فبراير 2011


هنا، بين عائلاتنا، عادةً ما يرتَّب اجتماع عند موت شخص: في أي قبر يدفن؟ في قبر زوجته، أم قرب عظام إخوته في قبر العائلة؟ في هذه المقبرة أم تلك؟ حجم القبر؟ ممّ هو مصنوع؟ رخام أم بلاط عادي؟ نوع الخط المكتوب فوق القبر؟ نسيّج القبر بحدائد أم نتركه كما هو؟ نجعله أعلى قليلاً من المعتاد أم نبقيه على نمطه الكلاسيكي؟

هذه قرارات مصيرية تحدد وجهة الزيارات والأدعية والصلوات الآتية. الكل متأكد عند كل عيد من قبر فقيده. يأتون له بالآس، والورود والزنبق الأبيض، وفوق القبر يجلسون. بعضهم يقرأ في كتاب مقدّس والآخر ينتحب.

تماماً كما في بداية فيلم “العائد” الاسباني للمخرج الإسباني “بيدرو ألمودفار”. في المشهد الابتدائي المَلـَك: الفتيات كلهنَّ صبيحة نهار ينظفْنَ القبور. ثلاثة منهنَّ منهمكات في تنظيف قبر واحد، وأمامهنَّ كل أدوات وسوائل التنظيف اللازمة، لكن الأم الميتة ستعود لابنتَيْها في الفيلم. موتها كان خدعة.

ماذا لو كان الأمر برمته خطأ؟ ماذا لو أراد هؤلاء الموتى أن يبتعدوا فقط عنا، ونحن لا نفتأ نتقرب منهم، من صورهم ومن قبورهم؟

***

“توقف! أنتَ على وشك الدخول إلى امبراطورية الموت!”. تفاجئنا اللوحة الجدارية المعلَّقة فوق الباب المفتوح في السرداب. مضينا نمشي في دهاليز لولبية وأنفاق تحت الأرض منذ ربع ساعة. حذَّرتنا الورقة المعلقة في مدخل “كاتاكومب دي باريس” أن الزيارة غير مناسبة للأطفال وذوي القلوب الحساسة، لكننا حتى الآن لم نجد إلا بعض الجداريات التي تشرح نوع الحجر المستخدم في جدران المتاهة، أو الأبيات الشعرية التي تدور في فلك الموت.
خمسة عشرة دقيقة قبل أن نصل إلى هذا الباب المؤطر بتلك الرسالة التحذيرية.

“امبراطورية الموت”؟ ماذا يعني هذا تحديداً؟
ندخل. الصورة ما عادت أمامنا في الكتيِّب. خرجت لتتجسد وتصبح ملموسة. نحن صرنا في رواق يمتد طويلاً طويلاً والجداران اللذان نحاذر أن نلمساهما مكونان من عظام الأطراف والجماجم! هذه عظام حقيقية وضعت فوق بعضها. جزء منها يعلوه اللون الأخضر فيما اسودّت عظام أخرى وقبع بعضها الآخر من دون خدش. هنا، الجمامجم تفصل بين عظام الأطراف المرميّة فوقها أو تحتها. الجمامجم موضوعة لتشكل خطوطاً، صلباناً أو حتى قلوباً! تسري القشعريرة في الجسد ما إن نرى القلب المرسوم بالجمامجم.

نتخيّل من كان هنا يضع العظام فوق بعضها: يجزع بدايةً، ثم يعتاد العظام حد طلبه كوب شاي! يبتعد إلى الخلف بكوب الشاي الذي يحمله لينظر، ويصدر الأوامر إلى من يجمّع العظام بعضها فوق بعض. يقول له وهو يرشف من شايه الأسود: “لا. لا. قرّب تلك الجمجمة إلى اليسار. إرفع الجمجمة التالية أكثر. ضع جمجمة أخرى هنا. القلب لا يبدو واضحاً. الصليب بحاجة لجمجمة أخرى حتي يظهر أكثر. خط الجمامجم الأفقي هنا منحنٍ أكثر من اللزوم. إرفع الجمجمة قليلاً. ضع تحتها كومة من عظام الأطراف!”

هل حصل ذلك فعلاً؟ لا نعرف. هذا فقط ناتج هوس تخيلي مخيف.

في البدء، كان المشهد غريباً لكن مرحاً. ثم ومع استمرار جدران العظام يمينا و يساراً، يبدأ الشعور بالجو الضاغط رغم البرودة النسبية. لا ينقصنا إلا قطرات من الماء الرطب تسقط من سقف السرداب لتعيد سريان القشعريرة في الأجساد. الخُطى -لا إرادياً- تسرع لتنتهي من كل هذا.

