أكتوبر 2011


هناك شيء في الضحية الخالِصة يجعلك تستقبل الحدث بارتباك، وتصير معه غير قادر على تحمل تبريرات غير إنسانية.

إذ لا يمكن لوم الضحية عن تعريفها اللاحق لاضطهاد عقود، والذي قد يقوم على أساس عرقي أو ديني. هذا رد الفعل. التركيز على التعريف اللاحق بوصفه الأساس في الحدث الحالي أو المنطلق هو بالضبط التبرير الذي يقوم به القاتل. ربما يجدر بأسئلة غير القاصدين (غير القاصدين فقط، لا أولئك المنظرين الذي يعرفون تماماً ما ينظّرون له) أن تتجه في هذا الاتجاه: من حوّل الضحية إلى ضحية أصلاً؟ من اضهدها؟ من عزلها؟ من منع انصهارها في المحيط؟ من دفعها إلى التقوقع؟ من ف تعامل معها بوصفها أقل أو بوصف حاملة أفكارها خاطئة؟ من دفعها إلى هذا التعريف أصلاً؟ (أنا ضحية مسيحيةمثلاً؟)

يكمن الفعل الأساسي لا رد الفعلفي كيفية تحول الضحية إلى ضحية أصلاً. فمن جعل الضحية ضحية هو المسؤول الأساسي عن هذا التعريف. أما لوم الضحية فهو شبيه بالتعامل مع أي حراك قائم حالياً في أي بلد عربي بوصفه نداً لنظام حَكَم منذ أربعين سنة، والتعامل مع الاثنين كطرفين حاكمين يقترفان الاصلاح والديموقراطية كما تكميم الأفواه . والمضحك أن هذه المقاربة هنا تصدّر على أنها موضوعية“. إنه الحياد والتوازن منقلباً إلى موقف لا أخلاقي ولا إنساني، مدفوعاً ببؤس التبرير لآراء سياسية لدواعي قومية أو وطنية أو عروبية او انتهازية حالية أو سابقة. وهو حياد غريب يسبق تحول الضحية الحالية (التي يتواصَل قتلها يوميًا) طرفاً في اللعبة الساسية يمكن مساءلته عندها (بعد توقف القتل).

وهناك شيء آخر في الضحية الخالصة، يجعلك غير قادر على ممارسة تهكم صرتَ تعهده أسلوباً لك. إذ أن المسالة تصير فجأة أخلاقية في الدرجة الأولى، ومعها يقارب أي أسلوب تهكمي اللا أخلاق.

عندما تدهَس الضحية الخالصة تحت المدرعات، لا تدهس جسدياً. هذه فقط صورة مباشرة جداً، انعكاس لحظي لتراكم. كليشيه صوَري لدهس اجتماعي وسياسي استمر لعقود. هذا الدهس الملتقط في الفيديوهات، يقابله استخدامٌ اعلامي وسياسي يشارف دهس المدهوس، كالإعلان أن بقاء القاتل في بلدان أخرى يوفر الحماية المفترضة لضحية مماثلة في تلك البلدان. إن هذا الإعلان تحديداًيجب عكسه ليكون: “أنا، القاتل، إن سقطت، أسقطتُ الضحية معي. أنا، القاتل، أحتمي بالضحية”. إنه حبل ملفوف نحو عنق، يسهل استخدامه ما إن تبدأ سلسلة الانتحارات.

والمسألة لا تختصر فقط في الفعل السياسي. نحن إزاء تفكير اجتماعي وديني مشوه أنتج نفسه تحت سلطة القاتل. تفكير كان يعرف عن نفسه كضحية للقاتل في سني حكمه. ومع هذا التفكير، تصبح المرأة غير المحجّبة مسيحية بالضرورة، ويصير العلماني غربياً بالضرورة، والبهائي ماسونياً بالضرورة، والمعادي للوطنية الاعلانية الرخيصة صهيونياً بالضرورة، والمناقش في ترجمة الأدب العبري مطبّعاً بالضرورة، والمحارج في كيفية وتوقيت الصراع مع اسرائيل ليبرالياً بالضرورة، إلخ إلخ إلخ. وهكذا تخرج ضحية مضهدة من زمن سابق (ضحية لم تعد خالصة) لتضطهد ضحية أخرى في الزمن الحالي (ضحية ما زالت خالِصةراميةً الجميع في حلقة عنف مفرغة تتحول فيها الضحية الأولى من ضحية سابقة إلى جلاد حالي

