أكتوبر 2012


إنه العام 2112. بعد قرن من الحروب المتفرقة، بُنيَت المدينة البلّورية في بيروت. وُقّع اتفاق بين أطراف الصراع يتضمّن تحييد من لا يودّ المشاركة في الحرب المستمرّة، وإرسالهم إلى المدينة المنشأة، وساعد المجتمَع الدولي بكافة محاوره ماليًّا في إنشائها. جرى ذلك بسهولة غريبة، وتبعه توافق أطراف الصراع على الإشارة إلى المدينة الوليدة كإنجاز حضاري يعيد تلميع صورة البلد في عيون الخارج. قالوا ذلك، وواصلوا مناوشاتهم المسلّحة على حدود التجربة.

حُدّد مكان المدينة البلّورية في الوسط القديم. فبعد تدميره المتكرر على مدار المئة عام الماضية، كشف الدمار عن الأبواب السبعة المطمورة التي لطالما قرأ عنها السكّان في كتب التاريخ. كانت رمزية البقعة فائضة بما يكفي ليوافق الجميع عليها مكانًا منتقىً للمدينة الجديدة.

ظلّت القنوات التلفزيونية تواكب إنشاء المدينة حتى الافتتاح. تابع المشاهدون البلّورة ترتفع وتغطي المكان شيئًا فشيئًا، وأبقيَ على الأبواب السبعة مداخل للبلّورة. أعلمنا المراسلون أن المدينة ستغلّف بما سيسمح بصدّ أي نيران من خارجها، وبتوقيع اتفاق بين الأطراف كافة بعدم انتهاك الحدود الجوية والأرضية المرسومة، وأن كاميرات الفضاء ستبقى ترصد الحياة من خارج البلورة، مدعومة بكاميرات أخرى زرعَت داخل المدينة لمراقبة سير التجربة.

على القناة الخاصة، ترينا كاميرات الاستطلاع الفضائية الكرات الماشية داخل المدينة الوليدة. تهبط الكاميرا، ونتبيّن أكثر ما لمحناه. لا بيوت. فقط ما بقي من الآثار القديمة التي كشفها دمار الماضي القريب. لكن المساحات الخضراء كثيرة وواسعة، كما لم تكن قبلًا. هذه، تقول التغطية التلفزيونية، أنشِئت حديثَا وخصيصاً لحسن سير التجربة. وعلى هذه المساحات، نتبيّن الفقاعات الشفافة التي تحمل الأشخاص داخلها، مستيقظين كما المسرنمين في أحلام لم تكتمل.

على غلاف الكتيّب التعريفي للبلّورة، تنبض الجملة الكبيرة المنقوشة على أبواب المدينة السبع باللغات السبعة: «البلّورة تجعلك أكثر سعادة»، تحتها بخط متوسّط «أدخل البلّورة الآن»، متبوعة بخط أصغر: «إملأ طلب الاشتراك». الكتيّب يقول إن الفقاعة تقوم بكل شيء نيابةً عن راكبها. تمشي من دون أن تصطدم بجاراتها، تأتي بالأخبار غير المؤرقة التي تهمّ صاحبها فقط، وتتوجه بالراكب إلى أماكن ترتفع فيها نسبة العثور على أناس يتلاقى معهم فكريّاً أكثر. الفقاعات، يقول الكتيّب، هي فقاعات صحية، تُدخل الأكل السويّ بالمقدار الذي يحتاجه الراكب، مع الحفاظ على النكهة.

لكنّ الخروج من الفقاعة، محظور. التلامس الجسدي محظور. ستتنافر الفقاعات فيما لو قرّبها راكبوها إلى بعضها عنوةً. يودّ راكب الفقاعة أن يتواصل مع غيره، ويتعاون معه؟ هذا متاح عبر الوسائط المختلفة التي تقدّمها الفقاعات فيما عدا التطرق للمواضيع الممنوعة التي يحددها الفصل الأخير في الكتيّب (تحت بند ج)، ومن الممكن أيضًا بعدها بيع ناتج التعاون الفكريّ عند باب المدينة المخصص لينفَّذ خارج المدينة.

