Uncategorized


تذكرت اليوم سؤالك الاستنكاري لي قبل أسبوع: “كيف تحولت علاقتنا إلى علاقة خبرية؟”

تذكرت كيف صرتَ تسألني أسئلة مقفلة وأجيب أنا بأسئلة أكثر إقفالاً.

ثق أنَّ الأمور بيننا لا تنتهي ولا تتوقف. هي -فقط- تسقط. ولأكن أكثر صراحة: علاقتنا الآن في حالة سقوط، لكنه سقوط شديد ومريب في سرعته. قبل، كنتُ أثق دائماً أن السقوط هذا سيتوقف قبل بلوغه الأرض، تماماً ككابوسك الشهير. الآن أخاف أن أن أرتطم بالأرض، بل أن أتجاوزها حتى للأسفل.

هناك شيء ما هذه المرة مختلف عن عراكاتنا السابقة.

إسمع. فكرت. لا يجب أن تنتهي الأمور على هذا النحو. أنتَ صفقتَ باب البيت خلفك، بعد أن خرجت، وأخذ الطفل تواً يصيح بشكل جنوني من غرفته المطلية جدرانها باللون الأزرق. هرعت إليه وهمهمتُ له، وغنيتُ له بصوتي البشع -الذي لطالما أثنيتَ عليه- فنام. يقولون أن الأولاد يحبون غناء أمهاتهم، كيفما كان. ربما هذا صحيح. فكرت، وقررت: سأعود إلى منزل العائلة.

تستطيع أن تمر متى شئت لتصطحب الولد. تعرف أنني لن أمنعك عنه.

أنا الآن في السيارة في طريقي إلى منزل أهلي. لا أعرف لِمَ أخبرك كل هذا. ربما لأثبت لك أن علاقتنا، في الأزمات، تتملص من خَبَرِيّتها؟ ربما؟

لستُ واثقة.

الولد يتململ في المقعد الخلفي المخصص له. الآن، أنتبه أنها المرة الأولى التي أترك لك رسالة على المجيب الصوتي لخليويّك.

وقف هيثم في الصالة الواسعة، يتأمل ما أحاط به من أثاث: كنبات بنية، أرائك ضخمة، طاولة من الزجاج تتوسط الكنبات، وباركيه فاتح اللون يغطي الأرضية حتى باب الشرفة الألومينيوم. لمح انعكاس وجهه أمامه على زجاج النافذة التي تشرف على مقبرة السوديكو. يكاد لون الورم يختفي، أما الجرح فاندمل قبل يومين. رشف رشفة من كوبه، وشعر بالكافيين يثير في جسمه قشعريرةً استمرت لثوان.

قبل أسبوع، قالت له:

«كنتَ مخمورًا، تتلقفكَ أذرع أناس مخمورين مثلك. رقصْتَ وصرختَ ولم تفارق القنينة الخضراء والكأس يدك. وفيما كنتُ جالسةً إلى البار أنتظر صديقةً وأتابع ما يجري حولي، رأيتُك تأخذ كأسًا من على صينية مارّة. شربتَها دفعةً واحدة وأعدتَها إلى الصينية واتجهتَ نحوي. جلستَ بجانبي من دون أن تستأذن، وافتتحتَ حديثًا بدا لي في تلك اللحظة غير ذي معنى. سألتَني عن أشخاص لا أعرفهم، وتحدثتَ معي في المعادلات الرياضية، والاحتمالات، ونسبة الخطأ المقبولة في عالم الرياضيات.

ثمَّ، وقبل أن أشرع بالإجابة عن أسئلتك التي لم أفهم معظمها، شددتَ ذراعي مخترقًا كل الحشد الراقص ووجدتُني معك بعد دقائق في الشارع. لا أعرف كيف، ولا تسألني مزيدًا. أخذنا نخترق أرتال السيارات المزدحمة حول الفنادق التي توزعت على جانبي ذلك الشارع العريض، في منطقة عين المريسة. بالنسبة لمنتصف ليل، كانت الزحمة خانقة. عرفتُ في اليوم التالي أن كرنفالاً ما كان مقامًا على رصيف الكورنيش البحري القريب.