رغم كل هذا الوضوح، تبدو الأحداث أحياناً رمادية. نحن إزاء سرعة في الأداء مفاجِئة. لعل جزءاً من هذه المفاجأة يُردّ إلى بطء أحداث سنين عجاف سابقة صارت هي في لا وعينا الإيقاع المفترض لما يجب أن تكون عليه الأحداث.

فقط لو تنتهي الأشياء بسيطةً وواسعة كما في بعض الأفلام:فجر يبزغ، أو غروب يملأ الشاشة، فيما الشخصية تمشي وسط جلبة الشارع وتتوغل في العمق تاركةً المشاهدين وراءها، فتحيد عن الضجة المستمرة حولها، وتخلق براحاً في البعيد مع نزول التيترات.

فقط لو تنتهي الأمور كذلك.

Advertisements

كان السائق صامتاً. التاكسي الأبيض – الذي أصرّ علي أصدقائي أن لا أركب غيره- شق جسر العباسية المزدحم. حولنا على جانبي الجسر إعلانات ضخمة منصوبة، كثيرها يتحدث عن بكرة وعن الثورة، قليلها يذكر “الآن” أو “البارحة”، لكن الروح الايجابية التي قبضت على الإعلانات في كل مكان لم تصل إلى وجه السائق الذي لم يكن يتفوه بأي كلمة، مفضلاً أن يركّز في قيادته من الكوربة إلى وسط البلد. إنه حتى لم يستخدم الزمور مرة واحدة.
عندما سألت السائق ما هذه، مشيراً إلى بناء ضخم أسفل الجسر، أجاب باقتضاب: كاتدرائية العباسية اكبر كنيسة للمسيحيين في مصر”، وواصل صمته وتابعت أغنية الراديو مقاطعها: “يا حبايب مصر، حبايبنا”.
لا أعرف لم َعددت يومها صمته عزوفاً عن الخوض في مواضيع مرتبطة بالكاثدرائية.

***

قال إيهاب القبطي في بيت عيصم أنه يعرف العمر الإفتراضي للأشياء. إذا نظر إلى خشب، عرف متى يتسوس وإذا رأى كرسي، حسب أي عام تصدأ قوائمه الحديدية. إيهاب يحدّ موهبته بالأشياء ولا يتعداها إلى تقدير عمر الأشخاص، ويستعمل كافة أساليب الإقناع وهو يتحدث عن اضطهاد الأقباط، منهمكاً في الوقت نفسه بتركيب يد الباب الخشبية ببطء متناه. إيهاب واظب على حضور اعتصامات ماسبيرو. كان ذلك في ديسمبر 2010. أظنه كان البارحة هناك أيضاً.

***

دعني أقول لكَ شيئاً. أو لعلي لا يجب أن أقول، لكني سأجازف. أعرف أن في أوقات الحزن العميق، يبدو أي كلام بذيئاً، وتنظيرياً يأتي من علو. لكني أخاف عليك من أن تعتاد حزنك حتى لا يعود حزناً تماماً مثلي. ترداد الأشياء يوصل إلى الحياد. إلى الملل. إلى اللا شعور. وأنا فعلاً خبرت كل ذلك. خبرته كله لا لأني جبار، ولا لأني ألاحق الأشياء، ولا لأني حظيت بحرب بعكسك. لا. خبرته كله لأني ولدت بالصدفة في خرم. حقل اختبار. خرم في حروبه وفي سلامه المفترَض. لعل كل المسألة تتلخص بأننا ولدنا في خروم؟ خروم صغيرة تحوي كل هذه الأشياء الموتّرة؟ كم مرة سمعت أن هذه المنطقة على كف عفريت؟ أو أن هذه المنطقة غير مستقرة؟ أو أننا نواجه مرحلة خطيرة؟ كم مرة قيل لك أن مصير العالم يتوقف على مصير الشرق الأوسط؟