في الأيام التالية، ستحفل التلفزيونات بكثير من شهادات السكّان. سينظر أحد ركاب الفقاعات إلى فوق فتلتقطه عين كاميرا، ويبدأ بالحديث عن تجربته هنا، عن سعادته المستجدّة، عن انعدام يأسه وحزنه وقلقه، عن زيادة إنتاجيته، وعن تحييده عن المؤثرات المحيطة. لكنّ أحداً من المتحدّثين لن يذكر أفراد عائلته في الخارج. ولا تحدد القنوات إن كان هذا مسموحًا أو ممنوعاً، فالكتيب لا يقول الكثير في هذا الصدد. تباعًا، سيتحدّث ركّاب كثر، ويفتَح أكثر من باب واحد لدخول الوافدين الذين ستزداد نسبتهم باضطراد ملحوظ، فتشير القنوات نفسها إلى نزوح جماعي من أرض الحرب، وإلى قلق حقيقي بدأ يستجدّ بين أطراف الصراع في الخارج.

في صحف خارج المدينة، يبدأ معلّقون بمناقشة ضرورة السماح بالتلامس الجسدي، ويكتب مناضلون عن مؤامرة الحياد واللا مبالاة التي تود أن تنزع الروح من الإنسان، ويتحدّث رجال الدين عن أثر التجربة على العائلة اللبنانية عامةً والبيروتية خاصة، فيما يتساءل آخرون عن مدى فتح التجربة لكل فئات المجتمع ويشددون بيقينهم المعروف أن التجربة حكر على الطبقات المتوسطة والعليا، ويشكّك أخيرون في نجاح التجربة عامةً. يقوم كل هؤلاء بذلك، ثم يعودون إلى كتاباتهم حول الحرب المستمرّة خارج المدينة البلّورية، فيناصرون طرفًا أول ويهاجمون طرفًا ثانيا، في الصحف نفسها.

تمر الأعوام. بتنا الآن في العام 2115. صبيحة يوم، تحفل القنوات التلفزيونية بأخبار عاجلة متلاحقة عن المدينة البلّورية. تتوقف الحرب في الخارج لأيام لمعرفة ما يحدث. يقول المراسلون إنّ محاولة الهروب الأولى في مدينة البلّور حدثت. مزّق شخص فقاعته وخرج منها، وتبعه آخرون. وجّهوا كلامهم للكاميرات فوق، أشاروا بأصابعهم الوسطى في عين الكاميرا. رآهم عموم الناس في الخارج، لكنّ البث على القناة المخصصة انقطع فجأة. فوراً، تستنفَر الأطراف المتصارعة على حدود المدينة، وتسجَّل خروقات محدودة، لكن الإتفاق يعاد تثبيته، وخلال ذلك يبقى آخرون داخل فقاعاتهم لا يعلمون شيئًا، إذ تقوم وسائط الفقاعات فورًا بتنفيذ حالة الطوارئ وحجب ما يحدث عنهم، فتعتم الفقاعات، وتوقف حركتها، مغرقة الركاب في نوم عميق، قبل أن يعاد تشغيلها وإيقاظ الناس، إثر الإمساك بالمتمرّدين وإبعادهم إلى خارج البلّورة.

لكنّ الأخبار تتواتر أن كثيراً من ناس الفقاعات يزدادون حزناً مع مرور الوقت. لا يُعرَف إن كان الحزن قد حدث قبل الحادثة أو بعدها، فالدراسات كانت لاحقة على الهروب الشهير. ثمّ تبدأ موجة غريبة جديدة، إذ تعثر الكاميرات على الكثير من ناس الفقاعات موتى داخلها، رغم عدم انتهاء فترات إستهلاكها. إثر ذلك، يكتب صحافيون من خارج المدينة عن شحنات فاسدة مستوردة من الفقاعات لا تدخل الأوكسجين الكافي للركاب، لكن تجمع أصحاب الشركات سرعان ما ينفي الاتهامات، ويفنّدها تفنيداً مفصًلا.

تبقى القضية غامضة، وتظلّ التسريبات والدراسات الجديدة تشير إلى الارتفاع المضطرد في نسبة الحزن لدى ناس الفقاعات، ولا يعرَف السبب أبدًا وراء هذه الطفرة الشعورية.

على حدود المدينة، تكون الأطراف المتناحرة تستعد لنقل صراعها إلى داخل المدينة البلّورية، رغم إعلانها العكس، أما في الفضاء، فتواصل الكاميرات عملها في رصد التجربة، منتظرةً الحدث الجديد.