كنتَ مندفعًا تجرّني وراءك. شعرتُ بالخجل أكثر من مرة: امرأة يجرّها ولد. لا تزعل مني إن اختصرْتُ كل ما حدث تلك الليلة بهذه الجملة. هي فعلاً تعكس حقيقة ما حصل. أنا لا أذهب عادةً إلى مثل هذه الحفلات. لستُ اجتماعيةً بهذا القدر. تلك الليلة كانت استثناء. دعيتُ من قبل صديقة. أصرَّت علي، وانتهى بي الأمر مغادرةً – قبل أن أراها- معك! لكأنّ كل شيء كان يمشي وفق خطة مرسومة.

ستسألني: لماذا لم أتملَّص أو أصرخ أو أفعل أي حركة تخلصني من قبضة يدك؟ لا أعرف لِمَ طاوعتك. ربما طمأنتني طريقة تصرفك. شيء ما في داخلي كان يقول لي إنك لستَ مخيفًا. أعذرني إن كنتُ أطلق أحكامًا عليك. أنت أردتَ أن تعرف كل ما حصل، وأنا أستعيد معك كل التفاصيل.

كنتَ ضائعًا. تقول لي: «تعالي»، وتتقدم. ثم تتوقف للحظات، ناظرًا حولك كمن أضاع طريقًا وأراد إعادة استكشافها. ثم تعيد «تعالي»، وتندفع، قبل أن تتوقف لتنظر حولك من جديد.

اخترقنا صفوف السيارات بصعوبة، عدة مرات. كانت أصوات أبواقها تصم الآذان. وفي مرة، تقدم سائق معيقًا المرور بين سيارتين، فما كان منك إلا أن صعدتَ على مقدمة سيارته، ووقفتَ تغبّ ما تبقى من شراب في قنينتك الخضراء. كنتَ قد أفلتَّ يدي. ثم التفتَّ إليّ ودعوتَني بحركة من يدك. «تعالي» تحولت «اطلعي». قطعًا، لم أكن لأفعل.

جنّ جنون السائق. ترجّل وهو يشتمك ويدعوك للنزول، فلم تمتثل. أجبتَه كمن يحاور خيالاً: «إنت اطلع». اجتمع الناس للفرجة، فيما أنت مشغول بالقنينة وبدندنة أغنية مصرية قديمة لم أكن قد سمعتها قبلاً. دعاك السائق للنزول مرة أخرى. لم تجبه. لم تكن تسمعه، بل لم تكن تريد أن تسمعه. استشاط غضبًا مع تجاهلك له. صارت شتائمه أقذع. تجمّع حولكما شبّان يحولون بينكما، وأنت تنظر فلا تفهم ما يجري، حتى أخذتَ تضحك. كانت قبضة السائق الستيني أكثر إصرارًا من قدرة الشباب على الفصل بينكما، فإذا بك بين يديه، فيما الشباب يحاولون إبعاده عنك. لكمة، ولكمتان، ودم سائل على الأسفلت، كانت كافية لكي يستولي عليّ شعوران بوجهتين متضادتين: الهلع عليك والإحساس بالذنب لإذعاني لك.

بعد أن حملك الشبّان وأبعدوك عن الرجل الذي أقلع بسيارته في الطريق التي انفتحت أمامه، متابعًا السبّ، أصابني الجمود. ها أنا مع شاب ملقىً على الأرض، والدم يسيل من وجهه، فماذا أفعل؟ كنتُ كمن استيقظ لتوه على مفاجأة، بعد نوم عميق. على الفور، اتصلتُ بسائقي الذي كان على مقربة، فترك السيارة مركونة على الرصيف وأتاني مهرولاً إذ أحسّ بهلعي. تساعد هو وبعض الشبان على حملك، وتبعتُهم أنا حتى مدّدوك في المقعد الخلفي للمرسيدس. هل حدث كل هذا تلك الليلة؟ في نصف ساعة؟ عندما أستعيد ما حصل، أكاد لا أصدق أني مررتُ بكل ذلك ما إن قررتُ أن أشارك في سهرة «اجتماعية». ما الذي أتى بي إلى هذه السهرة!! لكأنني نلتُ «عقابي» على خطوتي غير الاحترازية تلك. خطر لي ذلك أكثر من مرة، أثناء نقلك إلى منزلك، لكنني لن أطيل عليك بتفاصيل خاصة بي لا تهمك.

بين صحوك وفقدان وعيك في السيارة، كنتَ تهمس بجمل غير مفهومة. «وين بيتـَك؟»، سألتُك أكثر من مرة. جاءتني إجاباتك كلماتٍ غير مترابطة، إلى أن ذكرت محل السمانة أسفل بيتك. «حافظ راس بيروت عن الغيب»، قال سائقي، موضحًا أنه يعرف ناطور تلك البناية، وسيتحقق من كونك تسكن إحدى شققها.

