Uncategorized


إنه العام 2112. بعد قرن من الحروب المتفرقة، بُنيَت المدينة البلّورية في بيروت. وُقّع اتفاق بين أطراف الصراع يتضمّن تحييد من لا يودّ المشاركة في الحرب المستمرّة، وإرسالهم إلى المدينة المنشأة، وساعد المجتمَع الدولي بكافة محاوره ماليًّا في إنشائها. جرى ذلك بسهولة غريبة، وتبعه توافق أطراف الصراع على الإشارة إلى المدينة الوليدة كإنجاز حضاري يعيد تلميع صورة البلد في عيون الخارج. قالوا ذلك، وواصلوا مناوشاتهم المسلّحة على حدود التجربة.

حُدّد مكان المدينة البلّورية في الوسط القديم. فبعد تدميره المتكرر على مدار المئة عام الماضية، كشف الدمار عن الأبواب السبعة المطمورة التي لطالما قرأ عنها السكّان في كتب التاريخ. كانت رمزية البقعة فائضة بما يكفي ليوافق الجميع عليها مكانًا منتقىً للمدينة الجديدة.

ظلّت القنوات التلفزيونية تواكب إنشاء المدينة حتى الافتتاح. تابع المشاهدون البلّورة ترتفع وتغطي المكان شيئًا فشيئًا، وأبقيَ على الأبواب السبعة مداخل للبلّورة. أعلمنا المراسلون أن المدينة ستغلّف بما سيسمح بصدّ أي نيران من خارجها، وبتوقيع اتفاق بين الأطراف كافة بعدم انتهاك الحدود الجوية والأرضية المرسومة، وأن كاميرات الفضاء ستبقى ترصد الحياة من خارج البلورة، مدعومة بكاميرات أخرى زرعَت داخل المدينة لمراقبة سير التجربة.

على القناة الخاصة، ترينا كاميرات الاستطلاع الفضائية الكرات الماشية داخل المدينة الوليدة. تهبط الكاميرا، ونتبيّن أكثر ما لمحناه. لا بيوت. فقط ما بقي من الآثار القديمة التي كشفها دمار الماضي القريب. لكن المساحات الخضراء كثيرة وواسعة، كما لم تكن قبلًا. هذه، تقول التغطية التلفزيونية، أنشِئت حديثَا وخصيصاً لحسن سير التجربة. وعلى هذه المساحات، نتبيّن الفقاعات الشفافة التي تحمل الأشخاص داخلها، مستيقظين كما المسرنمين في أحلام لم تكتمل.

على غلاف الكتيّب التعريفي للبلّورة، تنبض الجملة الكبيرة المنقوشة على أبواب المدينة السبع باللغات السبعة: «البلّورة تجعلك أكثر سعادة»، تحتها بخط متوسّط «أدخل البلّورة الآن»، متبوعة بخط أصغر: «إملأ طلب الاشتراك». الكتيّب يقول إن الفقاعة تقوم بكل شيء نيابةً عن راكبها. تمشي من دون أن تصطدم بجاراتها، تأتي بالأخبار غير المؤرقة التي تهمّ صاحبها فقط، وتتوجه بالراكب إلى أماكن ترتفع فيها نسبة العثور على أناس يتلاقى معهم فكريّاً أكثر. الفقاعات، يقول الكتيّب، هي فقاعات صحية، تُدخل الأكل السويّ بالمقدار الذي يحتاجه الراكب، مع الحفاظ على النكهة.

لكنّ الخروج من الفقاعة، محظور. التلامس الجسدي محظور. ستتنافر الفقاعات فيما لو قرّبها راكبوها إلى بعضها عنوةً. يودّ راكب الفقاعة أن يتواصل مع غيره، ويتعاون معه؟ هذا متاح عبر الوسائط المختلفة التي تقدّمها الفقاعات فيما عدا التطرق للمواضيع الممنوعة التي يحددها الفصل الأخير في الكتيّب (تحت بند ج)، ومن الممكن أيضًا بعدها بيع ناتج التعاون الفكريّ عند باب المدينة المخصص لينفَّذ خارج المدينة.

