يونيو 2012


١- “ساراوند سيستم”

جعلتُ أنظر إلى المشهد من الشرفة. كانت مقدمة السيارة قد تهشّمت بالكامل، وسيارات الإسعاف والشرطة تملأ المكان. تجمّع خلقٌ كثيرون. بعضهم كان يساعد واكتفى آخرون بالتفرج. لكنَّ شيئاً بان غريباً في كل ذلك. لم أستطع تحديده في البداية، ثم ما لبثَتْ الملاحظة أن صعقَتني. كانت الموسيقى تصدح بصوت عالٍ من السيارة المهشّمة. جُرِح من جُرِح ومات من مات فيها، وعاش الراديو صامداً. هذا “ساراوند سيستم” لا يموت، فكّرت وحضن كفّاي كوب القهوة الساخن أكثر.

عاجل:

“وضعْتُ دماً
على وجهي
ليظنوا
أني متّ”.

٢- أغمضَتْ عينيَّ

كان عمري أشهراً، ومرّ والداي بسيارتهما بالحاجز الإسرائيلي على طريق صوفر. أوقفهما أحد الجنود الإسرائيليين. لا أذكر بالطبع ما الذي حدث، لكني أحفظ من قصة أمي التي تكررها على مسمعي دائماً أن الجندي دار حول السيارة، وعلى الأرجح طلب الأوراق أو “تـَنَمْرد” قليلاً، ثمّ وقف عند النافذة المفتوحة قرب أمي وأنا في حضنها، ونظر إليّ. ما أعرفه هو ما أخبرتني به أمي. قالت إنها غطّت لي عينيّ حتى لا أراه، لكني لم أعرف – ولم تقل لي – إن كان الجنديّ لاحظ، وفهم حركتها.

عاجل:

“كنت أرتجف
كثيراً
وخطر لي
أنهم سيلاحظون”.

٣- عام السباغيتي

هاروكي موراكامي كتب قصة قصيرة عن عام كئيب. سأرويها مجدداً باختصار. وضع راوي القصة في غرفته وحيداً. صلته الأساسية بالخارج تلفون ثابت. يأكل كل يوم السباغيتي. خزائن المطبخ ملأى بعلبها. يصحو متأخراً، ولمّا يحن موعد الغداء، يفتح علبة ويسقط محتواها في ماء ساخن، فتتمدد المادة الصّلبة وتلتوي حتى تصبح جاهزة، ثم يضيف إليها الصلصة المعلّبة، ثمّ…
مهلاً. الحكاية ليست هنا.
الرجل معزول، ويبقى هكذا حتى الجزء الأخير، عندما تبدأ القصّة فعليّاً برنين الهاتف الثابت. يتذكر الراوي تلك اللحظة – بعد أشهر – وجود الهاتف، فهو كان قد قطع علاقاته تدريجياً بالآخرين. يرفع السمّاعة بعد تردد، ويجد على الطرف الآخر حبيبة صديقه، تسأله عنه.
“أين هو؟”. يجيبها: “لا أعرف”. “لقد انفصلنا”، تقول. “أها”، يقول راوينا. “أنت مشغول؟”، تسأل الفتاة. “أها. أصنع السباغيتي”. “مشغول بالسباغيتي؟”، تضيف مستغربة. “أها. نعم”. “هل من الممكن أن نتحدث؟”، تُصرّ. “لا، أنا مشغول”. “مشغول بالسباغيتي؟”. “نعم. أحتاج أن أركز”. “حسناً”، تقول الفتاة بعد فترة صمت. “حسناً”، يعقّب هُوَ. “اتصل بي لو قام بالاتصال بك”، تطلب منه. “حسناً”، يقول راوينا.
يقفل الراوي السماعة ويواصل طبخ السباغيتي. يفكر قليلاً في الاتصال الذي خرق إيقاع حياته لكنه لا يلبث أن يواصل أيامه برتابة: يفتح العُلَب نفسها، ويحضِّر الصحن نفسه. ثمّ في مشهد أخير من القصة، يرينا هاروكي حقلاً إيطالياً شاسعاً مملوءاً بسنابل القمح الصفراء التي تموّجها الريح، قبل أن يسأل منهياً بما معناه: “هل تستطيعون أن تتصوّروا كم كان سيُذهل الإيطاليون لو عرفوا أن ما كانوا يصدّرونه ذاك العام كانت الوحدة خالِصةً؟”.