حاولتُ تضميد جرحك السطحي بالشاش والسبيرتو اللذين أحضرناهما من صيدلية على طريقنا، صرختَ ما إن لمس المطهّر جرحك، فتوقفتُ عن تضميدك. ظللتَ تصحو وتنام، حتى ونحن نحملك إلى شقتك في بنايتك التي لا تحوي مصعدًا ولم يصحُ ناطورها على جلبة دخولنا. ذراعك اليمنى على كتف السائق واليسرى على كتفي. درجات مكسورة كادت توقعنا أكثر من مرة، تحت ثقل وزنك. عندما وصلنا إلى الطابق الذي ذكرتَ رقمه وأنت نصف واعٍ، وجدنا شقتين. كنا أمام احتمالين، أحدهما مصيب والآخر قد يتسبّب لنا بفضيحة. دسست يدي في جيب بنطالك وأخرجت المفتاح. شيء ما قال لي إن الشقة الغربيّة هي شقتك. فباب الشقة الشرقية كان يفصح عن اهتمام عائلي: دواسة نظيفة على الأرض و«God bless our sweet home» معلقة فوق الباب. أدرت المفتاح في قفل الباب، فانفتح مظهرًا شقتك الصغيرة»…

وصفت يمنى ما حدث لهيثم وهي جالسة في شقته، على كرسي المكتب، معطيةً ظهرها لستارة النافذة. أشارت له أكثر من مرة إلى أماكن في الشقة: «هنا كدتَ تقع وأنت مغمىً عليك. وهناك، عند باب الخزانة المفتوح، رميتُ حذاءك الذي ساعدتك في خلعه. وعلى طرف هذا السرير حيث تجلس الآن، وضعَك السائق. وأنت مستلقٍ هنا، سحبتُ الخليوي من جيبك واتصلت برقمي لأحصل على رقم هاتفك. أردتُ أن أطمئن عليك لاحقًا. في اليوم التالي، كنتُ أفكر بالاتصال بك، لكنك سبقتـَني برسالتك النصية».

هل قالت له كل هذا الكلام بهذه الطريقة؟ بالطبع لا. هو يميل إلى تنظيم أفكاره، إلى إعادة تركيب ذلك المشهد المفقود من ذاكرته، وحديثها، وكل ما حدث له. هو فقط ينظِّف فوضى رأسه بالاستعادة.

تحدَّثت يمنى كثيرًا في لقائهما الأول، واكتفى هو بالاستماع. اللقاء الأول الذي بدأ صامتًا في مقهى «ليناز» آخر شارع الحمرا، انتهى بكلام كثير في شقة هيثم. فبعد سلسلة من الرسائل النصّية التي تبادلاها، هو من كرسيه في الزاوية المعزولة في مكتبة يافث، وهي من مكان ما من شقتها الواسعة في منطقة السوديكو، اتفقا على اللقاء في «ليناز». سيطر الصمت على النصف الأول من اللقاء، فاكتفى الاثنان بارتشاف القهوة وتبادل الابتسامات والأسئلة ذات الإجابات الجاهزة. وعند اقتراب اللقاء الباهت من نهايته، سألها هيثم عمَّ حدث ليلة الجمعة. السؤال الأساسي، مدعاة اللقاء، جاء في النهاية. وقفَت يمنى تدخِّن سيجارة جولواز خارج باب المقهى، لكن هيثم لم يكن ليترك اللقاء عند هذا الحد. «بيتي قريب، منشرب فنجان قهوة تاني»، قال.

وهكذا كان.

مر يومان. صارا يلتقيان ليلاً. بعد قيلولة الساعتين المعتادة التي تلي عودته من الجامعة، ينتظرها عند باب بنايته بثيابه الرياضية، وتمرّ هي بسيارتها المرسيدس التي تقودها بنفسها، فيصعد ويتجهان إلى أحد المطاعم في الحمرا، أو الأشرفية، أو الجميزة.
في اليوم الثالث، اتصلت به وطلبت منه أن يرتدي بزّة رسمية، من دون أن تفصح عن سبب لطلبها هذا. امتثل وانتظرها كالعادة، أسفل البناية. مرت واصطحبته إلى وسط البلد، إلى أحد المطاعم الفاخرة التي لم يكن هيثم ليطأها أبدًا.