في الأيام التالية، ستحفل التلفزيونات بكثير من شهادات السكّان. سينظر أحد ركاب الفقاعات إلى فوق فتلتقطه عين كاميرا، ويبدأ بالحديث عن تجربته هنا، عن سعادته المستجدّة، عن انعدام يأسه وحزنه وقلقه، عن زيادة إنتاجيته، وعن تحييده عن المؤثرات المحيطة. لكنّ أحداً من المتحدّثين لن يذكر أفراد عائلته في الخارج. ولا تحدد القنوات إن كان هذا مسموحًا أو ممنوعاً، فالكتيب لا يقول الكثير في هذا الصدد. تباعًا، سيتحدّث ركّاب كثر، ويفتَح أكثر من باب واحد لدخول الوافدين الذين ستزداد نسبتهم باضطراد ملحوظ، فتشير القنوات نفسها إلى نزوح جماعي من أرض الحرب، وإلى قلق حقيقي بدأ يستجدّ بين أطراف الصراع في الخارج.

في صحف خارج المدينة، يبدأ معلّقون بمناقشة ضرورة السماح بالتلامس الجسدي، ويكتب مناضلون عن مؤامرة الحياد واللا مبالاة التي تود أن تنزع الروح من الإنسان، ويتحدّث رجال الدين عن أثر التجربة على العائلة اللبنانية عامةً والبيروتية خاصة، فيما يتساءل آخرون عن مدى فتح التجربة لكل فئات المجتمع ويشددون بيقينهم المعروف أن التجربة حكر على الطبقات المتوسطة والعليا، ويشكّك أخيرون في نجاح التجربة عامةً. يقوم كل هؤلاء بذلك، ثم يعودون إلى كتاباتهم حول الحرب المستمرّة خارج المدينة البلّورية، فيناصرون طرفًا أول ويهاجمون طرفًا ثانيا، في الصحف نفسها.

تمر الأعوام. بتنا الآن في العام 2115. صبيحة يوم، تحفل القنوات التلفزيونية بأخبار عاجلة متلاحقة عن المدينة البلّورية. تتوقف الحرب في الخارج لأيام لمعرفة ما يحدث. يقول المراسلون إنّ محاولة الهروب الأولى في مدينة البلّور حدثت. مزّق شخص فقاعته وخرج منها، وتبعه آخرون. وجّهوا كلامهم للكاميرات فوق، أشاروا بأصابعهم الوسطى في عين الكاميرا. رآهم عموم الناس في الخارج، لكنّ البث على القناة المخصصة انقطع فجأة. فوراً، تستنفَر الأطراف المتصارعة على حدود المدينة، وتسجَّل خروقات محدودة، لكن الإتفاق يعاد تثبيته، وخلال ذلك يبقى آخرون داخل فقاعاتهم لا يعلمون شيئًا، إذ تقوم وسائط الفقاعات فورًا بتنفيذ حالة الطوارئ وحجب ما يحدث عنهم، فتعتم الفقاعات، وتوقف حركتها، مغرقة الركاب في نوم عميق، قبل أن يعاد تشغيلها وإيقاظ الناس، إثر الإمساك بالمتمرّدين وإبعادهم إلى خارج البلّورة.

لكنّ الأخبار تتواتر أن كثيراً من ناس الفقاعات يزدادون حزناً مع مرور الوقت. لا يُعرَف إن كان الحزن قد حدث قبل الحادثة أو بعدها، فالدراسات كانت لاحقة على الهروب الشهير. ثمّ تبدأ موجة غريبة جديدة، إذ تعثر الكاميرات على الكثير من ناس الفقاعات موتى داخلها، رغم عدم انتهاء فترات إستهلاكها. إثر ذلك، يكتب صحافيون من خارج المدينة عن شحنات فاسدة مستوردة من الفقاعات لا تدخل الأوكسجين الكافي للركاب، لكن تجمع أصحاب الشركات سرعان ما ينفي الاتهامات، ويفنّدها تفنيداً مفصًلا.