الجو صامت. السياح عادة ما يكونوا صاخبين، فوضويين، يتكلمون كثيراً. لكنهم هنا محكومين برهبة المكان. الكل إمّا يتوقف لدقيقة، ويصور أو يمضي مسرعاً حتى من دون أن يلتقط صورة. يسرع، وينسى ما دفعه من تعرفة لدخول هذا المكان وما يحتِّمه عليه ذلك منطقياً من الاستفاد حد الوقت الأقصى للزيارة.

بعد هنيهة من المرور بين أكوام العظام، يمضي الفرد مسرعاً وهو يريد أن يعود إلى سطح الأرض لتنشق بعض الهواء. يمضي مبتعداً عن جدران العظام ويصعد درجاً لولبياً آخر حتى يصل لاهثاً ويقف في الخارج فوق سطح الأرض، تحت مطر سماء باريس الخفيف. يدخل صيدلية قريبة ليشتري سائلاً معقماً، يغسل به يديه من كل آثار الموت القابعة تحت، وإن لم يلمسها!

***

في نهاية رواية كل الأسماء للكاتب البرتغالي “خوسيه ساراماغو”، راعي غنم، يبدل أسماء الموتى المنتحرين على الأكفان قبل دفنهم. هكذا يضيع جسد المنتحر في قبر آخر. يأتي الأفراد ويقرأون في الكتاب المقدس فوق قبر يظنون أن فقيدهم المنتحر دفن فيه. عندما يعرف “دون خوسيه” (الشخصية الأساسية في الرواية) بذلك، يستشيط غضباً من الراعي. هو الذي يسعى طول حياته لأرشفة المعلومات المتعلقة بالموتى والأحياء، يصرخ في الراعي. يسأله كيف يسلب من هؤلاء الناس من هم ملكه؟. يجيبه الراعي ما مفاده: هؤلاء منتحرون. انتحروا لأنهم أرادوا الفرار من هؤلاء الناس تحديداً. هذا القسم أمامك، قسم منبوذ من المقبرة. قلة من الناس تزور قسم المنتحرين هذا، حتى أنّ إدارة المقبرة لا ترضى أن تدفن المنتحرين قرب الموتى الآخرين. يقومون بتصنيفهم وهم موتى. يعاملونهم كموتى ناقصين. قد يكون ما يشبه هذا التصنيف وهم أحياء هو دفعهم للانتحار. ربما. لكنّ الأكيد أنهم هربوا من هذا الصخب المحيط. ولذلك، أساعدهم فأبدل أسماءهم. يحق لهم ببعض السكينة. يحق لهم أن يهربوا من الناس الذين عرفوهم وودوا أن يهربوا منهم. هنا يمسي كل منهم أشلاءً في قبر تحت أقدام زائر أتى ليراه وهو يظن أنه يعرفه. أنا أصنع شيئاً أشبه بالمواعيد العمياء بين ميت وزائر. وحده الميت يعرف أنه لا يعرف الزائر، فيما الزائر لا يعلم مطلقاً أنه يقف أمام القبر الخاطئ. لكن هل يعرف الميت تلك الحقيقة فعلاً وهو ميت؟

يصمت “دون خوسيه”، ولما يبتعد الراعي، ينام بين القبور، ويبدل بعض الأسماء بدوره قبل أن يعود إلى بيته حيث يدور مشهد الرواية الأخير.

***

هذا في الكتاب، أما هنا، في باطن الأرض، تربض كمية مهولة من العظام العائدة لستة ملايين باريسي، تكوِّن جدراناً لسراديب مشرعة أمام الناس.

من هم هؤلاء الملايين الذين صاروا عظاماً مشرّعة بلا أسماء تحت باريس، يتفرج عليها السواح، ويلتقطون لها الصور؟ كيف أمسى هؤلاء عظاماً بلا أسماء، من دون أن يطلبوا هم ذلك؟

تصعب الإجابة على أسئلة كهذه. تضحي فقط استنكارات فات أوانها.

+++

استعادة لمقالة قديمة نشرت في جريدة السفير.



Advertisements

يا رجل، كم أشتاق “للفلوكة”! تعرف “الفلوكة” طبعاً! لا؟ هذا القارب الصغير الذي تجد عدداً هائلاً منه راسياً في ميناء طرابلس. أبي يملك واحداً. يؤجِّره للسياح وللزائرين. هناك، على الجهة المقابلة للميناء، تجد هذا المحل الذي يبيع “السمكة الحرّة”. أقسم أنها أطيب “سمكة حرّة” تذوقتُها في حياتي. السر في التوابل، أظنّ. من الميناء، كنا نأخذ “الفلوكة” أنا والشباب حتى جزيرة الأرانب. صدقني إن قلتُ لك أنّ الماء هناك غير الماء. سآخذك غداً إلى بحيرة قريبة من هنا. لكن لا تخدع بمائها حتى لو كانت فرنسية. كنا نستلقي على طحالب صخر تلك البقعة الطافية المسماة جزيرة، ونأكل السندويشات. ننتهي من الغداء ثم نغطس ونلهو كأطفال.