أخذ النادل يستعرض أمامهما مزايا لحم «الواغيو» نصف المطهوّ، أصله التاريخي، ما يفرّقه عن لحم البقر «العادي»، وكيفية انتاجه. أصغت يمنى باهتمام، فيما أحس هيثم أنه في حصة مدرسية، أو في دورة ترويجية لمجموعة من المجوهرات «السينييه». كل هذه المحاضرة عن لحم بقر؟ عندما ملَّ مداخلة النادل المخروقة باستفسارات يمنى، سحب علبة السجائر من أمامها، أخرج سيجارة وأشعلها.

فكّر أنه سيسعل عند مجّته الأولى. كان قد فعلها مرة أو مرتين، مراهقًا، ولم يعجبه طعم السيجارة آنذاك. الآن، يعرف أن الأمر يعتمد على نوعية السيجارة نفسها. هو الذي نجا في مراهقته من عادة التدخين، مع مَن مِن أصدقائه دخِّن في تلك المحاولات اليتيمة؟ عندما حاول أن يتذكّر، وجد ألا أصدقاء له ممن يدخن معهم سجائر في حمام المدرسة، أو يتبادل وإياهم صور نساء مقتطعة من المجلات.

سألته: «شو؟ واغيو؟» فأجابها: «متل ما بدّك. واغيو، واغيو».

سألها إن كان قد ردّد اسمًا ما وهو مخمور ليلة العراك، فأجابته بأنها روت ما تذكره من تفاصيل، مضيفةً أنه تكلَّم كثيرًا وهلوس ومن الاستحالة بمكان أن تتذكر كل ما قاله. أخبرته، بما يشبه حركة التعاضد بين ضائعين، أنها سكرت مرة واحدة ضمن شلّة أصدقاء، وألقت قصيدة أندلسية لـ«ابن زيدون». «أضحى التنائي، أتعرفها؟»، قالت، فأجاب بالنفي.

- مقطع من رواية «نابوليتانا» الصادرة عن «دار الآداب» و«محترف كيف تكتب رواية»، وتوقـَّع في معرض بيروت العربي الدولي للكتاب الأربعاء 15 كانون الأول بين الساعة الخامسة والثامنة مساءً



حضوركم يشرفني

Event on Facebook available on this link.

أيقظني كلامكِ لما لمحتـُه مكتوباً في الكتاب الذي نفيتُه على رف المكتبة في خيار مازوشي أكرره دائماً. أعلنتِ كتابةً أنكِ “في مقهى رصيف في شارع الحمرا، تتلصصين على المشاة وعلى المتجر المستحدَث الذي يبيع السلعة التقليدية بـ”نصف سعر الأصلية” وأنك “تشربين فنجان قهوة مرة”، لو شربتُه أنا “لاقشعر” له بدني كله.

استخدمتِ هذا اللفظ تحديداً: “إقشعرّ”.

***

صفحتان، ثم: “أضفتُ السكر إلى فنجان القهوة الثالث. أحتاج أن أتوقف عن شرب القهوة. والسكَّر لطالما نجح في إبعادي عنها حتى.. الظهيرة”.

لذيذٌ هذا الكتاب بتعليقاتِك.

***

الكاتب يحاول أن يبنيَ شخصياته وأنتِ: “أقف أمام “ملك البطاطا”. فايتة اشتري سندويشة”.

تذكرين البطاطا على هامش صفحات رواية، أحداثها تجنح بالشخصيات نحو مصائر دامية! وأنتِ، وبثقةِ غير القارئة لهذا الكتاب على الأرجح، تكملين بملاحظاتكِ: “أحتاج أن أشمّ عطرك الشهير الذي كنتُ أكرهه، ومنعتـُك أكثر من مرة من استخدامه. تعرف؟ أصبحتُ أحبه. كان يشبه رائحة البطيخ”.

الشخصية الأولى أصيبت بالسل، الأخرى خُطِفَتْ، والعقدة تجنح للتعقيد.