تبقى القضية غامضة، وتظلّ التسريبات والدراسات الجديدة تشير إلى الارتفاع المضطرد في نسبة الحزن لدى ناس الفقاعات، ولا يعرَف السبب أبدًا وراء هذه الطفرة الشعورية.

على حدود المدينة، تكون الأطراف المتناحرة تستعد لنقل صراعها إلى داخل المدينة البلّورية، رغم إعلانها العكس، أما في الفضاء، فتواصل الكاميرات عملها في رصد التجربة، منتظرةً الحدث الجديد.

+++

نشر في شباب السفير

إلتفت وليد في سريره، فوجد ألفرد نائمًا في الجانب الآخر. كان فاغر الفم، متعَبًا، يضم طرف مخدته في يديه كولد يخشى ضياع لعبته المفضلة. لحظ وليد أنّ ألفرد اكتسب وزنًا مقارنةً بلقائهما الأول. رأى جرحَ خاصرته في الجهة الأقرب إلى ظهره، ووشم مفصل قدمه، ومشروع كرشه المقبل. بان له في نومه أربعينيًا، يعود من عمله كل مساء مرهقًا، يداعب طفله وهو شبه نائم، ثم ينضم لزوجته في السرير. هجمت الصورة على وليد، ثم تضخَّمت. هل من الممكن أن يؤسس ألفرد عائلة؟ هل من الممكن أن يؤسس هو عائلة؟

بدت الفكرة ضربًا من المستحيل.

 عندما طلب منه ألفرد أن ينتقل للعيش معه في منزله، عارض. قال إنّه لا يقيم علاقات. فلنبقَ كما نحن. نلتقي، ننسى هموم نهارنا، ننبسط وننام. إذا عشنا معًا، نخنق بعضنا. نأتي بهموم الخارج إلى الغرف. “خلّينا هيك”، قال. غرباء. نخجل كلما التقينا. وتأخذنا دقائق نمضيها في أسئلة سخيفة عن الفترة التي لم نلتقِ بها. “خلّينا هيك”، قال. آتي أنا من كاراكاس إلى كليمنصو عندك كلّما أردنا أن نلتقي.

+++

من رواية “ليمبو بيروت”، تصدر قريبًا 

أخاف عندما أجدني أتعرّف على أناس كثر.

كأن الإيقاع عندي يختلط، فأجدني فجأة محاطًا بالجديد. الجديد مؤرق في غموضه، فكيف به واضحاً وسهلاً. شيء ما غير صائب. كيف صار التعرف على الناس سهلًا هكذا؟ لا أعرف، لكن شيئًا ما يظهر لي خاطئًا. فأنا لطالما تعبت حتى حددتُ هؤلاء الناس قليلي العدد الذين أحيطهم بيوهم حتى غير متشابيهن، وأنا أتعامل أتعامل معهم باختلاف. فقد أسرّ بأسرار غبيّة لأول، وأتفادى الكلام عن التفاصيل الجنسيّة مع الثاني، أو أحاول أن لا أعبّر عن آرائي الثقافية العميقة لثالث أعهده لن يفقهها.

هذا ما أحاول شرحه.

أنا مع هؤلاء الأشخاص المحدودين، أتلوّن من دون أن أنتبه. أقصر نفسي على أجزاء معهم. أنا لستُ كلّي معهم. وهذا يردني ثانيةً إلى كل هؤلاء الأشخاص الذين فجأة صاروا يحيطون بي. من أين أتوا؟ كيف ظهروا؟ هل أنا أخاف لأني أعرف الآن أن مزيدًا من الجهد ينتظرني في علاقاتي بهؤلاء؟ ولماذا أشعر بالضغط أن كنت أشعر بدءاً أنهم غير مرغوب بهم حولي؟ ربما لأن الشعور هذا مختلف عما سيحدث؟ أعني. من الممكن أن تشعر بعدم رغبتك في أن يتواجد أناس معينون حولك، لكن هل يعني ذلك أنهم سيعتزلونك؟

على الأرجح لا. الحياة معقدة أكثر.