عاجل:

“سرقوا ثلاثة تلفزيونات
وكمبيوتر،
ثمّ استعدّوا
للرحيل”.

٤- حفلة إرغام

يتعلق الأمر بالعنف، أو بقدرتنا – نحن البعيدين عن الأحداث – على “تحمّله”. لا أقصد لا الدم ولا الجسد. تخطينا ذلك منذ زمن، وبات عرض جثثنا ودمنا على الشاشات وفي صحفنا “عادياً”. الأمر غير ذلك. الأمر يتعلق أكثر بهذا التحوّل المفاجئ العنيف في إيقاع حيواتنا. الأعنف من التحول نفسه هو فقداننا للسيطرة. لمّا تختلط عندنا الأخلاق، بالمشاركة، برد الفعل، بالدفاع، بالصّمت. نُرمى في النار من دون أن نختار، ولا نلبث أن نتململ بعد فترة، ونسأل في لحظة شكّ: ما الذي نضيفه هنا؟
نحن في حفلة إرغام، نُرغَم فيها على الإحساس بما لا نود أن نشعره، في الوقت الذي لا ننتقيه. وهو – على صعوبة التحديد – إرغام قد لا يأتي من داخلنا. إنه شيء نعتقد – على الأقل، نعتقد – ينتهكنا من الخارج. وبرغم أننا نؤثّر فيه قليلاً أو حتى لا نؤثِّر فيه، إلا أنه يأبى إلا أن يؤثر فينا. الأمر أشبه بأن يطيح حدث غير متوقّع عادات ظهيْرات العُطَل الأسبوعية، ويمسح كل التفاصيل التي ترفدنا بنوع من الأمان. الاستقرار ليس أن لا يحدث شيء. الاستقرار هو أن نرتاح للإيقاع، حتى ونحن نغامر.
.. وهنا يأتي دور من خُلِقوا فقط لتعنيف إيقاع حيواتنا. فيرموننا في المعركة الوسخة، ويقتلون من نعرفهم ومن لا نعرفهم، ويرفعون من الكلفة، موصلينا إلى تلك الحالة التي يُمسي فيها عناق عادي كفيل بأن يجعلنا ننهار ونجهش بالبكاء، من دون أن نقدر على تحديد السبب.

عاجل:

“لِمَ تسألوني
من هم؟
أنا أعرف
من هم.
كلنا نعرف
من هم”.


* الجمَل العاجلة المقطّعة في نهاية المقاطع هي مقتطفات من شهادة لصبي في الحادية عشرة نجا من مجزرة الحولة، وأدلى بها لصحيفة “الغارديان”، مع إعادة صياغة محدودة.

+++

نشر النص في موقع “شباب السفير”.

 ما الذي أخاف منه؟ جعلتُ أسأل نفسي هذا السؤال. فكرت بالأشياء المحسوسة الكثيرة التي أقرف منها، كقرون استشعار مخلوق غريب أو حشرة. لكي وجدتُ هذا خوفاً مضبوطاً أساسه القرف لا الخطر. وقلتُ قد أكون أخاف أكثر مني، مما في داخلي. أحياناً أجلس أفكر كيف تمشي السوائل في أوعيتي الداخلية، وفي احتمال أن يتوقف الجريان. أفزع من ورم يبدأ فيَّ ويتضخم ثمّ ينتشر حتى لا أعود أنا. ما الذي يحدث عندها؟ تفرغ الساعة من الرمل؟ هذا يحيلني إلى خوف آخر لديّ من الوقت. هل أستخدم الزمن كما يجب؟ في الأحلام، يقال إن الزمن مطاط. فيما لو صحّ ذلك، لِمَ إذاً أرتعب دوماً من ذلك الحلم الكلاسيكي الذي أشعر فيه أني أهوي من علوّ من دون أن أتبيّن من وإلى أين أسقط. كيف أشعر بالاختناق كل مرة رغم درايتي بهذا الحلم المكرَّر حد الملل؟ هل أخاف إذاً من الإعادات؟ أينتهي كل شيء، ونعود بعدها لنعيد هذا كله على النمط نفسه الذي خبرناه؟ عرفتُ: لا يخيفني العدم لو أتى، تخيفني الإعادة من دون خيار.