***

في الهامش تكمل العبارات: “لن تصدِّق. اليوم، دخلتُ دكان العطور الشهير آخر الحمراء، ورحتُ أطلب من البائعة أن تدعني أشم العطور “الرجاليّة” الأكثر انتشاراً. لم أعرف ماذا أقول لها. أريد عطر البطيخ؟ جعلتـُها تنزِل جميع القوارير من الرفوف ولم أجد غايتي. ساعدَتـْني في البدء لظنها أنها تتعامل مع زبونة “دفـّيعة”. لكني لم أجد الرائحة وخرجْت. كرهـَتـْني طبعاً. لا يهمّني. أنا في الباص الآن. أقطع الشارع المنحدر الذي يوصل الحمراء بالكورنيش. ما اسمه؟ كاراكاس؟”

***

في الرواية من جديد: مع الخاطفين. حوار الضحية والجلاد المتكرر. لِمَ يلجأ الروائيون والسينمائيون دوماً إلى مثل ذلك الحوار المضحك؟ غريب. الرؤوس تُقطَع يومياً من دون سابق إنذار في التقارير وعلى المواقع “الجهاديّة”. تَطبَّع المشهد، ولم يتوقف الجلاد في الكتب عن الشرح المستفيض لضحيته قبل قيامه بالأمر. وبدورها، تفنِّد الضحية لقاتلها المفترَض كل حديثه قبل أن يقتلها أو تتخلص هي منه!

***

في هامشٍ آخر: “فقدْتُ كاتب عمودي الصباحي منذ سنة. لم أغيّر الجريدة. فقدتُ كاتب العمود الثاني منذ ستة أشهر. غيّرت الجريدة. فقدتُ كاتبي المفضّل في جريدتي الجديدة منذ أسبوع. سأشرب القهوة بلا مصاحبة لأي ترويسة صحفيّة. ذاهبة للجامعة. حزينة أنا اليوم. أكرهكَ أيضاً. تحمّلني”.

باتت الرواية سخيفة، لكنّ تعليقاتكِ تستمر. يبدو أنكِ مللتِ من الكتاب أسرع مني فبدأت برصّ يومياتِك في هامش صفحاته.

***

قفزة إلى ما في الهامش الأخير: “دخلتُ اليوم البيت. وقبل أن أخلع ذلك الحذاء البني الذي تكرهه (“معليش، ولا يهمّك. أنا بْحبّو”)، شمَمْتُ رائحتكَ. حسبْـتـُكَ تختبئ في إحدى الزوايا لتفاجئني طامحاً في شتيمة معهودة مني. خطواتي البطيئة الحذِرة أوصلتني إلى الصالون حيث وجدتُ أختي تأكل.. البطيخ! أنا أبكي الآن، وأنا أكرهكَ”.

***

أغلق الكتاب وأشم ساعدي حيث تستظلّ بعضاً من رائحة جسدي. أركز. ماذا؟ بطيخ؟ أشم ثانيةً. فعلاً، بطيخ! هذه الرائحة من الكتاب أم من ساعدي؟

“أنا أملك رائحة البطيخ وأنتِ تأسرين ما تبقّى من كآبة تسعينيات شارع الحمرا. أشعر أنّ الشارع سيتجاهل أي حربٍ قادمة ويستمرّ في كآبته. سيتجاهل محلات الأحذية والمطاعم والمقاهي، ويكتئب أكثر. وسنبقى نحن نكتب الوهم عنه. عذرنا –ربما- أننا نحتاج شارعاً واحداً فقط، لا أكثر. وهذا الشارع –ربما- مثلنا. يمرّ قرب المأساة، فيكتئب، ويتابع حياته. في المأساة يكمل. يستقبل الاعلانات كلها ولا يتأفف. يترك المسلحين المثيرين للغثيان يمشون على أرصفته ولا يتذمر. الشارع مثلنا ونحن مثل الشارع، وهذا لا علاقة له بهراء الوجه-الفاضل-الذي-يجب-أن-تكون-مدينتنا-عليه. فات وقت الهراء، التلفاز والصحف تصدّر لي الأجوبة، وأنا لا أبارح مكاني، أطرح الأسئلة. تعرفين؟ عندما أرى الشوارع هنا، أتيقن أن الحمرا مجرد زاروب من زواريبنا. زاروب تتفرع منه زورايب، تتفرع منه زواريب. نحن نرقي الزاروب لأننا ننق له وينق لنا. نوهمه بالأحسن، ويوهمنا بالأحسن.

ما الأحسن؟ ما المأساة؟ ما الأحسن!؟”

أمسح بكفّيَّ شعري وصولاً إلى رقبتي في حركة سريعة، أرفع القلم للحظة، ثم أنهي الكتابة في هامش إحدى صفحات الكتاب. أقطع الطريق في هذه القرية الانكليزية الباردة، وأدخل المبنى لأعيده لكِ. وتحت واجهة المحل التي تحوي كلمتي: “Post office”، أؤمن بأنّ للبطيخ الكئيب رائحة.