أخاف على إيقاعي. أخاف من العمل الكثير. العلاقات عمل كثير. استثمار. ربما هي صورتي العامة التي أتوخى الحفاظ عليها؟ ربما هي تلك الصورة التي إن تهشّمت ستنتقل من أول إلى ثانٍ إلى ثالث إلى رابع حتى تعود لتصلني فأعرف بها وأستهجن؟ كيف أخرِج نفسي من هذه الدوامة؟ كيف كان الكتاب يعتزلون العالم ثم يكتبون؟ كيف كانوا يسحبون أنفسهم فجأة، يفرّغون ما امتصوه ثم يعودون كأن شيئًا لم يكن؟

الحياة معقدة، على الأرجح . أقول، وأواصل جهدي للحاق بالعدد المتنامي للأشخاص الذين يظهرون حولي في حياتي. لو كان هناك زر توقفلكانت الحياة أسهل استخدامًا، ولكنت تفاديت كثيرًا من الخطوات الناقصة الذي يفرضها هذا الهلع من طفرة الإيقاعات الجديدة حولي.

(كتبت في حرب تمّوز 2006، على ما أذكر، وتصلح في حالة سوريا، فالقاتل قاتل، والتطهير تطهير، والعقاب الجماعي عقاب جماعي)

+++

نصيحة اليوم

خود بالك من إخواتك، إذا صار لي شي“.

الأصابع

استيقظ صباحاً. قبل أن يبدأ نهاره، أخذ يعد أصابعه.

الكاميرا

كمش الكيس البلاستيكي ، تحسَّسه كما يشكِّل معجونة ثم رفعه أمام الكاميرا مؤكداً : “بعدو عايش، بدو عايش“.

لو كان حياً، هل كان ليقبل أن يتحسسه أحد بهذه الطريقة؟

الصبابيط

بدأت الحرب وكثرت الصبابيطعند عتبات البيوت الخارجية.

الكيس البلاستيكي

في حرب تموز، تعلَّم كيف يوضِّب الجثث في أكياس بلاستيكية.

قمل

رؤوس ثلاثة وماكينة تجتاح الشعر المغبّر باعتياد غريب. يسقط شعر الأول فيهرول ناحية الملعب. يلحقه الثاني. ينتظر الثالث بحرارة لكن الماكينة ابتعلت ما يكفي من الشعر لتتوقف عن العمل. يبقى الولد في كرسيِّه مثبَّتاً رغماً عنهينتظر. هو لا يلمح إلا الطابة.

في حديقة الصنايع

سئِمَت البكائيات. تتجه إلى حديقة الصنائع. تفترش الأرض كما غيرها ويتجمع حولها الأطفال. تبدأ بالغناء، فيشاركها البعض إلا من شقيّ لا يزال يتسلـَّق الشجرة القريبة. رأسه إلى الأسفل الآن.

الفطور الجماعي – سهل البقاع

تبتلع أحشاؤه بعضاً من الفطور الجماعي. يفعل غيره الشيء ذاته. تطل حاملة المنايا بلا إنذار مسبَق. يبتلع الفطور الجماعي بعضاً من أحشائهم المتناثرة. لا يسأل عنهم أحد فهم لا يحملون الجنسية إياها. وحتى لو حملوها، لحظة تكثر المجازر يتحول الموتى أرقاماً غير مؤكدة.

اللَّغَن

.. وفي اللَّغَنالموجود في سْطَيْحةالدار ماءٌ وصابونٌ وثنايا ثياب تبتلع السائل شيئاً فشيئاً. واللَّغنبين ساقي عجوز فيما يداها ترفعان الثياب بثِقلها المتنامي مع الابتلال. تلحظ فجأة الماءَ المتلوّنة أحمر. تنهض وتتجه إلى شباك غرفته تنظر فتراه نائماً بفانيلته القطنية البيضاء في سريره المجاور للحائط على وجهه تعب البارحة واضحٌ. تدخل ثم تجلس إلى جانبه. تنتظر منه أيّ حركة تمكّنها من تفحّص أجزاء مخفية مجسده. تتأكد أن لا أحمر هناك فيهدأ نبضها. وبعد أن تتأكد، تحاِذر أن لا توقظه تحضِّرالقهوة الثقيلة في المطبخ وتعود لتجلس قربه .تشرب فنجانها المملوء ببطء محسوب، وتغطي الباقي في الركوة لفنجانه الفارغ الموضوع جانباً. تنتظره أن يستيقظ بنفسه ليخبرها عن دم الصديق أو.. العدو.

