سيدُ الحرب المتجهمُ، الذي يغزوه الرصاصُ، يجعلني أفكرُ بعدد أسياد الحروب المتواجد عندنا؟ أفكر بذلك وأعرف جازمًا أنهم أكثر من أن أعدهم على أصابع يديَّ، وقدميَّ .

“خلص، قررت!”. سأكتب غدًا روايةً افتراضيةً تنقصها العاطفةُ عن المدينة الميتة.

سأهدم بيروت فيها. بيروت الغربية فقط. لا أعرف بيروت الشرقية كما أعرف الغربية. وأنا لن أكتب إلا عما أحفظه، ولا أهدم إلا الأمكنة التي تعرفها قدماي حقَّ المعرفةِ. أنا لا أنتقم مما أجهل. لا يعني المستقبل شيئًا لي في رحلة الانتقام الخاصة هذه. الماضي والحاضر، هما ما يهماني. الواحد منا ينتقم من اللا مكتمل والمكروه أو من الجميل جدًا والفتَّان. أما أنا فلا يهم، في هذه العجالة، ممَّ أو ممَّن أنتقم.

كورنيش المزرعة، المنارة، الحمراء، كليمنصو، الكولا، المتحف، رأس النبع، برج أبي حيدر، الطريق الجديدة، قصقص، بربور، البسطة، النويري، البطركية، تلة الخياط، مار الياس، صبرا، الملاَّ، الدوارات، التقاطعات، المصلبيات..
كل ما سبق سيصبح ركامًا .

وسط بيروت. لـِمَ يقصف، يُهدَم، ثم يُعادُ إعمارُه؟ ثم يقصف، يُهدَم، ويُعادُ إعمارُه؟ ثم يقصف، يُهدَم، ويُعاد إعمارُه؟ ما هذه الرتابة؟

يُهدَمُ ولمرة أخيرة فقط.

المدينةُ خرابةٌ الآن. يغلب عليها اللونان الأسودُ والرماديُّ، ولا بأس بالقليل من الأحمر، ما دام بعيدًا عن مُحيَّاي. فوق، طيور بمناقير معكوفة تحجب السماء السوداء. تكاد أسرابُها تحجب لمعات البرق حتى. تحت، جثثٌ فائضةٌ من الباطن، وقوارضُ تقتات على لحمها المُشرَّع. بعضُ أعضاء الأجساد ظاهرة والأخرى مطمورةٌ. بعضها مُتصلِّبٌ والآخر مرتخٍ. يختلف الأمر من جسد لآخر. أحمرُ الأجساد يلطِّخ لونَ الخراب الرمادي في بعض الحالات، فيظهر غريبًا قويًّا. وفي حالات أخرى، يأخذ الدم يمتزج مع الرماد والتراب والغبار حتى يصبح أسودًا بدوره.

هنا مدينةٌ مفتوحةٌ للتجريب. تُجرَّبُ الأسلحةُ هنا. تدفع الشركةُ العالميةُ قدرًا للمال يتفاوت بحسب المساحة التي تطلبها، وبحسب نوعية الأسلحة التي تريد تجربتها.

أسلحة من كل الأنواع. الخفيف، المتوسِّط والثَّـقيل.

أسلحة من كل مكان: الولايات المتحدة الأميركية، المملكة المتحدة، فرنسا، إيطاليا، الأراضي المُـقدَّسة. النيوعراق، الجمهوريات والإمارات والممالك والخلافات الدينية الناشئة حديثًا…

مرحبًا بالجميع. مدينتنا مدينتكم، وكرهنا هو كرهكم.

موجز الأخبار المَحَـلِّيَّة؟ لا شيء جديداً. منذُ زمن بعيد لم يتغير شيءٌ يُذكَر، والنشراتُ تشكو من التكرار الرتيب:

حزبا الكتائب والقوات اللبنانية يعلنان استمرار عملياتهما المقاوِمة ضدَّ إسرائيل. الحزبُ القوميُّ السوريُّ الإجتماعيُّ يدعو لاحترام نهائية لبنان الكيان ويطالب بفتح ملفِّ اغتيال بشير جميل من جديد لإحالته على محكمة دولية. تيارُ المستقبل يطالب بالتحقيق في السياسات الاقتصادية منذ عام 1991 حتى عام 2005 ويطالب بالرأفة بقاتل رفيق الحريري. الحزبُ الشيوعيُّ اللبنانيُّ ينتقد في بيان للمكتب السياسيِّ من يهاجمون الهُويةَ اللبنانيةَ ويدعو لحماية السفارة الأمريكية من المندسين اللذين لا ينفكون يحاولون اقتحام السفارة، ويطالب باعتماد اللغة النيوفينيقية لغةً رسميةً أولى في البلاد. حزبُ الله يدعو لاحترام علاقات لبنان مع الدول الغربية الصديقة ويطالب بتنفيذ قرارات مجلس الأمن الأخيرة المتعلِّقة بسيادة لبنان. حركة أمل تشكل لجنات من المحامين المتحزِّبين لديها في سياق الدعاوى التي تقوم بها لملاحقة الفاسدين في الإدارات الرسمية. بقايا اليسار المنفلت من الحزب الشيوعيِّ يطالب بمعاقبة كل من تموَّل خفيةً من قبل تيار المستقبل. الحزبُ التقدميُّ الاشتراكيُّ يهاجم عائلة جنبلاط الإقطاعية، من مقره في بعلبك…

لذا، لا داعي لنشرات الأخبار. تُلغى بقرار رئاسيٍّ يصدِّق عليه مجلسُ الوزراء مجتمعًا. أصلاً مجلسُ الوزراء لم يعد موجودًا وكل الحركات والتيارات والأحزاب المذكورة سابقًا ممنوعةٌ من ممارسة نشاطاتها في المدينة الرمادية الوليدة.