في مجارير بيروت يا هلال، يسبح أكثر من كائن غريب. هل تتصور كل هذه الأسلحة والمواد المشعة التي لا نعرف عنها الكثير؟ لقد طمرتها الميليشيات المتناحرة خلال ثمانينيات القرن الماضي، بالقرب من مصبات المجارير في البحر. فكِّر في إمكانية اختلاط المياه المالحة بالمجارير. مدّ واحد من البحر كفيل بأن يُدخل بعضاً من هذا الماء المالح المشعّ إلى الفتحات تحت اليابسة. هناك أيضاً مواد غريبة عجيبة طمرها المقاتلون في اليابسة، فوق العظام واللحم المدمّى لضحاياهم. كلُّ طمر عظام أعدائه، وفوقها نفاياته وأسلحته. سياراتنا تمشي فوق أسفلت يحوي أجساداً وأسلحة ونفايات. هل تتصور مادة مشعّة، فوق لحم وعظم، ومع ديدان وحشرات قرب منزل لكائنات غير معروفة؟ هل تتصور هذه الكائنات تأكل أو تلمس مواد كهذه؟ إنّ هذا لا يمكن إلا أن يحدث تشوهات وطفرات خَلْقيّة قادمة في جنس الكائنات غير المعروفة هذه. لا تضحك. أنا لا أخترع شيئاً. كل هذه الفرضيات سبق أن كتبها وصوَّرها سينمائيون غيري.

والآن ماذا؟ أرغب بجعة محلية الصنع. ربما ألمازة. (هل هناك غيرها؟) أملك عدة قناني من تلك الخاصة بالإصدار الخامس والسبعين في براد المطبخ. يا زلمي، أكثر ما أحب فعله لدى شربي قنينة البيرة هو نزع الملصقات عنها. الآن، وأنا أنظر إلى الإصدار الخاص الخامس والسبعين من القنينة أوقف نفسي عن ذلك الفعل وأنتبه. هذه صور قديمة على البيرة. أنا أشرب قنينة مماثلة للتي كان يشربها آباؤنا. أشعر أني أمام تاريخ.. في قنينة. إشرب، إشرب. سنشرب من هذه القناني الخضراء، ونرميها على الشاطئ. سنتخيّل كائنات مخاطرة غريبة تهرع لشرب ما تبقى من جعة.

“نتخيل”؟ هل استخدمت الفعل الصحيح؟

أعرف أنك ستفرغ كل هذه التسجيلات فيما بعد. أنك ستعيد كتابة أحاديثنا مرة أخرى، بطريقتك الأدبية. وهذه المرة، ستضيف علامات الوقف في أمكنتها المناسبة، بعكسي. ستعيد وتؤخّر، وقد تمزج بين كلامي، وقصص الكائنات، وتتلاعب زمنياً بكل هذا. أعرف. أعرف أنك ستحذف الكثير، وقد تضحك عندما تعيد الاستماع لأحاديثنا. وستظن أني أكذب. وقد أكون كذبت عليك في مطارح أساسية من الحكاية فقط لدواعي التجميل وشدشدة الحبكة. لكن عذري أنّ تاريخاً وخيالاً (؟) كهذا لا يجب أن يخرج في حكاية مرتخية سقيمة نثقلها بدواعي الحكمة التي ستضيفها أنت غالباً على الحكاية أيها الكاتب الكلاسيكي حدَّ الملل.

تضحك؟

إسمع. قصدت، سجِّل. أنا لا أعرف مثلك أن أكتب رواية. لا أعرف كيف أصيغ كلماتي على نحو صحيح. أرتكب الكثير من الأخطاء الإملائية والقواعديّة. لا أعرف مثلاً كيفية استخدام الحركات ولا أدوات الوقف. أترك كل الكلمات تسبح بلا حركات، وأستعيض عن أدوات الوقف جميعها بالنقاط. هل تتخيل نقطة مكان علامة استفهام وتعجب؟ هل تتخيل فاصلة بدل نقطة؟ هل تتصور كل تلك اللا مبالاة الظاهرة في النص؟ يا هلال، أنا لا أكتب رواية. أنا فقط أعصر ذاكرتي لك. لم أفلح يوماً في كتابة يوميات، فكيف أكتب رواية؟ أنا فقط أتذكر لك ومعك.