الوردة
تسقي الصغيرة وردتها في باحة المدرسة المنقولة إليها يومياً، وتنسى صخب ما خلف الغيوم. وتصحو ذات نهار لتجد الوردة قد فقدتْ إحدى أوراقها فتطلب من عاملة “الأن جي أوالاتصال بوالدها… حالاً.

الطريق
.. ثم التصقَتْ الجثث المحروقة بالزفت وللحظة اتَّحَدَتْ ألوانها بلون الطريق قبل أن تستعيد لونها مع تجمهر الفلاشات البيضاء.

الجدار

على الجدار بقايا صور انتخابية وغزل مشطوب وشتائم رُشَت في ليل ومقولات اعتزاز وبقايا أجساد ودماء التصقَت وجفَّتْ.

انتهيت من شرب الويسكي الاسكتلندي. كانت الساعة الحادية عشرة والنصف، والسماء داكنة وملطخة بالرمادي. كان عليّ أن أسلّم قصتي عند منتصف النهار. لبستُ القفازات في كفيّ، هبطتُ بحذر سلّم الطوارئ، وحررتُ دراجتي من موقفها. سيكون مسروراً من ظهوري. سقتُ دائراً حول الشارع، وصعودًا وهبوطاً في شارع “ساميت”، بحثاً عن أثر لسترته المنتفخة. كانت الشوارع فارغة. ومعظم الثلج قد ذاب، لكنّ طبقة جليدية غطت الطرق، فقدتُ ببطء. بعيون ملذوعة ونفس ضبابي يخرج من فمي، اتجهتُ إلى وسط المدينة، ماراً على عشب الكلية. كان العشب متجمداً بشدّة حتى أن عجلتي دراجتي أخذتا تلتقطه. توهجت الأضواء الخافتة من وراء ستائر نوافذ المنازل. في شارع “واشنطن”، عصفت ريح مفاجئة بفروع شجرة الدردار فحلّت أوراقها معوّمةً الأوراق إلى تحت بكثافة وبطء وصمت.

كنتُ في منتصف الطريق على الجسر عندما رأيتُه. توقفت. كان عند ضفة النهر. لم أتمكن من تبيّن وجهه ولكنه كان هو، قصيراً وصغير الرأس في سترتي المنتفخة. وقف مع متشرد، كلاهما يحدق في برميل بنزين يشتعل. تكثّف الدخان، وتجسّم. لثانية، توقفتُ عن التنفس. عرفتُ بيقيني المريض ما فعله. الرماد الذي اتخذ حجماً أكبر بفعل الريح، ابتعد عني إلى أسفل النهر. ربت هو على كتف الرجل، ثم وصل إلى جيبه الخلفي، وسحب بعض المال منه ثم وضعها في يدي الرجل الضخمة. بعدها صعد ضفة النهر، ورآني. امتلأتُ برغبة كادت أن تغرق قلبي، وكانت يداه فارغتين.

