أصعد الدرج الكهربائي في إحدى محطات قطارات لندن. أرى الوحوش الكبيرة في أجسادها الصغيرة.، فأهرب محدقاً في الدرجات الحديدية حتى أكاد أقع عند الدرجة الأخيرة. ترمقني الوحوش. نظراتها تقول الكثير الذي أعرفها، وتحديقها الدائم فيّ يؤكد شكوكي، لكني لا أهتم.

أرفع ما وقع من حقيبتي الرياضية، وأسوّي ربطة الوشاح الصوفي فوق الكنزة السوداء. أتذكر كم أحب هذا الوشاح، بل كم أحب كل الأوشحة الصوفية، خاصةً المخطط منها. لدي شيء ما تجاه الخطوط. في مرة، فتحْتُ خزانتي ففوجئتُ بكمّ الكنزات المخططة التي أمتلكها. خزانتي زنزانة مساجين. ضحكتُ، وقلتُ أنني فعلاً في زنزانة.

هنا، في غرفة صغيرة ملحقة بالثلاثين متر مربّع التي أسكن فيها، أعلّق حبلاً لنشر صوري المبتلّة التي أظهّرها بنفسي. جاهدتُ لأقنع صاحب المنزل بتأجيرها لي مع الاستديو حتى قبل.  عندما أفشل في تظهير إحدى الصور أو أكون ارتكبتُ خطأ عند التصوير، أجدني أمام نتائج خرافية لم أتوقعها، وأتلذذ بناتج عدساتي.

توقفتُ عن مشاهدة الأخبار منذ شهرين أو أكثر بقليل، ثم تخليت بعدها عن التلفاز. أعطيته لأصدقاء، ووضعت إناء زرع مكانه. كنت قد تحمسْتُ قليلاً خلال الثورة الماضية، ثم عدت إلى عزلتي مواصلاً الاستمناء، وبوتيرة أسرع.

في عزلتي، أنتقي أمكنة قليلة لأقضي نهاراتي فيها: عملي، سيارتي القاطعة لأمكنة جديدة، الاستديو المُستأجر، غرفة صوري، مقاهٍ معدودة اعتدتُها، وأمكنة جديدة يمكنني أن أجد فيها تفاصيل تستحق الانتباه.

البارحة، لمحْتُ تلك الفتاة في مقهاي المعتاد. كنتُ قد خرجْتُ مبكراً كعادتي لأشرب قهوة الصباح وأتابع قراءة كتاب كافكا الذي بدأْتُه الليلة الماضية.

فكرت وأنا أحدق فيها: هل أجرّها إلى عالمي فأؤذيها قليلاً؟ الأشياء المشتركة إيذاء متبادل للطرفين. هل أريد فعل ذلك فعلاً؟

غداً، أعاود رؤيتها، وربما بعد غد أيضاً. وفي اليوم الرابع سأقترب منها وأفتتح معها حديثاً غير ذي أهمية كعادة كل الأحاديث الأولى. سأسألها ما تقرأ، فتجيبني. ستعلمني (على الأغلب) بقراءتها لكتاب سخيف، فتخسر سؤالاً أوَّل معي، وتبقى رغم ذلك تملك فرصةً أخرى لتقتحم عالمي الأسود.

سنستمر في الحديث، وقد نفلح فنتحدث دائماً، أو نكتفي بعدها بإيماءات لرؤوس والابتسامات المحسوبة لأنَّ كلَيْـنا منا قد فهم أننا لسنا مناسبين لنؤذيَ بعضنا أكثر.

بعد الفشل العاطفي، قليلٌ من النبيذ جيد. سأدخل محل الكحول. أصوّر قناني النبيذ المصطفة فوق بعضها، ثم أنتقي واحدة، وأعود بها لغرفتي. سأشربها وحيداً حتى أثمل، ويغلبني النعاس، فأنام بملابسي مسنداً ظهري للسرير، ومبقياً صور الشارع أمامي على الأرضية الخشبية.

سأحلم بمحاولة انتحار أخرى لن أنفّذها، وأواصل إعتقادي أني ممن يتكلّم عن ميوله الانتحارية، ويكتفي بالقول بلا فعل. سأواصل نقدي الذاتي (يدعونه “الهانج أوفر”)، وأقنع نفسي لحظياً بأن لولا كآبتي لما تعرفْتُ على كل تلك الكتب، ولا تلك اللوحات، ولا تلك الافلام، ولا هذه الموسيقى التي أسمعها آتية من بعيد. سأكون أكيداً في تلك اللحظة أن كآبتي صنعتْني، وصنعَتْ عالمي المعزول الصغير، الذي أحبه وأكرهه بحسب مزاج اللحظة. سأقول إن عالمي هو أنا، فأدع نفسي فيه، أبنيه، أجملّه، وأهشّمه كما أرغب، على الأقل حتى الفتاة التالية.

Advertisements