 +++

 – شهادة عن الخوف طلبها مني أحد الأصدقاء ممن يحبون باراك أوباما والجاز والنبيذ الاحمر وقهوة الكورنيش وأشياء أخرى (نبقي إسمه بالطبع مبهَماً)


تعالوا نُشَخْصِن الأمور كثيراً.
عندما نظرتُ إلى صورة باسل شحادة، تذكرتُ رواية “رالف رزق الله في المرآة” لربيع حابر. في الحياة، انتحر رالف قبالة الروشة. في الرواية، وعندما يعرف الراوي بالخبر، يتذكر أن رالف مرّ بجانبه مرّة في مدخل مبنى “النهار” من دون أن يتكلّما. ينظر الراوي إلى صوَره، يتحدث إلى زوجته، ويقرأ مقالاته التي نشرها في “ملحق النهار”، قبل أن تلفت نظره خاصةً مقالة شهيرة له عن الفريز.
عندما نظرتُ إلى صورة باسل، تساءلتُ بدوري عن فاكهته المفضّلة. كنتُ أعرف أني لن أجد جوابي في أيّ من شهادات أصدقائه المكتوبة. لم أعثر إلا عليه يبتسم لي في الصورة، وطفا نَمَش وجهه على وجنتيْه وأنفه أكثر.

 النَمَش

 النَمَش هو أثر الشيء في غيره، والنَمَش خطوط النقوش من الوَشْي ونحوه، والنَمَش بقعٌ على جلد الوجه تخالف لونه وأكثر ما يكون في الشُّقْر، والنَمَش – أخيراً – هو بياضٌ في أصول الأظفار يذهب ويعود.

 “لينين” vs “غوغل”

 لباسل صورتان قرب دراجة نارية. واحدة تظهره جالساً على الإسفلت مسنداً ظهره إليها، وأخرى بجانبها تظهره قافزاً فاتحاً ساعديه في نور المغيب الذي استحالَ ظلالاً عليه. لِمَ كان يفتح ساعديه؟ ولِمَ تلازمه الدرّاجة في الصورتين؟
للدراجة حكاية. كنت أكيداً. البحث أوصلني إلى بورتريه لرنا زيد تلاحق فيه رحلة باسل على دراجته من دمشق إلى نيودلهي. “غوغل مابس” نفسه يضيع عندما تضغط له على زر “الدراجة” وتكتب له من “سوريا” إلى “الهند”. يقول إنه لا يستطيع أن يحسب الاتجاهات. باسل إذاً كان يعرف أكثر من “غوغل مابس”؟ أم إنّ دراجته النارية (سمّاها “لينين”) عرفت أكثر منه ومن “غوغل”؟
من يعرف أكثر عن “لينين” غير باسل؟ من يجيب عن أسئلة من نوع: هل كان يرمي النكات عنها وحولها؟ هل لبطها يوماً ما لأنها رفضت أن تعمل؟ هل تركها مرّة على قارعة طريق، وشتمها ومشى قليلاً ثم توقف والتفت، ثم عاد يمشّيها ويمشي جنبها؟ هل نَجَتْ “لينين” من تلك الرحلة الطويلة؟ وما الذي حصل لها بعد موته؟ أخذها أحد غيره؟ تهشّمت، أم إنها لا تزال تقبع في كاراج بيت العائلة؟

