة نارية واحدة إنطلقنا. أنا في المقدمة وهي خلفي. أنا أقود وهي تشبك ذراعيها حول خصري. ساعداها يضغطان على بطني أكثر عند كل منعطف. تطير الدراجة فوق الخراب. لا نرى المسلّحين، لكننا نشمّ روائحهم المختلطة بالبارود ودهان الشعارات الطازج على الحيطان.

تحفر الدراجة طريقها بين قوافل الجرذان والحشرات، تفسح الحيوانات الطريق لنا، وتقفز الدراجة فوق المطبات الرملية وبقايا الخشب والدواليب المشتعلة.

هنا، وقف مسلّح قبل قليل. أستطيع رؤية آثار جزمته المغروسة في بقايا الطين.

من هنا، مرَّ بعض الفارين. أرى بقايا سندويش قد يكون سقط من طفل، ولا أستطيع تبين محتواه.

المحيط صامت إلا من همهماتي، وهمهماتها. المحيط صامتٌ، صامت.

ثم تتكلم هي فجأة. تسخر من ذاك الفيلم الشهير وهي تتمسَّك بي جزعة. “أنا ملكة العالم”، تصرخ. تضحك بهستيريا وأرافقها الضحك.

يتعالى الضحك الهستيري فنتأكد من تعاظم الصوت أنَّ أحداً غيرنا يشاركنا القهقهات. في تلك اللحظة، يمر مسلّح في سيارة دفع رباعي بالقرب منا، ويطلق النار في الهواء ابتهاجاً، ويصرخ. ثم يأتي آخرون من الجانب الآخر في سيارات أخرى. نصير في منطقة عصابات. يتباطأ المشهد عندي، وتتعاظم ضحكات المسلَّحين حتى تستولي على كل الأصوات. أرى الرصاصات تفرّ من المشط فارغة وتتناثر على الطريق حولنا من دون أن تصدر أي صوت.

ثم تعود الحياة إلى سرعتها الطبيعية بعد ثوان ما إن يتخطونا. أجدها تتمسك بي أكثر، أطمئنها أن المسلّحين جزء من لا وعيي، لكني أعرف أن الحلم انتهى، فلا أتمادى، وأفقش بإصبعي يديَّ اليمنى، ليختفيَ كل شيء.

(فلنلمّ الرصاصات)

نظرَتْ إليّ الفتاة. مدَّت يدها، وقالت لي: “راحوا… اضهار”.

توقعقتُ في زاويتي لدقيقة، أتلمّس أجزاء من جسدي. تفحَّصتُ كل جسمي بالنظر، ثم باللمس الكثيف، ونظرتُ إليها. بدورها، بادلتني النظرات. تحرّكت قليلاً ناحيتها مستجيباً، فأعماني الضوء وراءها. كنت كلما تقدمت، أحسست أن عمايَ يزداد، لكني واصلت الخطى حتى وجدت نفسي في الخارج.

كان الشارع فارغاً من الناس. وحدها الفتاة كانت هناك. تنحني، تلمّ رصاصة، تضعها في كفها، وتباشر عيناها البحث عن رصاصة أخرى على رصيف مقابل.

سمعْتُ صوتاً من بيت أرضي كنت أتكئ إلى شباكه: “فلّوا؟”، سأل الصوت.

من النافذة، بانت لي عجوز في السرير. أغلب الظن أنها مقعدة، فكرت. سريرها تحت النافذة. مقدمته تحت النافذة، طرفه الآخر في اتجاه الحائط. رأسها لجهة النافذة، ورجلاها ناحية الحائط المواجه.

“إيه ، فلّو يا.. إمي. فلّو.”، أجبتها.