أتذكر الآن وتبدو صور المشاهد بعيدة. مضى عامان على وصولي إلى هذه المدينة الفرنسية الصغيرة. عامان! هل تصدق؟ أنا نفسي لا أصدق. كأنها البارحة! إسمع. كيف وجدتَ البيتزا؟ هل أحضر لك بعض الزيت الحار لترميَه على سطحها؟ ثق بي. يترك مذاقاً طيباً. رش رش يا رجل. أكثرتُ لك الجبنة. صاحب المحل بخيل، لكني أزيد الجبنة من عندي. كُلْ. كُلْ.

في لبنان لم أكن أخرج كثيراً من منطقة الميناء. “بيروت” حتى بالكاد وطأتُها. أعرف فقط “الكولا”. يملك هناك قريب بعيد لي محطة للبنزين، وأعرف أيضاً “برج حمود”. فيها خَلقٌ كثيرون. على الأقل كانت الحال كذلك في زيارتي الأخيرة لتلك المنطقة. لساني لا ينسى مذاق سندويشاتهم الطيبة. ياه على السندويشات يا رجل. خرجْتُ من “طرابلس” إلى هنا وأنا ابن سبعة عشرة عاماً. ولدٌ لا يعرف “بيروت” يجد نفسه فجأةً في “فرنسا”. سامح الله أمي. لم تعلمني أن ألفّ سندويشة. لمدة أسبوعين أولين بقيتُهما هنا، ظللتُ آكل سندويش جبنة من تلك المطبوخة المعلبّة. أسبوعان! هل تصدق ذلك؟ كنتُ لمّا أتصل بهم، يسألونني عأحوالي، فأقول تمام. تسألني أمي ماذا آكل، فأروح أسرد لها أسماء طبخات فرنسية قرأتُها على لوائح الطعام المنصوبة خارج المطاعم، وأنا لم أذق إلا الجبنة. كنتُ أقتصد في المال لأنه كاد ينفذ. غلاء رهيب هنا يا رجل.

قلتُ حينها إنني أريد أن “أفلفل” رزّاً. وقفتُ خلف رفيق سكني المغربي، أحاول تعلم طريقة صنع الأرزّ. الملعون لم يرد أن يعلمني. أكثر من الخطوات. يروح ويجيء ويضع إصبعه في الوعاء لتحسس الأرز ثم يضيف الماء. فعلتُ عندها مثله، ولن تصدق كيف انتهى معي الأرز في النهاية: أرزّاً بماء! صرتُ أصفي منه الماء وأحاول تجفيفه لآكله!

في أيامي الأولى، كدتُ أصدق الأفلام العربية تلك التي تروي قصص شباب يضيعون في بلاد الغربة قبل أن أجدَ هذا العمل.

لكنّ كل ذلك بات من الماضي. اليوم، صرت أشهر طباخ بين رفاقي. يقصدونني لتذوق الأطباق اللبنانية، وإن كنتُ ما زلتُ غير راض على تتبيلة “السمكة حرّة” التي تخرج من بين يدي.

اليوم، أحمد الله على عملي في محل البيتزا هذا. صحيح أن صاحبه بخيل في الطعام لكنه طيب جداً معي. يقول إنني أذكّره بابنه الذي هاجر من فرنسا مع صاحبته. طلب مني حتّى أن أدير المحل لوقت كامل لأنه يريد أن يفتح فرعاً آخر في منطقة قريبة من هنا. رفضتُ رغم تأجيل دراستي هذا العام. إفهمني. لا أستطيع أن أدرس الطب وأشتغل. هناك مواد شبيهة بمواد التاريخ والجغرافية في منهاج الطب. كمية حفظ مهولة. سقطتُ في مادتين. لا أود أن أسقط عاماً آخر. سأعلـّق دراستي لسنة. سأكون بعدها مستعداً أن أكمل دراستي بخطى واثقة. بعد العام، سأكون قد جمعتُ مبلغاً محترماً من المال، وأستطيع عندها أن أنقص من ساعات عملي لصالح دراستي. لا أريد أن أتورّط كثيراً في هذا العمل. أحتاج شهادة لا مطعم بيتزا.

ياه يا رجل! لو أنني فقط أملك “فلوكة” كبيرة قوية، تقطع المتوسط! لو ملكتُها لكنتُ أبحرتُ فيها عائداً إلى “الميناء”. سأقضي هناك مدة قصيرة فقط، وأعود إلى هنا، فأنا ـ لسبب ما ـ لا أحب ذلك المكان إلا و… أنا خارجه!

ماذا؟ أنهيتَ صحنك؟ تريد حلوى بالشوكولاتة؟