لو كنت عرفتُ ما عرفتُه في وقت لاحق، لم أكن لأقول له الأشياء التي قلت. لو كنت عرفتُ، لم أكن لأعلمه أنه لم يفهم، لأنه اتضح أنه فهم. لو كنت عرفتُ، لم أكن لأخبره أن ما قام به كان لا يغتفر، وأني تمنيتُ أن لا يأتِي أبداً، أو أن لا يكون أباً لي. لكنني لم أكن أعرف. كل ما رأيته، منتظراً هناك، شاعراً بتغير الرياح، رجلاً مقبلاً باتجاهي في سترة متضخمة للغاية، فاركاً يديه السوداوين، متنقلاً بين بقع الدخان ودوامات اللهب المخضّب، وقد دمر نفسه، مجدداً، باسمي. كان النهر وراءه، والريح ملأى بالحمض. نظرتُ بعيداً في الطفو البطيء للضوء، أسفل النهر. على حافة الجليد، لمع الضوء في بثور كبيرة منتفخة. كانت الماء، حيث تنقلت البثور، سوداء ومضفّرة. عرفتُ حينها أن سطح النهر يحتاج لساعات، وأحياناً لأيام، ليتجمّد مبقياً على جلده مثالياً في العالم البلّوري، وعرفتُ أن بالإمكان تحطيم هذا العالم بحجر صغير مسقَطاً مثل مقطع لفظيّ واحد.

+ ترجمة سريعة للمقطع الأخير من قصة “الحب والشرف والعزة والشفقة والرحمة والتضحية” لنام-لي من مجموعته القصصية “القارب”.

لقراءة القصة كاملةً، هنا

«..وقد خطر لي السفر إلى بلاد الناس». وإذ وصلْت الى هناك، وقفْتُ في الساحة. كان كل شيء ساكناً وفارغاً. عرفت أنّ شيئاً ما ليس على ما يرام. لم تكن الساحة تنذر بأي حركة. حتى إنني كنتُ متأكداً أنّ الوقت متوقف. أخذتُ أفتّش عن ساعة عامة، وصرت أنتقل من ساحة إلى أخرى ومن شارع إلى آخر. لكنّي لم أجد الساعة، وفكرت أن الغياب هذا غريب وغير مفهوم. إذ كيف يمكن أن تسكن المدينة من دون عقرب ساعة ثابت؟ وكيف يمكن أن يتوقف كل شيء من دون موعد مقبل أنتظره؟ وكيف أنتظر تغيّر الثبات من دون أن أكون متيقّناً أن الوقت سيمشي لاحقاً؟ زاد من شكّي هذا أن لون النهار كان غير، حتى إني تحفّظت على وصفه بالنهار. ولم يكن ليلاً أيضاً. كان لون الضوء غير، وألوان الأشياء في الساحات غير. كيف يعيش الناس في بلاد الناس على هذا النحو؟ بل هل يعيشون أصلاً؟

وأنا أمشي، اصطدمْت بشيء صلب ووقعْت. ملقىً على الأرض، نظرْت ورائي لأجد حلقة. فقمْت واقتربْت منها وأخذْت أشدّها حتى طار الرمل عنها وبان باب خشبي في الأرض. شدَدْت الحلقة حتى فتحْت الباب ورميْته على مصراعيه إلى الجهة الأخرى محدثاً سحابة من الغبار. رأيْت درجاً تحت. وقفْت متحيراً شكاكاً. أنزل أو لا أنزل؟ نظرْت إلى ظلي ورائي على الأرض وخطوْت إلى الأسفل. درجة، درجتين، ثلاثاً، ثمّ وقفْت عند الرابعة والتفتّ إلى الأعلى لأجد ظلي واقفاً في مكانه. لم يتبعني، بل إنه تراجع إلى الوراء. هرب.

واصلْت خطوي. أخذت أتلمَس الجدار وأنزل. كبطل في قصة أطفال مرسوماً برداءة مفرطة نزلْت. كنغمة نشاز في أغنية عاشت مرة واحد فقط، نزلْت.

