يوليو 2012


انتهيت من شرب الويسكي الاسكتلندي. كانت الساعة الحادية عشرة والنصف، والسماء داكنة وملطخة بالرمادي. كان عليّ أن أسلّم قصتي عند منتصف النهار. لبستُ القفازات في كفيّ، هبطتُ بحذر سلّم الطوارئ، وحررتُ دراجتي من موقفها. سيكون مسروراً من ظهوري. سقتُ دائراً حول الشارع، وصعودًا وهبوطاً في شارع “ساميت”، بحثاً عن أثر لسترته المنتفخة. كانت الشوارع فارغة. ومعظم الثلج قد ذاب، لكنّ طبقة جليدية غطت الطرق، فقدتُ ببطء. بعيون ملذوعة ونفس ضبابي يخرج من فمي، اتجهتُ إلى وسط المدينة، ماراً على عشب الكلية. كان العشب متجمداً بشدّة حتى أن عجلتي دراجتي أخذتا تلتقطه. توهجت الأضواء الخافتة من وراء ستائر نوافذ المنازل. في شارع “واشنطن”، عصفت ريح مفاجئة بفروع شجرة الدردار فحلّت أوراقها معوّمةً الأوراق إلى تحت بكثافة وبطء وصمت.

كنتُ في منتصف الطريق على الجسر عندما رأيتُه. توقفت. كان عند ضفة النهر. لم أتمكن من تبيّن وجهه ولكنه كان هو، قصيراً وصغير الرأس في سترتي المنتفخة. وقف مع متشرد، كلاهما يحدق في برميل بنزين يشتعل. تكثّف الدخان، وتجسّم. لثانية، توقفتُ عن التنفس. عرفتُ بيقيني المريض ما فعله. الرماد الذي اتخذ حجماً أكبر بفعل الريح، ابتعد عني إلى أسفل النهر. ربت هو على كتف الرجل، ثم وصل إلى جيبه الخلفي، وسحب بعض المال منه ثم وضعها في يدي الرجل الضخمة. بعدها صعد ضفة النهر، ورآني. امتلأتُ برغبة كادت أن تغرق قلبي، وكانت يداه فارغتين.

لو كنت عرفتُ ما عرفتُه في وقت لاحق، لم أكن لأقول له الأشياء التي قلت. لو كنت عرفتُ، لم أكن لأعلمه أنه لم يفهم، لأنه اتضح أنه فهم. لو كنت عرفتُ، لم أكن لأخبره أن ما قام به كان لا يغتفر، وأني تمنيتُ أن لا يأتِي أبداً، أو أن لا يكون أباً لي. لكنني لم أكن أعرف. كل ما رأيته، منتظراً هناك، شاعراً بتغير الرياح، رجلاً مقبلاً باتجاهي في سترة متضخمة للغاية، فاركاً يديه السوداوين، متنقلاً بين بقع الدخان ودوامات اللهب المخضّب، وقد دمر نفسه، مجدداً، باسمي. كان النهر وراءه، والريح ملأى بالحمض. نظرتُ بعيداً في الطفو البطيء للضوء، أسفل النهر. على حافة الجليد، لمع الضوء في بثور كبيرة منتفخة. كانت الماء، حيث تنقلت البثور، سوداء ومضفّرة. عرفتُ حينها أن سطح النهر يحتاج لساعات، وأحياناً لأيام، ليتجمّد مبقياً على جلده مثالياً في العالم البلّوري، وعرفتُ أن بالإمكان تحطيم هذا العالم بحجر صغير مسقَطاً مثل مقطع لفظيّ واحد.

+ ترجمة سريعة للمقطع الأخير من قصة “الحب والشرف والعزة والشفقة والرحمة والتضحية” لنام-لي من مجموعته القصصية “القارب”.

لقراءة القصة كاملةً، هنا

Advertisements

«..وقد خطر لي السفر إلى بلاد الناس». وإذ وصلْت الى هناك، وقفْتُ في الساحة. كان كل شيء ساكناً وفارغاً. عرفت أنّ شيئاً ما ليس على ما يرام. لم تكن الساحة تنذر بأي حركة. حتى إنني كنتُ متأكداً أنّ الوقت متوقف. أخذتُ أفتّش عن ساعة عامة، وصرت أنتقل من ساحة إلى أخرى ومن شارع إلى آخر. لكنّي لم أجد الساعة، وفكرت أن الغياب هذا غريب وغير مفهوم. إذ كيف يمكن أن تسكن المدينة من دون عقرب ساعة ثابت؟ وكيف يمكن أن يتوقف كل شيء من دون موعد مقبل أنتظره؟ وكيف أنتظر تغيّر الثبات من دون أن أكون متيقّناً أن الوقت سيمشي لاحقاً؟ زاد من شكّي هذا أن لون النهار كان غير، حتى إني تحفّظت على وصفه بالنهار. ولم يكن ليلاً أيضاً. كان لون الضوء غير، وألوان الأشياء في الساحات غير. كيف يعيش الناس في بلاد الناس على هذا النحو؟ بل هل يعيشون أصلاً؟

وأنا أمشي، اصطدمْت بشيء صلب ووقعْت. ملقىً على الأرض، نظرْت ورائي لأجد حلقة. فقمْت واقتربْت منها وأخذْت أشدّها حتى طار الرمل عنها وبان باب خشبي في الأرض. شدَدْت الحلقة حتى فتحْت الباب ورميْته على مصراعيه إلى الجهة الأخرى محدثاً سحابة من الغبار. رأيْت درجاً تحت. وقفْت متحيراً شكاكاً. أنزل أو لا أنزل؟ نظرْت إلى ظلي ورائي على الأرض وخطوْت إلى الأسفل. درجة، درجتين، ثلاثاً، ثمّ وقفْت عند الرابعة والتفتّ إلى الأعلى لأجد ظلي واقفاً في مكانه. لم يتبعني، بل إنه تراجع إلى الوراء. هرب.

واصلْت خطوي. أخذت أتلمَس الجدار وأنزل. كبطل في قصة أطفال مرسوماً برداءة مفرطة نزلْت. كنغمة نشاز في أغنية عاشت مرة واحد فقط، نزلْت.

لمّا وصلْت إلى الأسفل، وجدتْني في باحة مصنوعة من الخشب. كان الناس مخبوئين هنا في حالة غريبة. معظمهم مضطجع على أربع، لا يستخدم الأرجل، ومكوّم فوق بعض. كأنهم في تلك الحالة التي تفصل الحياة عن الموت. لا هم أحياء، ولا هم أموات. كانوا يصدرون أصواتاً غريبة لا أفهمها. اختلطت جملهم على مسمعي. وإذ أخدتُ أمشي بينهم في رواق خشبي بدا أنه مصنوع خصيصاً لهذه الغاية، أمسكـَتْ يدٌ بكعب رجلي فتوقفْت. وجدت شاباً يافعاً مضطجعاً على الأرض. وسط ضجة كلام الناس الأخرى سمعتُ جملته لي. قال:

  • – هل تخاف عليك أمّك؟

لحظتُها عرفتُ أن أحداً اغتال الوقت، وأن هؤلاء الناس سيموتون عند عودتي. عرفتُ أني أمشي بالعكس، وأرحْت نفسي بالقول إني الآن في حلم. لكن، لم يسعني إلا أن أستغرب عندها: هل باتت الأحلام تأتيني من المستقبل، لا من الماضي؟

* الجملة الأولى في النص من كتاب «ألف ليلة وليلة».
– نشر النص في “شباب السفير”