ديسمبر 2010


تذكرت اليوم سؤالك الاستنكاري لي قبل أسبوع: “كيف تحولت علاقتنا إلى علاقة خبرية؟”

تذكرت كيف صرتَ تسألني أسئلة مقفلة وأجيب أنا بأسئلة أكثر إقفالاً.

ثق أنَّ الأمور بيننا لا تنتهي ولا تتوقف. هي -فقط- تسقط. ولأكن أكثر صراحة: علاقتنا الآن في حالة سقوط، لكنه سقوط شديد ومريب في سرعته. قبل، كنتُ أثق دائماً أن السقوط هذا سيتوقف قبل بلوغه الأرض، تماماً ككابوسك الشهير. الآن أخاف أن أن أرتطم بالأرض، بل أن أتجاوزها حتى للأسفل.

هناك شيء ما هذه المرة مختلف عن عراكاتنا السابقة.

إسمع. فكرت. لا يجب أن تنتهي الأمور على هذا النحو. أنتَ صفقتَ باب البيت خلفك، بعد أن خرجت، وأخذ الطفل تواً يصيح بشكل جنوني من غرفته المطلية جدرانها باللون الأزرق. هرعت إليه وهمهمتُ له، وغنيتُ له بصوتي البشع -الذي لطالما أثنيتَ عليه- فنام. يقولون أن الأولاد يحبون غناء أمهاتهم، كيفما كان. ربما هذا صحيح. فكرت، وقررت: سأعود إلى منزل العائلة.

تستطيع أن تمر متى شئت لتصطحب الولد. تعرف أنني لن أمنعك عنه.

أنا الآن في السيارة في طريقي إلى منزل أهلي. لا أعرف لِمَ أخبرك كل هذا. ربما لأثبت لك أن علاقتنا، في الأزمات، تتملص من خَبَرِيّتها؟ ربما؟

لستُ واثقة.

الولد يتململ في المقعد الخلفي المخصص له. الآن، أنتبه أنها المرة الأولى التي أترك لك رسالة على المجيب الصوتي لخليويّك.

Advertisements

وقف هيثم في الصالة الواسعة، يتأمل ما أحاط به من أثاث: كنبات بنية، أرائك ضخمة، طاولة من الزجاج تتوسط الكنبات، وباركيه فاتح اللون يغطي الأرضية حتى باب الشرفة الألومينيوم. لمح انعكاس وجهه أمامه على زجاج النافذة التي تشرف على مقبرة السوديكو. يكاد لون الورم يختفي، أما الجرح فاندمل قبل يومين. رشف رشفة من كوبه، وشعر بالكافيين يثير في جسمه قشعريرةً استمرت لثوان.

قبل أسبوع، قالت له:

«كنتَ مخمورًا، تتلقفكَ أذرع أناس مخمورين مثلك. رقصْتَ وصرختَ ولم تفارق القنينة الخضراء والكأس يدك. وفيما كنتُ جالسةً إلى البار أنتظر صديقةً وأتابع ما يجري حولي، رأيتُك تأخذ كأسًا من على صينية مارّة. شربتَها دفعةً واحدة وأعدتَها إلى الصينية واتجهتَ نحوي. جلستَ بجانبي من دون أن تستأذن، وافتتحتَ حديثًا بدا لي في تلك اللحظة غير ذي معنى. سألتَني عن أشخاص لا أعرفهم، وتحدثتَ معي في المعادلات الرياضية، والاحتمالات، ونسبة الخطأ المقبولة في عالم الرياضيات.

ثمَّ، وقبل أن أشرع بالإجابة عن أسئلتك التي لم أفهم معظمها، شددتَ ذراعي مخترقًا كل الحشد الراقص ووجدتُني معك بعد دقائق في الشارع. لا أعرف كيف، ولا تسألني مزيدًا. أخذنا نخترق أرتال السيارات المزدحمة حول الفنادق التي توزعت على جانبي ذلك الشارع العريض، في منطقة عين المريسة. بالنسبة لمنتصف ليل، كانت الزحمة خانقة. عرفتُ في اليوم التالي أن كرنفالاً ما كان مقامًا على رصيف الكورنيش البحري القريب.

