أبريل 2012


 أن نخطو في الشارع، فتتقدمينني، أو العكس، أو أن تتجاور رجلانا. أن أجلس على مقعد حجري وأنظر إليك تبتعدين. أن يقطع جلستنا صديق عابر فيمنعنا من مواصلة حديثنا. أن نشرب الشاي معاً، أو أن نجرّب أن يتذوق كلانا ما في كوب أو في صحن الآخر. أن يرى أحدنا كيف يتحادث الآخر مع آخرين من دون أن يكون جزءاً من الحديث، أن ينظر أحدنا إلى  المنهمك  بالحديث، ويلاحظ كيف تتحرك عضلات وجهه. أن نرى أنفسنا نتحادث على الهاتف مع الناس، فنلحظ اعوجاج أسناننا أكثر، أو نتأكد من لا كمال ضحكتنا، ونحدق في بثور ظهرت البارحة في وجهينا. أن ألاحظ كيف تستخدمين ساعديكِ مراراً أوأن تحفظي كيف يستوي كتفاي وأنا أمشي. أن يتسيد اللون المشهد، فنرانا لابسين لبنطالين متسخين أو فقدا رهجهما اللوني، أو تجعلكا. أن تقترب منا قطة أو كلب فنمسد على ظهريهما أو نأنف فنبتعد. أن ندخل سوياً المحلات، وننتقي معاً أشياءً كثيرة. أن نختلف ونجد أنفسنا جزءاً من مشكل سخيف مع آخرين. أن ننتصر للتسوية التي تحتمها عوامل برّانية.

 كل هذا لا يحدث عن الويب ووسائل الاتصالات. كل هذا لا يحدث في العلاقة البعيدة.

 في  وسيلة الاتصال، يمسي الدخول والخروج أكثر جذرية. أكثر صلابة. تدخل بكبسة زر، ترحل بكبسة زر. في “الحياة” تستمع بالظهور والرحيل، تشاهدهما، تجعلهما تفصيلين أساسين ضمن تفاصيل في مشهد. يصبحان أغنية لا تنتهي فجأة، تسمع الكوبليه الأخير منها يتردد ويعاد كل مرة أخفض من السابق حتى يموت الصوت. هكذا نظهر ونختفي خارج وسيلة الاتصال:  شخصاً يبتعد وراء منعطف أو في منحدر في مشهد نهائي كلاسيكي من فيلم  بكادر ثابت . أعرف كل ذلك. أعرفه كله. كتبته فوق، وقلتُه لكِ. أعرف وأنتظر هذا التوتر الأول لحسمين يتحركان على مقربة أو على مبعدة. أعرف، لكني أعرف أيضاً أن ما بيننا غير. أنا أعرفكِ فعلاً حتى لو لم تصدقيني ورأيتِ أن هذا مخالف للمنطق. ما المنطق؟ خارج الاتصال ليس الستاندرد بالضرورة. ماذاً لو صمتت المشوِّشات المحيطة؟ فكري في الصمت. في جلسة هادئة لا ينتهكها أي صوت. فكري بالجمال.

بناءً على كل ما سبق،  المجد للويب ووسائل الاتصالات التي تكرهين. 🙂

Advertisements

 أعد نفسي معك بالأحلام التي اعتزلتني منذ زمن. أقول، سأحظى بالحلم الذي لطالما انتظرته. الحلم الذي يقاطع تماماً الآن ويتخطّى الانتاج الرديء المقتنص بسرعة للحاصل من غير إثبات.

 أميل أيضاً إلى القول إن الحلم سيكون ذا ألوان غريبة في لا جزْمها. ألوان تقف عند حافة التفاصيل ولا تتخطاها. من قال إننا نشرف على الحكاية ولا نشتبك بتفاصيلها؟ هل قال ذلك أحد، أم أنني أبتدع ذلك؟ لا يهم. أعرف أن كلانا لا يهتم لا بالعقدة ولا بالحل. نحن أكثر انشغالاً بالبدايات. حتى العُقَد، ننظر اليها بكونها بداية لتفاصيل ما. حتى الحلول لا نعهدها خواتم.