لمّا وصلْت إلى الأسفل، وجدتْني في باحة مصنوعة من الخشب. كان الناس مخبوئين هنا في حالة غريبة. معظمهم مضطجع على أربع، لا يستخدم الأرجل، ومكوّم فوق بعض. كأنهم في تلك الحالة التي تفصل الحياة عن الموت. لا هم أحياء، ولا هم أموات. كانوا يصدرون أصواتاً غريبة لا أفهمها. اختلطت جملهم على مسمعي. وإذ أخدتُ أمشي بينهم في رواق خشبي بدا أنه مصنوع خصيصاً لهذه الغاية، أمسكـَتْ يدٌ بكعب رجلي فتوقفْت. وجدت شاباً يافعاً مضطجعاً على الأرض. وسط ضجة كلام الناس الأخرى سمعتُ جملته لي. قال:

  • – هل تخاف عليك أمّك؟

لحظتُها عرفتُ أن أحداً اغتال الوقت، وأن هؤلاء الناس سيموتون عند عودتي. عرفتُ أني أمشي بالعكس، وأرحْت نفسي بالقول إني الآن في حلم. لكن، لم يسعني إلا أن أستغرب عندها: هل باتت الأحلام تأتيني من المستقبل، لا من الماضي؟

* الجملة الأولى في النص من كتاب «ألف ليلة وليلة».
– نشر النص في “شباب السفير”

١- “ساراوند سيستم”

جعلتُ أنظر إلى المشهد من الشرفة. كانت مقدمة السيارة قد تهشّمت بالكامل، وسيارات الإسعاف والشرطة تملأ المكان. تجمّع خلقٌ كثيرون. بعضهم كان يساعد واكتفى آخرون بالتفرج. لكنَّ شيئاً بان غريباً في كل ذلك. لم أستطع تحديده في البداية، ثم ما لبثَتْ الملاحظة أن صعقَتني. كانت الموسيقى تصدح بصوت عالٍ من السيارة المهشّمة. جُرِح من جُرِح ومات من مات فيها، وعاش الراديو صامداً. هذا “ساراوند سيستم” لا يموت، فكّرت وحضن كفّاي كوب القهوة الساخن أكثر.

عاجل:

“وضعْتُ دماً
على وجهي
ليظنوا
أني متّ”.

٢- أغمضَتْ عينيَّ

كان عمري أشهراً، ومرّ والداي بسيارتهما بالحاجز الإسرائيلي على طريق صوفر. أوقفهما أحد الجنود الإسرائيليين. لا أذكر بالطبع ما الذي حدث، لكني أحفظ من قصة أمي التي تكررها على مسمعي دائماً أن الجندي دار حول السيارة، وعلى الأرجح طلب الأوراق أو “تـَنَمْرد” قليلاً، ثمّ وقف عند النافذة المفتوحة قرب أمي وأنا في حضنها، ونظر إليّ. ما أعرفه هو ما أخبرتني به أمي. قالت إنها غطّت لي عينيّ حتى لا أراه، لكني لم أعرف – ولم تقل لي – إن كان الجنديّ لاحظ، وفهم حركتها.

عاجل:

“كنت أرتجف
كثيراً
وخطر لي
أنهم سيلاحظون”.

٣- عام السباغيتي

هاروكي موراكامي كتب قصة قصيرة عن عام كئيب. سأرويها مجدداً باختصار. وضع راوي القصة في غرفته وحيداً. صلته الأساسية بالخارج تلفون ثابت. يأكل كل يوم السباغيتي. خزائن المطبخ ملأى بعلبها. يصحو متأخراً، ولمّا يحن موعد الغداء، يفتح علبة ويسقط محتواها في ماء ساخن، فتتمدد المادة الصّلبة وتلتوي حتى تصبح جاهزة، ثم يضيف إليها الصلصة المعلّبة، ثمّ…
مهلاً. الحكاية ليست هنا.
الرجل معزول، ويبقى هكذا حتى الجزء الأخير، عندما تبدأ القصّة فعليّاً برنين الهاتف الثابت. يتذكر الراوي تلك اللحظة – بعد أشهر – وجود الهاتف، فهو كان قد قطع علاقاته تدريجياً بالآخرين. يرفع السمّاعة بعد تردد، ويجد على الطرف الآخر حبيبة صديقه، تسأله عنه.
“أين هو؟”. يجيبها: “لا أعرف”. “لقد انفصلنا”، تقول. “أها”، يقول راوينا. “أنت مشغول؟”، تسأل الفتاة. “أها. أصنع السباغيتي”. “مشغول بالسباغيتي؟”، تضيف مستغربة. “أها. نعم”. “هل من الممكن أن نتحدث؟”، تُصرّ. “لا، أنا مشغول”. “مشغول بالسباغيتي؟”. “نعم. أحتاج أن أركز”. “حسناً”، تقول الفتاة بعد فترة صمت. “حسناً”، يعقّب هُوَ. “اتصل بي لو قام بالاتصال بك”، تطلب منه. “حسناً”، يقول راوينا.
يقفل الراوي السماعة ويواصل طبخ السباغيتي. يفكر قليلاً في الاتصال الذي خرق إيقاع حياته لكنه لا يلبث أن يواصل أيامه برتابة: يفتح العُلَب نفسها، ويحضِّر الصحن نفسه. ثمّ في مشهد أخير من القصة، يرينا هاروكي حقلاً إيطالياً شاسعاً مملوءاً بسنابل القمح الصفراء التي تموّجها الريح، قبل أن يسأل منهياً بما معناه: “هل تستطيعون أن تتصوّروا كم كان سيُذهل الإيطاليون لو عرفوا أن ما كانوا يصدّرونه ذاك العام كانت الوحدة خالِصةً؟”.

