انتهيت من شرب الويسكي الاسكتلندي. كانت الساعة الحادية عشرة والنصف، والسماء داكنة وملطخة بالرمادي. كان عليّ أن أسلّم قصتي عند منتصف النهار. لبستُ القفازات في كفيّ، هبطتُ بحذر سلّم الطوارئ، وحررتُ دراجتي من موقفها. سيكون مسروراً من ظهوري. سقتُ دائراً حول الشارع، وصعودًا وهبوطاً في شارع “ساميت”، بحثاً عن أثر لسترته المنتفخة. كانت الشوارع فارغة. ومعظم الثلج قد ذاب، لكنّ طبقة جليدية غطت الطرق، فقدتُ ببطء. بعيون ملذوعة ونفس ضبابي يخرج من فمي، اتجهتُ إلى وسط المدينة، ماراً على عشب الكلية. كان العشب متجمداً بشدّة حتى أن عجلتي دراجتي أخذتا تلتقطه. توهجت الأضواء الخافتة من وراء ستائر نوافذ المنازل. في شارع “واشنطن”، عصفت ريح مفاجئة بفروع شجرة الدردار فحلّت أوراقها معوّمةً الأوراق إلى تحت بكثافة وبطء وصمت.

كنتُ في منتصف الطريق على الجسر عندما رأيتُه. توقفت. كان عند ضفة النهر. لم أتمكن من تبيّن وجهه ولكنه كان هو، قصيراً وصغير الرأس في سترتي المنتفخة. وقف مع متشرد، كلاهما يحدق في برميل بنزين يشتعل. تكثّف الدخان، وتجسّم. لثانية، توقفتُ عن التنفس. عرفتُ بيقيني المريض ما فعله. الرماد الذي اتخذ حجماً أكبر بفعل الريح، ابتعد عني إلى أسفل النهر. ربت هو على كتف الرجل، ثم وصل إلى جيبه الخلفي، وسحب بعض المال منه ثم وضعها في يدي الرجل الضخمة. بعدها صعد ضفة النهر، ورآني. امتلأتُ برغبة كادت أن تغرق قلبي، وكانت يداه فارغتين.

لو كنت عرفتُ ما عرفتُه في وقت لاحق، لم أكن لأقول له الأشياء التي قلت. لو كنت عرفتُ، لم أكن لأعلمه أنه لم يفهم، لأنه اتضح أنه فهم. لو كنت عرفتُ، لم أكن لأخبره أن ما قام به كان لا يغتفر، وأني تمنيتُ أن لا يأتِي أبداً، أو أن لا يكون أباً لي. لكنني لم أكن أعرف. كل ما رأيته، منتظراً هناك، شاعراً بتغير الرياح، رجلاً مقبلاً باتجاهي في سترة متضخمة للغاية، فاركاً يديه السوداوين، متنقلاً بين بقع الدخان ودوامات اللهب المخضّب، وقد دمر نفسه، مجدداً، باسمي. كان النهر وراءه، والريح ملأى بالحمض. نظرتُ بعيداً في الطفو البطيء للضوء، أسفل النهر. على حافة الجليد، لمع الضوء في بثور كبيرة منتفخة. كانت الماء، حيث تنقلت البثور، سوداء ومضفّرة. عرفتُ حينها أن سطح النهر يحتاج لساعات، وأحياناً لأيام، ليتجمّد مبقياً على جلده مثالياً في العالم البلّوري، وعرفتُ أن بالإمكان تحطيم هذا العالم بحجر صغير مسقَطاً مثل مقطع لفظيّ واحد.

+ ترجمة سريعة للمقطع الأخير من قصة “الحب والشرف والعزة والشفقة والرحمة والتضحية” لنام-لي من مجموعته القصصية “القارب”.

لقراءة القصة كاملةً، هنا

Advertisements