سمعْتُ صراخاً، حولْتُ نظري  إلى الشارع من دون أن أتحرك، لأجد الفتاة إياها تهلِّل بجنون فوق بقايا الرصيف، مع مواصلة جمعها للرصاصات المرمية. فكّرت: هل ستضع تلك الرصاصات في ألبوم، تذيِّلها بأقوال لبعض الكتاب أو بمقتطفات من الشعر المجهول؟

تغيرت صورة الفتاة عندي. لم تعد تلك التي مدّت لي يدها قبل قليل. تحولت أمامي  فجأة إلى زومبي ميت يمشي ويقتات من البقايا. ماذا حصل؟ ولماذا تبتهج؟ هل هي مع أحد أطراف النزاع، أم أنها فقط جنّت لمدة محدودة؟ لا أجد أجوبة لأسئلتي، ولا يساعدني تحديقها الصامت فيّ، قبل أن تتابع طريقها كأنَّ شيئاً لم يحدث.

كان وابل الأسئلة يمطر رأسي بصداع مستحكم: كم بقيتُ محتجزاً في ذاك المكان؟ ليلة؟ أكثر؟ أقل؟

انتبهتُ، وأنا واقف، أن بنطالي يلتصق بفخذي الأيمن. أحنيتُ نظري. وجدت القماش في ذلك المطرح أكثر دكونة. لقد بولتُ على نفسي خلال نومي. هل حصل ذلك لحظة مر المسلّح بجانب دراجتي؟

خطوتُ خطوتين، واتجهت ناحية بيت العجوز.

(في بيت المرأة العجوز)

دلتني بإصبعها إلى الغاز. فتحتُ الخزائن فوق المجلى. وجدْتُ لها ظرفَيْ حساء من هذا الذي يذوب سريعاً في الماء. حضرْتُ لها حساءً. بكيتُ من غير أن أعرف السبب، لكني تفاديتُ أن يسقط دمعي في الوعاء. استغرق تحضير الحساء عشر دقائق. سكبتُه في صحن غميق، ووضعته على صينية مع ملعقة ورجعتُ به إلى سرير العجوز. شكرتني وطلبت مني أن أضعه على الطاولة المدولبة المخصَّصة وأن أقربها ناحيتها. فعلت، وهممتُ أن أرفع الملعقة إلى فمها، لكنها أخذتها مني وأخذت تأكل بنفسها.

“ليش كنت عم تبكي يا ابني؟”، سألتني وهي تنظر إلى وجهي.

لم أجب.

توقفَت عن الأكل. طلبت مني أن أفتح الخزانة، فنفذتُ رغبتها. أشارت إليَّ أن أسحب بنطلوناً وقميصاً. فعلت وعدتُ ناحيتها بهما.

“هاو تياب ابني قبل ما يقتلوه. فيك تلبسهن”، قالت.

“فوت تحمم، وغير تيابك”، تابعت مؤكدة وهي تشير لي إلى الحمام.

(كلما اتسعت البقعة)

وقفتُ أمام المرآة. لم أرَ إلا الهالات التي أحاطت بعينيّ. بدا منظري مريعاً. أنا نفسي جفلتُ لرؤية كهذه. خطر لي أني كبرْتُ فجأة. فجأة؟ في دقائق خمس؟

صرت أرى ما بقي من القميص مجعلكاً أكثر. وجدتُ المرآة تتسّخ أمام ناظري. لمحتُ قرون استشعار الصراصير تخرج من فجوة البالوعة في زاوية الحمام. حدّقتُ بقطع البويا المتساقطة في سقف الحمام، وبالبانيو الأبيض المصفرّ، وبالستارة النايلون الرطبة، وتابعتُ سرب النمل الماشي على المعجون الذي يغلق الفجوات في الخط الفاصل بين بلاط الأرضية وبويا الحائط.

صار المالح يسيل من عيني، وأنا أنظر إلى الملابس التي علقتها لدى دخولي الحمام. بدأ الأمر برؤيتي لبقعة دم واحدة في وسط الثياب الداكنة، وما لبثت الثياب أن تلوّنت بكاملها. ثم أخذت تقطر دماً سرعان ما وجد طريقه إلى فجوة البالوعة القريبة قرب قدمي.