كنتَ مندفعًا تجرّني وراءك. شعرتُ بالخجل أكثر من مرة: امرأة يجرّها ولد. لا تزعل مني إن اختصرْتُ كل ما حدث تلك الليلة بهذه الجملة. هي فعلاً تعكس حقيقة ما حصل. أنا لا أذهب عادةً إلى مثل هذه الحفلات. لستُ اجتماعيةً بهذا القدر. تلك الليلة كانت استثناء. دعيتُ من قبل صديقة. أصرَّت علي، وانتهى بي الأمر مغادرةً – قبل أن أراها- معك! لكأنّ كل شيء كان يمشي وفق خطة مرسومة.

ستسألني: لماذا لم أتملَّص أو أصرخ أو أفعل أي حركة تخلصني من قبضة يدك؟ لا أعرف لِمَ طاوعتك. ربما طمأنتني طريقة تصرفك. شيء ما في داخلي كان يقول لي إنك لستَ مخيفًا. أعذرني إن كنتُ أطلق أحكامًا عليك. أنت أردتَ أن تعرف كل ما حصل، وأنا أستعيد معك كل التفاصيل.

كنتَ ضائعًا. تقول لي: «تعالي»، وتتقدم. ثم تتوقف للحظات، ناظرًا حولك كمن أضاع طريقًا وأراد إعادة استكشافها. ثم تعيد «تعالي»، وتندفع، قبل أن تتوقف لتنظر حولك من جديد.

اخترقنا صفوف السيارات بصعوبة، عدة مرات. كانت أصوات أبواقها تصم الآذان. وفي مرة، تقدم سائق معيقًا المرور بين سيارتين، فما كان منك إلا أن صعدتَ على مقدمة سيارته، ووقفتَ تغبّ ما تبقى من شراب في قنينتك الخضراء. كنتَ قد أفلتَّ يدي. ثم التفتَّ إليّ ودعوتَني بحركة من يدك. «تعالي» تحولت «اطلعي». قطعًا، لم أكن لأفعل.

جنّ جنون السائق. ترجّل وهو يشتمك ويدعوك للنزول، فلم تمتثل. أجبتَه كمن يحاور خيالاً: «إنت اطلع». اجتمع الناس للفرجة، فيما أنت مشغول بالقنينة وبدندنة أغنية مصرية قديمة لم أكن قد سمعتها قبلاً. دعاك السائق للنزول مرة أخرى. لم تجبه. لم تكن تسمعه، بل لم تكن تريد أن تسمعه. استشاط غضبًا مع تجاهلك له. صارت شتائمه أقذع. تجمّع حولكما شبّان يحولون بينكما، وأنت تنظر فلا تفهم ما يجري، حتى أخذتَ تضحك. كانت قبضة السائق الستيني أكثر إصرارًا من قدرة الشباب على الفصل بينكما، فإذا بك بين يديه، فيما الشباب يحاولون إبعاده عنك. لكمة، ولكمتان، ودم سائل على الأسفلت، كانت كافية لكي يستولي عليّ شعوران بوجهتين متضادتين: الهلع عليك والإحساس بالذنب لإذعاني لك.

