*بمناسبة الحديث عن سوريا*


يقع فريقان ينظُران للحراكات الشعبية في الدول العربية في خطأ مماثل. ففيما يعتقد فريق أول أن النهايات السعيدة آتية لا محالة تواً بعد الانتخابات مثلاً، يغرق فريق ثانِ في مازوشية سلبية تجعل موقفه يقارب دعم النظام، وهو موقف يبنيه هذا الفريق اعتماداً على عدائيته لأحداث الغيب أكثر من عدائيته لأحداث الماضي القديم والقريب الممتد حتى الآن. الموقفان يؤمنان بحتمية الحدث الاوتوماتيكي، بكبسة الزر.

هناك فريق ثالث يعرف أن المرحلة التالية لا تعدو كونها مرحلة اكتشاف.

أطبقت الأنظمة على الرقاب لأربعين سنة أو أقل قليلاً. أوقفت الفكرة في حضور الشخص. حرمت مواطنيها من متعة اكتشاف ما حولهم. لم تترك لهم شيئاً ليكتشفوه. لقد صدَّرت لهم كل شيء بشكل موضب. فما هو معلن معلن، وسيتم اجترار كل الفاظه ومصطلحاته في السنوات العشر الأولى من الحكم الحديدي. أما ما هو مبهم ويتعلق بدواخل النظام، أو بالهوية الثقافية والدينية وربما الإثنية للمجتمع، فلا ينبغي لك معرفته.

هاكم إذاً احتمالات أحداث قد لا تودون رؤيتها قادمة، لكنها قد تحدث: لا شيء يحصل بكبسة زر. لن يختفي الفلول والشبيحة في يوم وليلة. بعض الدول ستدخل في الفوضى لأكثر من عام. ستفتعل أنظمة حروباً أهلية قد تطول. هناك دول ستخوص صراعات طائفية بل مذهبية. هناك إثنيات ستطالب بحقوقها وقد لا تحصل عليها تواً في المراحل الانتقالية.

يستثنى من هذا، أنصار الأنظمة الصريحين. هؤلاء يكونون فريقاُ يبقى مستلباً ووفياً في استلابه لحرب النظام الكونية. الحرب مع هذا الفريق تبدأ معه من فوق، لا من تحت. الحرب عندهم ضجة. مصطلحات ضخمة، اذا ما هبطت على الأرض خلفت وراءها غباراً عظماً يعمي العيون. الجماعة لدى هذا الفريق نسيج صلب ليس من المهم معرفة مكوناته. بطبيعة الحال لا يهتم هؤلاء بحال الأفراد في الجماعة، ولا بمتعة اكتشاف المجتمعات التي تعيش فيها جماعاتهم، على الأقل ليوظفوا ذلك في حربهم. فالحرب الكونية أخاذة بما فيه الكفاية ليبدو معها اكتشاف المجتمعات تفصيلاً سخيفاً وهامشياً وصوتاً يعلو فوق صوت حرب وهي تستحيل معركة وحيدة: معركة بقاء.

لكن حالة الانضباط السابقة التي فرضها النظام سرعان ما قد تزول، سيعلق هؤلاء في دوامة، ولن يستطيع البقاء فعلاً إلا أولئك الذين قدروا متعة الاكتشاف أولاً، وبدأوا بالتأسيس عليها ثانياً.

قبل أن تنقرض الديناصورات، اكتشفها أحدهم. هذا مؤكد.

Advertisements