(“سيجارة 8”)

“الله يرضى عليك”، قالت لي العجوز. أومأُتُ بابتسامة مصطنعة، ولم أجب لفترة، قبل أن أتركها معلناً: “لازم روح هلأ يا ستي. برجع بمرق عليكي بتطمن”.

خرجت ثم سرت وحيداً إلى الرصيف المقابل. كنت كلما مشيتُ أكثر، ثقل رأسي أكثر، حتى وصلت إلى دكان السمانة، ودخلتُه لأشتري علبة مارلبورو أبيض لايت، وتابعتُ الصعود ناحية شقتي.

وهناك، على الشرفة، مججتُ مجة واحدة من سيجارتي الثامنة (في حياتي كلها). دونتً على دفتري القديم ذي الصفحات الفارغة تاريخ اليوم وعبارة “سيجارة 8”.  ثم وضعت الدفتر جانباً، مججت مجة ثانية من السيجارة، ثم ألقيتُها سريعاً في الشارع، ووجدت نفسي أهرع لكرسي الحمام لأفرغ ما في جوفي. تقيأتُ قليلَ ما أكلتُه عند العجوز ذاك النهار، وبعض العصارات.

ثم جلست. فكرت بسيجارتي التاسعة، بتقيؤي المقبل، وبها، وابتسمْتُ.

(الساعِد المنظار)

قلتُ لها: “سآتيكِ بزغلولة!”

نظرتُ إلى السماء، ورأيتُ أسراب الحمام تحوم فوق بيروت. “يا حمام يا مروح بلدك متهني”، سكبت السماعات في أذنيّ. زغاليل، زغاليل فوقي، والأغنية تتابع طنينها في رأسي، حتى كدتُ أرى زغلولةً تهبط على باطن كفي لتلتهم حبّاً لا أعرف من أين أتى.

مرت أسابيع: صرت أنتقل كما الطائر الذي يلحق الفتات على سطوح البنايات. حفظتُ أصوات صفرات كشاشي الحمام. أبو أحمد الكشاش صار يشتمني من البناية المجاورة.

أعرف أني ذات يوم سأعيش قرب الحمام الجاثم على أحد السطوح هنا، وسأنظر إلى تحت، حيث تحترق المدينة من دون توقف، فلا أحرك ساكناً، بل أدخن سيجارة. ما يكون رقم تلك السيجارة عندها؟ وهل أكون اعتدت التدخين فلا أعود أتقيأ؟ وستكون هي معي في تلك اللحظة، تهتم بزغلولتها؟

سأقول لها: أنظري إلى المدينة من هنا. أمد ذراعها وأنا أحضنها من الخلف، فأتحكم بالاتجاه الذي يشير إليه ساعدها الممدود. ذراعانا ستعملان كمنظار. أضغط على ساعدها متجهاً للجهة الأخرى. ندور نصف استدارة. ساعدي وساعدها يصيران واحداً. ندور ببطء وأقول لها:

“انظري. هنا سيقتل الشيعة والسنة بعضهم ذات يوم. وهنا سيذبح المسيحيون بعضهم. وهنا في هذه البيوت الفقيرة الواطئة، حول الأبراج، سيتعارك العمال الأجانب ويقطعون أوردة أعناق بعضهم بالسكاكين لتحصيل أموال بعضهم القليلة أصلاً. سترين بعدها غيماً من الدخان الأسود هنا، وهنا، وهناك، وأيضاً هنا. الحريق تحت، والغيم يصعد نحو السماء ويمشي ببطء حتى يغطي المدينة بأكملها. ثم ستمطر فوقنا مطراً صيفياً غريباً. فتغسل بعض الحرائق من دون أن تخمد أكثرها، وتذهب بدم الشارع إلى مجاريره”.

لن تنطق بكلمة. ستغمض عينيها أحياناً، وتنظر مباشرةً في عيني أحياناً أخرى، لكنها لن تنظر قط إلى حيث يؤشَّر ساعدانا. لكأن المحيط لا يعنيها، أو لكأنها تخاف هذا الارتفاع فتتجاهله. لكأنها لا ترى البيوت وأسلاك الكهرباء تغزو الارتفاع الذي يفصلنا عن البيوت.