+++

نشر في شباب السفير

إلتفت وليد في سريره، فوجد ألفرد نائمًا في الجانب الآخر. كان فاغر الفم، متعَبًا، يضم طرف مخدته في يديه كولد يخشى ضياع لعبته المفضلة. لحظ وليد أنّ ألفرد اكتسب وزنًا مقارنةً بلقائهما الأول. رأى جرحَ خاصرته في الجهة الأقرب إلى ظهره، ووشم مفصل قدمه، ومشروع كرشه المقبل. بان له في نومه أربعينيًا، يعود من عمله كل مساء مرهقًا، يداعب طفله وهو شبه نائم، ثم ينضم لزوجته في السرير. هجمت الصورة على وليد، ثم تضخَّمت. هل من الممكن أن يؤسس ألفرد عائلة؟ هل من الممكن أن يؤسس هو عائلة؟

بدت الفكرة ضربًا من المستحيل.

 عندما طلب منه ألفرد أن ينتقل للعيش معه في منزله، عارض. قال إنّه لا يقيم علاقات. فلنبقَ كما نحن. نلتقي، ننسى هموم نهارنا، ننبسط وننام. إذا عشنا معًا، نخنق بعضنا. نأتي بهموم الخارج إلى الغرف. “خلّينا هيك”، قال. غرباء. نخجل كلما التقينا. وتأخذنا دقائق نمضيها في أسئلة سخيفة عن الفترة التي لم نلتقِ بها. “خلّينا هيك”، قال. آتي أنا من كاراكاس إلى كليمنصو عندك كلّما أردنا أن نلتقي.

+++

من رواية “ليمبو بيروت”، تصدر قريبًا 

أخاف عندما أجدني أتعرّف على أناس كثر.

كأن الإيقاع عندي يختلط، فأجدني فجأة محاطًا بالجديد. الجديد مؤرق في غموضه، فكيف به واضحاً وسهلاً. شيء ما غير صائب. كيف صار التعرف على الناس سهلًا هكذا؟ لا أعرف، لكن شيئًا ما يظهر لي خاطئًا. فأنا لطالما تعبت حتى حددتُ هؤلاء الناس قليلي العدد الذين أحيطهم بيوهم حتى غير متشابيهن، وأنا أتعامل أتعامل معهم باختلاف. فقد أسرّ بأسرار غبيّة لأول، وأتفادى الكلام عن التفاصيل الجنسيّة مع الثاني، أو أحاول أن لا أعبّر عن آرائي الثقافية العميقة لثالث أعهده لن يفقهها.

هذا ما أحاول شرحه.

أنا مع هؤلاء الأشخاص المحدودين، أتلوّن من دون أن أنتبه. أقصر نفسي على أجزاء معهم. أنا لستُ كلّي معهم. وهذا يردني ثانيةً إلى كل هؤلاء الأشخاص الذين فجأة صاروا يحيطون بي. من أين أتوا؟ كيف ظهروا؟ هل أنا أخاف لأني أعرف الآن أن مزيدًا من الجهد ينتظرني في علاقاتي بهؤلاء؟ ولماذا أشعر بالضغط أن كنت أشعر بدءاً أنهم غير مرغوب بهم حولي؟ ربما لأن الشعور هذا مختلف عما سيحدث؟ أعني. من الممكن أن تشعر بعدم رغبتك في أن يتواجد أناس معينون حولك، لكن هل يعني ذلك أنهم سيعتزلونك؟

على الأرجح لا. الحياة معقدة أكثر.

أخاف على إيقاعي. أخاف من العمل الكثير. العلاقات عمل كثير. استثمار. ربما هي صورتي العامة التي أتوخى الحفاظ عليها؟ ربما هي تلك الصورة التي إن تهشّمت ستنتقل من أول إلى ثانٍ إلى ثالث إلى رابع حتى تعود لتصلني فأعرف بها وأستهجن؟ كيف أخرِج نفسي من هذه الدوامة؟ كيف كان الكتاب يعتزلون العالم ثم يكتبون؟ كيف كانوا يسحبون أنفسهم فجأة، يفرّغون ما امتصوه ثم يعودون كأن شيئًا لم يكن؟

الحياة معقدة، على الأرجح . أقول، وأواصل جهدي للحاق بالعدد المتنامي للأشخاص الذين يظهرون حولي في حياتي. لو كان هناك زر توقفلكانت الحياة أسهل استخدامًا، ولكنت تفاديت كثيرًا من الخطوات الناقصة الذي يفرضها هذا الهلع من طفرة الإيقاعات الجديدة حولي.