عاجل:

“سرقوا ثلاثة تلفزيونات
وكمبيوتر،
ثمّ استعدّوا
للرحيل”.

٤- حفلة إرغام

يتعلق الأمر بالعنف، أو بقدرتنا – نحن البعيدين عن الأحداث – على “تحمّله”. لا أقصد لا الدم ولا الجسد. تخطينا ذلك منذ زمن، وبات عرض جثثنا ودمنا على الشاشات وفي صحفنا “عادياً”. الأمر غير ذلك. الأمر يتعلق أكثر بهذا التحوّل المفاجئ العنيف في إيقاع حيواتنا. الأعنف من التحول نفسه هو فقداننا للسيطرة. لمّا تختلط عندنا الأخلاق، بالمشاركة، برد الفعل، بالدفاع، بالصّمت. نُرمى في النار من دون أن نختار، ولا نلبث أن نتململ بعد فترة، ونسأل في لحظة شكّ: ما الذي نضيفه هنا؟
نحن في حفلة إرغام، نُرغَم فيها على الإحساس بما لا نود أن نشعره، في الوقت الذي لا ننتقيه. وهو – على صعوبة التحديد – إرغام قد لا يأتي من داخلنا. إنه شيء نعتقد – على الأقل، نعتقد – ينتهكنا من الخارج. وبرغم أننا نؤثّر فيه قليلاً أو حتى لا نؤثِّر فيه، إلا أنه يأبى إلا أن يؤثر فينا. الأمر أشبه بأن يطيح حدث غير متوقّع عادات ظهيْرات العُطَل الأسبوعية، ويمسح كل التفاصيل التي ترفدنا بنوع من الأمان. الاستقرار ليس أن لا يحدث شيء. الاستقرار هو أن نرتاح للإيقاع، حتى ونحن نغامر.
.. وهنا يأتي دور من خُلِقوا فقط لتعنيف إيقاع حيواتنا. فيرموننا في المعركة الوسخة، ويقتلون من نعرفهم ومن لا نعرفهم، ويرفعون من الكلفة، موصلينا إلى تلك الحالة التي يُمسي فيها عناق عادي كفيل بأن يجعلنا ننهار ونجهش بالبكاء، من دون أن نقدر على تحديد السبب.

عاجل:

“لِمَ تسألوني
من هم؟
أنا أعرف
من هم.
كلنا نعرف
من هم”.


* الجمَل العاجلة المقطّعة في نهاية المقاطع هي مقتطفات من شهادة لصبي في الحادية عشرة نجا من مجزرة الحولة، وأدلى بها لصحيفة “الغارديان”، مع إعادة صياغة محدودة.

+++

نشر النص في موقع “شباب السفير”.

« الصفحة السابقةالصفحة التالية «

تابع

احصل على كل تدوينة جديدة تم توصيلها إلى علبة الوارد لديك.

انضم 4,796 متابعون آخرين