هذا بلدٌ يحتاج رأسًا واحدةً. وهكذا ستكون روايتي، برأس واحدة.

عبارات الممالأة الحبية ممنوعة من التداول هنا. للتأكد قبل استخدام أيِّ عبارة، الرجاء النظر في الدليل الأصفر المتوافر بكثرة على الرفوف الزجاجية بجانبك. العقوبة تتناقص كلما ثبت أكثر مدلول العبارة السياسي، الطوائفي، المناطقي، العشائري أو العائلي.

هنا، لا مكان للحب المناسباتي. إلعبوا بعيدًا. هنا، مطرح للتنفيس عن مكنونات القلب والعقل. للمشي، الرجاء سلوك الممرات الزجاجية المارة في أرض الجثث. تستطيعون رؤية التجارب. تستطيعون أن تُحدِّقوا بالجثث، جديدها وقديمها، ولن يَراكُم أحدٌ من هناك. أنتم فقط ترونهم.

أمامك على اليمين زرreplay، وبقربه الترجمة العربية: “كي لا تنسوا أن تكرهوا”. اكبس عليه عزيزي المتنزِّه واستحضر الخناقة، المعركة، المجزرة، أو الحرب التي دارت ذات يوم في المكان الذي تطل عليه الآن في الخارج. اكبس عليه لتنهض الجثث الإلكترونية الخضراء في الخارج وتُعيد تمثيلَ الحدث المطلوب لدقيقة واحدة. الرجاء الضغط مرةً أخرى على الزر ذاته إن أردْتُم إطالة مدة الحدث العنفيِّ الأخضر.

ثمَّ ينطلق صوتٌ من أحد المُكَبِّرات المثبَّتةِ بتكرارٍ محسوبٍ بعد كلِّ مئتي متر:

“أهلاً بكم. أنتم في بيروت. الإثارة. المتعة. التشويق.”

وتتكرر الجملةُ من جديد بفارق خمس ثوانٍ عن سابقتها وبالصوت نفسه.

“أهلاً بكم. أنتم في بيروت: الإثارة، المتعة، التشويق. (..) أهلاً بكم. أنتم في بيروت: الإثارة، المتعة، التشويق. (..) أهلاً بكم. أنتم في بيروت: الإثارة، المتعة، التشويق. (..) أهلاً بكم. أنتم في بيروت: الإثارة، المتعة، التشويق. (..) أهلاً بكم. أنتم في بيروت: الإثارة، المتعة، التشويق. (..) أهلاً بكم. أنتم في بيروت: الإثارة، المتعة، التشويق. (..) أهلاً بكم. أنتم في بيروت: الإثارة، المتعة، التشويق. (..) أهلاً بكم. أنتم في بيروت: الإثارة، المتعة، التشويق. (..) أهلاً بكم. أنتم في بيروت: الإثارة، المتعة، التشويق. (..)”

عندها، أتمشَّى أنا وديالا في الممرات الزجاجية. نهرب من عبارات المُكَبِّرات المُعادة فنحشو آذاننا برقائق إلكترونية تزودنا بعبارات مُمَوْسقة من “الليل والعين” بتدرجات عدة يغنيها مغني مستشرق ذو لهجة لبنانية ركيكة، لزوم اللعب على أوتار أحاسيسنا. نتفرَّج على كلِّ ذلك، ونسمع كلَّ ذلك، ونحن نأكل الفول بالكمون أو كوزيْن من الذرة المسلوقة. ونرى أخيرًا لافتاتٍ معلقةً أعلى الممرات الزجاجية تُعلن: “الرجاء عدم اصطحاب مُثَـقَّفي المدينة البائدة، حاملي داء النوستالجيا القاتل”.

يا ليل.. يا عين.. يا ليلللي. يا ليل. يا ليلي يا عيني..

يندفع جسدٌ حيٌّ باتجاه الزجاج من الخارج ويأخذ يدق عليه، فلا نسمع شيئًا ونتابع سيرَنا. ويبقى هو في الخارج، تجحظ عيناه للحظة، تمسح يداه زجاجَ الممر وهو يتهاوى، ثم تبخُّ الطوافة فوقه الكلس الأبيض لتبعد جحافل القوارض عما بقي منه.

ثم تخفت الصورة.

تـ.. خـ .. فـ.. ت.

* إستعادة من “ما رواه النوم”، الصادر عام 2008 الذي يشبه 2009 الذي يشبه 2010 الذي ربما سيشبه 2011.