شمع العسل

تعمل ليلاً في شركة يعمل موظفوها فيها نهاراً. الضوء ملقىً فقط فوق مكعبك، وكل ما حولك مظلم. ناطحات دبي في الخارج تتوهج بالشبابيك المضاءة كخلايا سداسية في قطع من شمع العسل. ولما تقف لتمشي في الأروقة تضيء لك مجسّات السقف الضوئية الممر أمامك، لمبة إثر أخرى. لا تنتظرها لتضيء، ولا تسرع قبل أن تشعر بك. إيقاعاكما متناغمان. إنه وهم الحداثة محتفياً بك في ليلة أخرى، تستمتع به إلى آخر لمبة تنطفئ وراءك، وأنت تبتعد.

وقت مستقطَع

الكافيتريا. تقف أمام الماكينة. تضغط على “شوكو ميلك”. الأضواء في الخارج تصل الزجاج ثم تتكسر. لا تعود متحققة. كأن المكان محظور عليها. شيء ما مرتبك. ليس فقط الضوء مختلف في الخارج عن الداخل. الصوت أيضاً. هل جربت الاستماع إلى صوت البرادات؟ صوت ماكينات القهوة؟ صوت خطواتك على الأرض؟ تكتكة المجسات الضوئية فوقك؟ الطرق السريعة أيضاً تأتي مع أصواتها الخاصة. أنت تنتبه لكل هذه الأصوات والأضواء كلما كتمت الشيء في داخلك أكثر. كلما لكمته محاولاً إرساله إلى عمق لا تستطيع أن تدركه. وأنت تنتبه لأنك عرّفت الوقت، وقلت منذ اللحظة الأولى التي خطوتَ فيها داخل هذه القاعة الفارغة أنه مجرد وقت مستقطع بين انهماكين. قلت لنفسك: “لأبدأ الانتباه إذًا”. وأنت أيضاً استقطعت من وقتك المستقطع، وانتبهتَ لهذه الفكرة للتو.

1:00 صباحاً

الخطوط البيضاء المقطّعة على الأرض تتصل، ثم تنقطع من جديد. للحظة، تعدو السيارات جميعها بالسرعة نفسها، وتختفي العربات المتمردة. جوليا روبرتس تشرف على الجميع بابتسامة في الواجهة الإعلانية: “الحياة حلوة”. القطار المعلق يمشي على السكة ثم يدخل محطة الوقوف المصممة من المعدن والزجاج. الضباب يغير من لون الليل، فيترك رؤوس المباني تسبح بين السحاب وتومض بالبرق. “لحظات تَ يخفف زعل”، ينتقي “الآي-فون” بعشوائية. نهار جديد بدأ للتو على طريق “الشيخ زايد”، مصحوباً بالأغنية نفسها، المنتقاة دائماً بعشوائية. سأسمّيها، بالعشوائية المفرطة نفسها، أغنية الواحدة صباحًا.

خطوط المسّاحات

الأبراج واطئة عوجاء. تكاد تنحني فوق البحيرة الاصطناعية لتشرب ثم تنهض. كيف جمّعوا الماء هنا؟ كيف رموه؟ كيف كان وكيف أصبح؟ الأبراج لا ترى بعضها. الرطوبة تحجب عنها معرفة كهذه. الأبراج تبقى واقفة وحيدة. الخطوط التي صنعتها مساحات الزجاج الأمامي لسيارتك، بعد استخدام مُرمِل خاطئ، لم ينجح أي غسيل محطة بعد بإزالته. الخطوط صنعت حدودها وبقيت. الخطوط، ربّما، لن تُمحى.
قبل أسابيع، علقت سيارتك في الرمل. نزلتَ لتجد الدواليب مطمورة بالرمل. ظهر رجل من لا مكان، ودون أن تقول له شيئًا، أخذ يدفع السيارة ويرشدك بيديه أن تضغط على دواسة الوقود، أو أن تغير من اتجاه الدواليب. عندما أخرجك، مددت يدك إليه ببعض الدراهم، وأخذها بكل اعتياد.

تتعود على هذه الحركة. يساعدونك، فتمد يدك إلى جيبك. يحملون لك الأكياس، فتمد يدك إلى جيبك. يفعلون لك أي شيء فتمد يدك إلى جيبك. حتى إنك لو قررتَ، في لحظة صفاء، أن تتوقف عن طلب مساعدتهم، تصبح في نظرهم، ونظر نفسك، شريراً. أنت تهشّم “السيستم”. نظرة واحدة منهم تجعلك تمد يدك ثانيةً إلى جيبك. ثم تصير تزايد على التعرفة المعتادة، فأنت تظنّ أنك بذلك تصير إنسانًا جيّدًا أكثر. أنت قُدّر لك أن تحيا في عائلة متوسطة الحال، وتحمل معك كل ذنوب الطبقة الوسطى، وتشعر أنك بحاجة دائمة أن تمد يدك إلى جيبك. حتى إنهم عندما يستخدمون كلمة “مستر”، ستضطر أن تكثر من استخدام “ثانك يو”، مردفةً بـ”ثانك يو فيري ماتش”، بحسب بشاشة وجوههم. لا يمكنك أن تقنعهم بأن لا يستخدموا “مستر”. هذا سيكلفك العناء والوقت من غير جدوى، وأنت لستَ في مسلسل “رحلة أبو العلا البشري”.

الأبراج علب مستطيلة تقف مقسمة بالشبابيك. الشبابيك تصير أضواء في الليل. تلك المعتمة منها لا تراها، لكنك تعرف أنها هناك. تقدّر أماكن الشبابيك المعتمة برؤيتك لأماكن الشبابيك المضاءة المتفرقة. هذه تدلك إلى تلك. الأبراج قد تلمحها واطئة، لكن الرمل لا يتحرك تحتها، حتى أنك لم ترَ أحدًا يدوس على رمل غير الشطآن حافيًا، وهذا تظنه غريباً في بلد يحفل بالرمال. الرمل يطير فقط في الهواء، يجبرك أحيانًا على إغماض عينيك، ويحدد خطوط المساحات على زجاج سيارتك الأمامي للأبد.

(دبي)

 

+++
نشرَ هذا النص في شباب السفير

Advertisements