أنظر إليها، ثم أنظر وراءها. في أفق المشهد أرى سلسلة الجبال الغربية، وأكتشف أن الثلج لم يذب بعد.

(الأحداث)

لديّ مقابلة تلفزيونية بعد ساعة. فيها، سأقرأ قصتي القصيرة الجديدة رغم أني لم أنه تأليفها بعد. لا بأس، قلت. سأتابع كتابتها على الطريق. ظللت لساعة أكتب مقاطع غير مترابطة لم تضف كثيراً للقصة الأم. بدت المقاطع انعكاساً لارتباكي الشخصي الذي تفاقم عندما اختفت هي من الشقة من دون أن تترك أثراً. بعد محاولات، قررت أن أتوقف عن الكتابة، ضببتُ كمبيوتري الصغير جداً في الحقيبة وترجلتُ من السرفيس ماشياً باتجاه مبنى القناة. بقي رأسي ضاجاً بالتفاصيل. فوجئت بالجرذان تهطل من معطفي. ركضتُ وتابعتُ افراغ الحمولة بلا اهتمام. نظرت إلي الجرذان قبل أن تمضي كأنها تشكرني على تحريرها. خيَّل إليّ أن وجوهها تشبه وجوه أناس أعرفهم. عندما وصلت الاستديو وجلست على الكرسي أمام المذيع خيَّل إلي أنه يمتلك رأس أحد الجرذان إياها.

فكرتُ أني لست جاهزاً. عزمت أنه لو سألني عن الأحداث لتجاهلت سؤاله، ولو استدرجني إلى موقف وطني رخيص لأبَيْت مجاراته. كنت أكرر في عقلي أن الأمر ممل، ولا يستحق، ومعاد، ويحصل كل عام. هذه أحداث فقط. ليست حرباً. أخذت أقنع نفسي أن الأحداث هي المدينة واقفةً عند الحافة، تقفز فينطلق العداد وتتراكم آملاً في صناعة حرب، وفي كل مرة تفشل في صناعة الحرب إياها كما فشلت دائماً في كل الأشياء فيما عدا الانتظار. أكدتُ لنفسي وأنا أشرب من كوب الماء التي وضعه أمامي العامل أنّ الأحداث لعب ولاد، واثبات هويات. أنها حتى لو كانت حرباً حقاً، فهي لا تستحق مني التعليق. ألا يكفي أني أكتب عنها كل يوم؟  لحظتها خطر لي: ألا يجدر بيّ أن أتوقف عن كتابتها، وأن أشرع بكتابة شيء هلامي يسرقه المراهقون من على رفوف المكتبات؟

تباً، كيف أوقف كل هذا التتالي في الأفكار؟ كيف أوقف فيض الخيال هذا؟  متى تتوقف الجرذان عن الهطول من معطفي؟ هل أكون تحولت إلى جرذ في شاشات المشاهدين؟ ابتسم لي رأس الجرذ قربي وبدأ مقدمته. من مقعدي، لم أسمع من مقدمته إلا كلمة واحدة تتكرر بلا توقف. كلمة كبيرة لا أذكرها الآن. حاولتُ تلمس وجهي لأتأكد إن كان لا يزال على حاله، ثم فكرت بها، وبحياتي الدائرية المقفلة. هل تشاهدني الآن؟ هل ستفكر كما قرائي المجهولين لحظة يلتقون بي وجهاً لوجه للمرة الأولى؟ هل ستقول من مكانها على الكنبة: “لم أحسبك هكذا”؟

رأيت المذيع ينحني مربتاً على ساعدي سائلاً: “هل أنت بخير؟”.

أومأت مبتسماً بالإيجاب. أعاد الجرذ طرح السؤال، فارتكبتُ كعادتي الإجابة الوطنية الرخيصة ذاتها.