بعد أن حملك الشبّان وأبعدوك عن الرجل الذي أقلع بسيارته في الطريق التي انفتحت أمامه، متابعًا السبّ، أصابني الجمود. ها أنا مع شاب ملقىً على الأرض، والدم يسيل من وجهه، فماذا أفعل؟ كنتُ كمن استيقظ لتوه على مفاجأة، بعد نوم عميق. على الفور، اتصلتُ بسائقي الذي كان على مقربة، فترك السيارة مركونة على الرصيف وأتاني مهرولاً إذ أحسّ بهلعي. تساعد هو وبعض الشبان على حملك، وتبعتُهم أنا حتى مدّدوك في المقعد الخلفي للمرسيدس. هل حدث كل هذا تلك الليلة؟ في نصف ساعة؟ عندما أستعيد ما حصل، أكاد لا أصدق أني مررتُ بكل ذلك ما إن قررتُ أن أشارك في سهرة «اجتماعية». ما الذي أتى بي إلى هذه السهرة!! لكأنني نلتُ «عقابي» على خطوتي غير الاحترازية تلك. خطر لي ذلك أكثر من مرة، أثناء نقلك إلى منزلك، لكنني لن أطيل عليك بتفاصيل خاصة بي لا تهمك.

بين صحوك وفقدان وعيك في السيارة، كنتَ تهمس بجمل غير مفهومة. «وين بيتـَك؟»، سألتُك أكثر من مرة. جاءتني إجاباتك كلماتٍ غير مترابطة، إلى أن ذكرت محل السمانة أسفل بيتك. «حافظ راس بيروت عن الغيب»، قال سائقي، موضحًا أنه يعرف ناطور تلك البناية، وسيتحقق من كونك تسكن إحدى شققها.

حاولتُ تضميد جرحك السطحي بالشاش والسبيرتو اللذين أحضرناهما من صيدلية على طريقنا، صرختَ ما إن لمس المطهّر جرحك، فتوقفتُ عن تضميدك. ظللتَ تصحو وتنام، حتى ونحن نحملك إلى شقتك في بنايتك التي لا تحوي مصعدًا ولم يصحُ ناطورها على جلبة دخولنا. ذراعك اليمنى على كتف السائق واليسرى على كتفي. درجات مكسورة كادت توقعنا أكثر من مرة، تحت ثقل وزنك. عندما وصلنا إلى الطابق الذي ذكرتَ رقمه وأنت نصف واعٍ، وجدنا شقتين. كنا أمام احتمالين، أحدهما مصيب والآخر قد يتسبّب لنا بفضيحة. دسست يدي في جيب بنطالك وأخرجت المفتاح. شيء ما قال لي إن الشقة الغربيّة هي شقتك. فباب الشقة الشرقية كان يفصح عن اهتمام عائلي: دواسة نظيفة على الأرض و«God bless our sweet home» معلقة فوق الباب. أدرت المفتاح في قفل الباب، فانفتح مظهرًا شقتك الصغيرة»…

وصفت يمنى ما حدث لهيثم وهي جالسة في شقته، على كرسي المكتب، معطيةً ظهرها لستارة النافذة. أشارت له أكثر من مرة إلى أماكن في الشقة: «هنا كدتَ تقع وأنت مغمىً عليك. وهناك، عند باب الخزانة المفتوح، رميتُ حذاءك الذي ساعدتك في خلعه. وعلى طرف هذا السرير حيث تجلس الآن، وضعَك السائق. وأنت مستلقٍ هنا، سحبتُ الخليوي من جيبك واتصلت برقمي لأحصل على رقم هاتفك. أردتُ أن أطمئن عليك لاحقًا. في اليوم التالي، كنتُ أفكر بالاتصال بك، لكنك سبقتـَني برسالتك النصية».

هل قالت له كل هذا الكلام بهذه الطريقة؟ بالطبع لا. هو يميل إلى تنظيم أفكاره، إلى إعادة تركيب ذلك المشهد المفقود من ذاكرته، وحديثها، وكل ما حدث له. هو فقط ينظِّف فوضى رأسه بالاستعادة.