 أحلم معك بحلم بألوان غريبة، ليست داكنة جداً ولا براقة جداً، ولا مكان فيه للظلال الذي يفرِّق بين لون وآخر. الألوان تطوف، وأنا أبقى عند بداية الحلم، لا أغوص فيه. ورغم ذلك يعدو الزمن، وتحدث الأشياء وتتراكم التفاصيل. هذا الثبات متحرك، (أقول داخل الحلم). هذا الحراك لا يلتزم الإيقاع كما يجب، (أضيف أيضاً داخل الحلم). ولمّا أعود فجأة الى الوراء ألحظ أن كل شيء جامد وأن ما أراه صورة جامدة. وأجدني لا أنظر وحدي اليها، بل أنت تنظرين أيضاً معي، نحن واقفان خارج نفسينا، نرانا ولا نعرف إن كنا نحن أيضاً جزءاً من بداية ما، وثبات ما في صورة ينظر إليها آخرين. ولأجل هذا الاحتمال فقط، نبتسم في الصورة.. لغيرنا. 

 اليوم، قرأت قولاً لسلافوي جيجيك.

كتب يقول: “الكلمة هي قتل الشيء، ليس فقط بالمعني الأوّلي في تضمين غيابه بتسميه الشيء، نعامله كغائب، كميت، مع أنه لا يزال موجوداً لكن فوق كل شيء بمعني تشريحها الراديكالي: الكلمة تشطر الشيء، تنزعه من الغروز في سياقه الصلب، تعامل أجزاءه المكوِّنة كـكيانات بوجود مستقل: نتكلم عن اللون، الهيئة، الشكل، ..إلخ، كما لو أنهم يملكون كيان مكتفي ذاتياً”.

البُعد بيننا يعطيني معنى آخر لفقرة جيجيك. فإذا ما تغاضينا عن كلمتين من الكلمات الواردة أعلاه: “الراديكاليو ككيانات” (وهما كلمتان تصلحان أكثر لحلقات النقاش السياسية اليسارية أكثر من خاطر نهاري مرتبط بكِ)، لا أستطيع إلا التفكير بالأعوام الماضية عندما أصل إلى عبارة كميت، ما يجعلني أتساءل فعلياً عمّا أفعله معك؟ هل أرمي فيكِ زمناً سابقاً؟ وهل تفعلين أنتِ المثل؟

ماذا نفعل عندما نتكلم؟

نكون داخل الشيء؟ تحت الطغيان؟ من أين تأتي هذه الإبتسامات والضحكات التي نملأ بها ثواني صمتنا بين موضوع وآخر؟ متى نبتسم؟ متى نضحك؟ ما الفرق؟ كيف يتصرف عقلانا؟ كيف يومئ رأسانا قليلاً إلى الأمام ثم إلى الجانبين؟ كيف نهرب لمّا نصمت فننغمس بحركات التوتر التي تستعين بكل أطرافنا وحواسنا؟

هل أضع فيكِ كلاماً؟ هل أفقد الجمل؟ ونحن نتحادث، أشعر أني أمام فقرة طويلة لا تنتهي. فيها الكثير من الفواصل، والنقاط، والكثير الكثير من أدوات الوقف على أنواعها، لكن ليس هناك أول سطر ثانٍ.

فما الذي نفعله فعلاً عندما نتكلم؟ أفقد فيكِ أشياء وتفقدين فيّ أشياء؟ ثمّ؟ أينها، هذه الأشياء التي فقدت؟ ألم نتبادلها؟ أين هي؟ هل تسطو على الساعات التي لا نتكلم فيها؟ هل تعطينا خميرة جيدة لمحاولات الاستعادة والإغراق في التحليل؟

الكلمة تشطر الشيء، يقول جيجيك. الكلمة تُفقِدنا الشيء، أكاد أقول، وأضيف فأسأل: كيف لم تسمح نفسي لي قبل ذلك أن أختبر هذا الشعور بالفقدان الذي يجعلني أبتسم وحيداً في المصعد؟