“الجثث الميتة”. توقفتُ لحظة وأنا أنظر إلى هذا اللفظ. هل من جثث ليست ميتة؟ نعم. لديّ نظرية في هذا الصدد. هناك جثث غير ميتة. الجثث التي لا تشعرك بإمكانية حملها لقصّة هي جثث ميتة. البشر يختلفون حتى في موتهم. هناك منهم من  هو خافت الإضاءة، وهناك من يسطع حتى وهو بلا روح.

 كم من الجثث وصلت في اليوم الأول؟ لم تكن  كثيرة. توزّعت على مستشفيات عدة في المنطقة. لكنّ جثة واحدة من هذه الجثث كانت بألف جثة. الجثة التي تأتي مخروقة برصاصة أو إثر حادث غير متوقّع مختلفة عن جثث الذين ماتوا بأزمة قلبية أو في عملية أو حتى بالسرطان. في حالات السرطان، وهي حالات قليلة لم أشهد الكثير منها، تكون الجثة قد وصلت نهايتها هزيلة وتعبة، وبلون يفتقد اللون. الجثّة التي تأتيك بعد عملية، تكون مقطّبة، نعم. مشوّهة، لكن أُحسِن توليفها من جديد، وقدومها قد يكون منتظرًا ضمن نسبة أعداد موتى العمليات. أمّا الجثّة التي تأتي ميتة إلى المستشفى إثر حادث عنف فتكون مختلفة. لم تأتِ فقط في غير موعدها كما سائر الموتى. أتت في غير موعدها وأتت بقصّة. أتت باستثناء. ربّما يكمن اختلافها في أنّ قدومها غير منتظر، واستثنائي؟ على الأقلّ في العام الذي نحن فيه. لا أعرف. لا أعرف إن كان منطقي محكمًا، ونظريّتي مقنعة. ليس مهمًّا. استقبال الأشياء وفهمها هو شخصانيّة مطلقة. هكذا أرى، وهكذا أعتقد، وهكذا أنا أكيد. لا أعرف كيف كان الوضع ليكون في الحرب الأهلية الماضية. هل كانت الجثة المخروقة بالرصاص لتفارق الاستثناء؟ هل كانت لتفقد قصّتها بسبب لا استثنائيتها؟

من رواية “ليمبو بيروت” | تصدر قريباً

Advertisements