تحدَّثت يمنى كثيرًا في لقائهما الأول، واكتفى هو بالاستماع. اللقاء الأول الذي بدأ صامتًا في مقهى «ليناز» آخر شارع الحمرا، انتهى بكلام كثير في شقة هيثم. فبعد سلسلة من الرسائل النصّية التي تبادلاها، هو من كرسيه في الزاوية المعزولة في مكتبة يافث، وهي من مكان ما من شقتها الواسعة في منطقة السوديكو، اتفقا على اللقاء في «ليناز». سيطر الصمت على النصف الأول من اللقاء، فاكتفى الاثنان بارتشاف القهوة وتبادل الابتسامات والأسئلة ذات الإجابات الجاهزة. وعند اقتراب اللقاء الباهت من نهايته، سألها هيثم عمَّ حدث ليلة الجمعة. السؤال الأساسي، مدعاة اللقاء، جاء في النهاية. وقفَت يمنى تدخِّن سيجارة جولواز خارج باب المقهى، لكن هيثم لم يكن ليترك اللقاء عند هذا الحد. «بيتي قريب، منشرب فنجان قهوة تاني»، قال.

وهكذا كان.

مر يومان. صارا يلتقيان ليلاً. بعد قيلولة الساعتين المعتادة التي تلي عودته من الجامعة، ينتظرها عند باب بنايته بثيابه الرياضية، وتمرّ هي بسيارتها المرسيدس التي تقودها بنفسها، فيصعد ويتجهان إلى أحد المطاعم في الحمرا، أو الأشرفية، أو الجميزة.
في اليوم الثالث، اتصلت به وطلبت منه أن يرتدي بزّة رسمية، من دون أن تفصح عن سبب لطلبها هذا. امتثل وانتظرها كالعادة، أسفل البناية. مرت واصطحبته إلى وسط البلد، إلى أحد المطاعم الفاخرة التي لم يكن هيثم ليطأها أبدًا.

أخذ النادل يستعرض أمامهما مزايا لحم «الواغيو» نصف المطهوّ، أصله التاريخي، ما يفرّقه عن لحم البقر «العادي»، وكيفية انتاجه. أصغت يمنى باهتمام، فيما أحس هيثم أنه في حصة مدرسية، أو في دورة ترويجية لمجموعة من المجوهرات «السينييه». كل هذه المحاضرة عن لحم بقر؟ عندما ملَّ مداخلة النادل المخروقة باستفسارات يمنى، سحب علبة السجائر من أمامها، أخرج سيجارة وأشعلها.

فكّر أنه سيسعل عند مجّته الأولى. كان قد فعلها مرة أو مرتين، مراهقًا، ولم يعجبه طعم السيجارة آنذاك. الآن، يعرف أن الأمر يعتمد على نوعية السيجارة نفسها. هو الذي نجا في مراهقته من عادة التدخين، مع مَن مِن أصدقائه دخِّن في تلك المحاولات اليتيمة؟ عندما حاول أن يتذكّر، وجد ألا أصدقاء له ممن يدخن معهم سجائر في حمام المدرسة، أو يتبادل وإياهم صور نساء مقتطعة من المجلات.

سألته: «شو؟ واغيو؟» فأجابها: «متل ما بدّك. واغيو، واغيو».

سألها إن كان قد ردّد اسمًا ما وهو مخمور ليلة العراك، فأجابته بأنها روت ما تذكره من تفاصيل، مضيفةً أنه تكلَّم كثيرًا وهلوس ومن الاستحالة بمكان أن تتذكر كل ما قاله. أخبرته، بما يشبه حركة التعاضد بين ضائعين، أنها سكرت مرة واحدة ضمن شلّة أصدقاء، وألقت قصيدة أندلسية لـ«ابن زيدون». «أضحى التنائي، أتعرفها؟»، قالت، فأجاب بالنفي.

– مقطع من رواية «نابوليتانا» الصادرة عن «دار الآداب» و«محترف كيف تكتب رواية»، وتوقـَّع في معرض بيروت العربي الدولي للكتاب الأربعاء 15 كانون الأول بين الساعة الخامسة والثامنة مساءً



حضوركم يشرفني

Event on Facebook available on this link.