***

في فيلم هليوبوليس المصري، شخص مسيحي صامت معظم الوقت. إذا تكلّم تكلم ببطء، أو تلعثم أو بصوت منخفض. الرجل الذي يدور طيلة الفيلم في المنطقة مع كلبه، لا يحتمل سوط فلاش الكاميرا على وجهه، ولا يستطيع الابتسام، ولا التواصل مع فتاة من ملّته. إنه حتى لا يستطيع أن يحظى بفيزا لمغادرة البلد نهائياً، ينهض صباحاً فلا يستطيع أن يلبس مشايته من المحاولة الأولى.. إنه، باختصار، محبَط.

***

دعنا لا ندخل في المثاليات. نحن نعرف أن الجهل منتشر. وأن من لا يشبه العامّة سيضطهد. من لا يشبه العامة في أي شيء، دينه أو رأيه تفكيره أو حتى نظرته المختلفة إلى الأساسيات. نحن كنا واثقين أن لا شيء يتم بكبسة زر، ولا زلنا نقول ذلك. هذا طبيعي. أن لا تتم الاشياء وكأنها مسيّرة، هذا طبيعي. هذا الصعب هو صكّ البراءة. كنا حتى ربما ننتظر أن يقتَل كثيرون. لكن لماذا تفاجأت أنت؟ لماذا نتفاجأ كل مرة؟ هل هو الدم يصفعني كل مرة ويرميني في حالة الذهول كما البدايات؟ هل هو الرأس المهشّم حيث أنت يعيدك إلى قصة صديق كان سيموت محاصراً بالبلطجية؟
دعني أقول لك شيئاً ولا تزعل. خوفي صغير هنا. أصغر مما قد تكترث له بكثير. وأنا بدأت أخسر تلك القشعريرة التي تسري في ساعدي كلما رأيت الدم الذي أتجنبه بالصدفة على المواقع أو على قناة تلفزيونية عابرة. أنا في خرمي هنا، بات يتلخّص خوفي بأن أفتح الجريدة غداً وأرى بعض الكتَبة ينظّرون لنظام استبدادي آخر. سيستخدمون حزنك العام العميق جداً (لأنك تعرّفه كحزن شخصي جداً)، كممسحة قيء. تماماً كما واظبوا على استخدام فلسطين منذ ولدنا على هذه الأرض. كل هذا العنف الذي استدرجَك إلى حزنك العميق سيصبح مبرراً لإراقة دماء آخرين. هؤلاء ماذا نجب أن يفعَل بهم؟ هل يجب أن يمنَع عنهم الحزن الشخصي؟ هؤلاء؟ كيف تصفهم من دون أن تتحول سوقياً؟ وما هي السوقية أمام الدم؟ هل رأيت الإصلاحات على ظهر الرجل الثمانيني؟ إصلات سياسية مئة في المئة. لعلهم كان يحاولون معالجته من تقوس ظهره؟ لعلهم كانوا يركزون على تقويم فقرة بعينها من سلسلة فقرات ظهره؟

***

في الطائرة الخارجة من القاهرة يتواصل الصوت الأنثوي المسجّل: “لفتح الحزام، إرفع المشبك إلى أعلى”. صوت يعيد إلى ذهنك صوت زوزو نبيل في بدايات ونهايات حلقات ألف وليلة التي انتهى عمرها الافتراضي منذ زمن بعيد.
هل مكتوب علينا أن تعمِّر ممسحة القيء إلى أبد الآبدين؟
وما العمر الافتراضي للمسيحيين في مصر؟
ما العمر الافتراضي لربيع العرب، أو سمِّه ما تشاء؟
بكلمات أخرى، كيف لا نخسر القشعريرة؟