 كانَ يوم عطلة

 في فيلم إسباني، ولمّا تعرف بموت زوجها، تقوم الأم بأخذ ولديها إلى المركز التجاري. توصلهما إلى غرفة اللعب وتجلس صامتةً تراقبهما يلعبان. بعد أعوام، عندما يسألها أحد الولدين مستهجناً عن سبب ذلك الفعل يوم موت أبيه، تجيبه الأم ببساطة: “لقد كان يوم عطلة”.
الأرجح أن باسل كان يحب العُطَل برغم مكابرته بغير ذلك في فيلمه القصير المسمّى “هدية صبيحة سبت”، والمقتبس من حكاية ولد نجا في حرب تموز. في الفيلم، يركّز باسل على طريقة حركة جسم الولد في السرير: كيف يضم اللحاف، كيف يحرك أصابع قدميه، كيف يتقلب من جنب إلى آخر، كيف يغيّر من إغماضة عينيه. صوّر باسل الولد بالتجزئة. على ماذا كان يفتش؟ على هذه الحركات الصغيرة التي نقوم بها بلا عمد قبل الانفجار؟
“بتعرفو شو؟ أنا بكره العطلة”، ينهي باسل فيلمه القصير على لسان الولد وهو ينظر إلى نار الحرب تقتحم بيته.

 كوب الصورة

 في الصورة، يحني باسل رأسه إلى اليمين أكثر، يبتسم ابتسامة متحفظة مطلوبة لصورة، وتتشكل تجاعيد حول فمه. عينه اليسرى تصير أضيق من عينه اليمنى، بما يلائم انحناءة رأسه. لعلها الشمس قبالته تجبره على هذا؟ ممكن، لكنَّ هذا تفصيل غير مهم. الأهم هو كيف ترفع يده اليسرى كوب القهوة وتقدّمه للمصوّر، أو ربما لكلّ من سيرى صورته على الشاشة.. بعد موته.
ما في الكوب؟ أي شراب؟

 النهاية الخاطئة

 في الرواية، يكتشف الراوي أن رالف قفز من فوق سطح مقهى “دبيبو” بعدما ظن طيلة الوقت أنه نطّ من الكورنيش. يبدو ذلك له اكتشافاً نوعياً. كان يتخيّل نهايةً خاطئة طيلة الوقت. يصعد الراوي إلى سطح المقهى وينظر إلى الصخرة أمامه والبحر تحته. هل رفع ذراعيْه كرالف عندما قفز؟ لا أذكر، لكني أتخيَّل أنه فعل.
أين مات باسل إذاً؟ ماذا لو غيرنا مكانه؟ ماذا لو أنزلناه بيروت، ومرَّ أحدكم قربه ماشياً في شارع الحمراء؟ ماذا لو ارتطم كتفك بكتفه، واعتذرتما كل للآخر، ثمّ أكملتما طريقيْكما؟
هذه قصة. من يكتبها؟

 الأمر معقّد

 “ما الذي يعنيه الوطن لك؟”، سؤال طُرِح على باسل في فيديو على “فايسبوك”.
أجاب: “هذا سؤال خطير. جوابي قد يورطك بمشاكل”. ضحك، واستدرك: “وطني؟ لا. لا أشعر أنني في وطني. أحياناً، بلى. أشعر بذلك. الأمر معقد”. قهقه باسل مرة أخيرة وطلب بودّ إيقاف الأسئلة. “هذا يكفي”، قال.

 علينا أن نجعله إنساناً

 في القصَص، تترك الجريمة دنساً مؤرقاً في نفس فاعلها. هل يكون الانتصار الأكبر إذاً أن نجعل القاتل إنساناً، فلا يقدر على السيطرة على رباطة جأشه، ويحظى وحيداً بلحظة ضعف؟ وماذا يحدث عندها؟
سيشعر كثر بالارتياح عندها، من دون أن يعرفوا لماذا. قد تقترب أمّ من أولادها وتقبّلهم، أو يفوّر آخر القهوة ثلاث مرات لحبيبته، أو ربما يقوم ثالث بتقطيع الخضار قطعاً صغيرة لصحن سَلَطة. هؤلاء كلهم، سيبتسمون بهدوء.
نحن عندما نبتسم وحيدين، فإنما نفعل ذلك لأن شيئاً ما جميلاً حدث في مكان ما من هذا العالم وأحسسنا به. ليس مهماً أن نعرف تفاصيله. يكفي أن نشعر بوجوده.
+++
نُشِر هذا النص في جريدة السفير وموقع شباب السفير.