هناك شيء في الضحية الخالِصة يجعلك تستقبل الحدث بارتباك، وتصير معه غير قادر على تحمل تبريرات غير إنسانية.

إذ لا يمكن لوم الضحية عن تعريفها اللاحق لاضطهاد عقود، والذي قد يقوم على أساس عرقي أو ديني. هذا رد الفعل. التركيز على التعريف اللاحق بوصفه الأساس في الحدث الحالي أو المنطلق هو بالضبط التبرير الذي يقوم به القاتل. ربما يجدر بأسئلة غير القاصدين (غير القاصدين فقط، لا أولئك المنظرين الذي يعرفون تماماً ما ينظّرون له) أن تتجه في هذا الاتجاه: من حوّل الضحية إلى ضحية أصلاً؟ من اضهدها؟ من عزلها؟ من منع انصهارها في المحيط؟ من دفعها إلى التقوقع؟ من ف تعامل معها بوصفها أقل أو بوصف حاملة أفكارها خاطئة؟ من دفعها إلى هذا التعريف أصلاً؟ (أنا ضحية مسيحيةمثلاً؟)

يكمن الفعل الأساسي لا رد الفعلفي كيفية تحول الضحية إلى ضحية أصلاً. فمن جعل الضحية ضحية هو المسؤول الأساسي عن هذا التعريف. أما لوم الضحية فهو شبيه بالتعامل مع أي حراك قائم حالياً في أي بلد عربي بوصفه نداً لنظام حَكَم منذ أربعين سنة، والتعامل مع الاثنين كطرفين حاكمين يقترفان الاصلاح والديموقراطية كما تكميم الأفواه . والمضحك أن هذه المقاربة هنا تصدّر على أنها موضوعية“. إنه الحياد والتوازن منقلباً إلى موقف لا أخلاقي ولا إنساني، مدفوعاً ببؤس التبرير لآراء سياسية لدواعي قومية أو وطنية أو عروبية او انتهازية حالية أو سابقة. وهو حياد غريب يسبق تحول الضحية الحالية (التي يتواصَل قتلها يوميًا) طرفاً في اللعبة الساسية يمكن مساءلته عندها (بعد توقف القتل).

وهناك شيء آخر في الضحية الخالصة، يجعلك غير قادر على ممارسة تهكم صرتَ تعهده أسلوباً لك. إذ أن المسالة تصير فجأة أخلاقية في الدرجة الأولى، ومعها يقارب أي أسلوب تهكمي اللا أخلاق.

عندما تدهَس الضحية الخالصة تحت المدرعات، لا تدهس جسدياً. هذه فقط صورة مباشرة جداً، انعكاس لحظي لتراكم. كليشيه صوَري لدهس اجتماعي وسياسي استمر لعقود. هذا الدهس الملتقط في الفيديوهات، يقابله استخدامٌ اعلامي وسياسي يشارف دهس المدهوس، كالإعلان أن بقاء القاتل في بلدان أخرى يوفر الحماية المفترضة لضحية مماثلة في تلك البلدان. إن هذا الإعلان تحديداًيجب عكسه ليكون: “أنا، القاتل، إن سقطت، أسقطتُ الضحية معي. أنا، القاتل، أحتمي بالضحية”. إنه حبل ملفوف نحو عنق، يسهل استخدامه ما إن تبدأ سلسلة الانتحارات.

والمسألة لا تختصر فقط في الفعل السياسي. نحن إزاء تفكير اجتماعي وديني مشوه أنتج نفسه تحت سلطة القاتل. تفكير كان يعرف عن نفسه كضحية للقاتل في سني حكمه. ومع هذا التفكير، تصبح المرأة غير المحجّبة مسيحية بالضرورة، ويصير العلماني غربياً بالضرورة، والبهائي ماسونياً بالضرورة، والمعادي للوطنية الاعلانية الرخيصة صهيونياً بالضرورة، والمناقش في ترجمة الأدب العبري مطبّعاً بالضرورة، والمحارج في كيفية وتوقيت الصراع مع اسرائيل ليبرالياً بالضرورة، إلخ إلخ إلخ. وهكذا تخرج ضحية مضهدة من زمن سابق (ضحية لم تعد خالصة) لتضطهد ضحية أخرى في الزمن الحالي (ضحية ما زالت خالِصةراميةً الجميع في حلقة عنف مفرغة تتحول فيها الضحية الأولى من ضحية سابقة إلى جلاد حالي

رغم كل هذا الوضوح، تبدو الأحداث أحياناً رمادية. نحن إزاء سرعة في الأداء مفاجِئة. لعل جزءاً من هذه المفاجأة يُردّ إلى بطء أحداث سنين عجاف سابقة صارت هي في لا وعينا الإيقاع المفترض لما يجب أن تكون عليه الأحداث.

فقط لو تنتهي الأشياء بسيطةً وواسعة كما في بعض الأفلام:فجر يبزغ، أو غروب يملأ الشاشة، فيما الشخصية تمشي وسط جلبة الشارع وتتوغل في العمق تاركةً المشاهدين وراءها، فتحيد عن الضجة المستمرة حولها، وتخلق براحاً في البعيد مع نزول التيترات.

فقط لو تنتهي الأمور كذلك.

Advertisements