عندما رأيتُ المسلحين يدخلون الشارع، ويصلون قرب المقهى، ركضْتُ لأختبئ في مبنى قريب. لم أعرف أنّهم سيتجهون لهذا المبنى تحديداً.

(الآن)

الآن، أروي كل شيء للمرة الأولى. أكلِّم نفسي، وأثبِّت المشاهد في عقلي. أحاول استعادة التفاصيل كي أفرّغها على الشاشة. الآن، أستعيد كل ما حدث. لكن هل يعني هذا بالضرورة أني نجوت؟ ماذا لو كتبتُ كل هذا بعد إصابتي بعاهة؟ بترت يدي أو رجلي، أو أصبت في قدمي مثلاً أو تركت رصاصة ما ندبةً لن تُمحى على جزء حميم من جسد؟ ثم ماذا لو كان غيري يصوغ الآن بلساني، وماذا لو كان يضيف أجزاءً متخيَّلة؟ وماذا لو كنت أكتب ما حدث من حيث أتواجد في حياتي الأخرى؟

(نحن لا نذكر أسماء الأموات)

تحدَّث بالعامية طبعاً. لكني سأجعله يتكلم الفصحى. “إن في ذلك إستلاب أكثر”، أفكر ولا أضحك.

قال: “إنهم يهربون كالعصافير”. ضحك، وبانت أسنانه. كانت بيضاء.

ربَّت على كتف زميله الصغير في السن مستطرداً: “أنت لم تكن في تلك الحرب. ما نفعله اليوم لعب ولاد. تمرين.”

جلس على تنكة خضراء كتب عليها “البقرة الحلوب”.

“أنا لا أنتقم من موتاي. من ذهب قد ذهب. أنا فقط اشتقت”.

“ما هذا؟ ألا ننتقم لشهدائنا إذاً؟” سأل صغير السن.

“انسَ الأموات. لا تذكر أسماءهم.” أجاب، ثم قام يتمشى.

“نحن لا نذكر الأموات، على الأقل ليس الآن، وليس هنا. أنظر هذه الآر بي جي. تلمّسها. يا الله ما أجمل ملمسها. سبحانك يا الله. سبحان العقل البشري”، أضاف، واقترب أكثر من حيث أختبئ.

(أنا خائف)

لديَّ اعتراف. كدْتُ أن أبوِّل على نفسي وأنا أرى المسلَّح يقترب من حيث أختبئ.

لديَّ اعتراف. خفت على كل الأشياء التي سأفوّتها ما إن يقترب ذلك المسلّح مني، ويشدني من ياقة قميصي، ويرفع بوجهه فوهة الكلاشينكوف، ويصرخ، فأتأتئ، فيصرخ، فأتأتئ، وأبوّل على نفسي، ومن ثم يعقد حاجبيه أكثر، ويطلق النار طارشاً ما في دماغي من دم ونخاع على الحائط.

بقي الكثير لأفعله. الروايات التي لم أقرأها والحب الذي لم أجربه بعد والطعام الذي لم أتذوقه، والمدن التي لم أزرها، وأفكاري الفانتازمية التي كنت أشتغل عليها مع محللي النفسي ولم أضعها موضع التنفيذ قط، واللغة اليابانية التي لم أتعلمها بعد، والأولاد الذين كلما ابتسموا في وجهي ألتفت بعيداً عنهم ولا أعانقهم.

لو رأيتُ ولداً الآن، لعانقته. لا. لبقبشتُه. لا. لحملتُه على كتفي ودرتُ به يضربني الهذر. أريد أن أشرب ماءً. لا. أريد قنينة بيرة خضراء اللون لأضعها أمامي وآخذ أشربها، ثم أمزق الملصقات عليها شيئاً فشيئا من دون أن أنزعها كلياً، وأنا أتابع الشرب!

أغمض عينيَّ، أعقد أصابعي. آخذ أتمتم بأرقام متعاقبة، وأنا أنتظر. سواد. صمت. صوت خطوات تقترب. 21، 22، 23… عليَّ أن أحلم.

(حلمت: أنا وهي على الدراجة النارية)

على دراجة نارية واحدة إنطلقنا. أنا في المقدمة وهي خلفي. أنا أقود وهي تشبك ذراعيها حول خصري. ساعداها يضغطان على بطني أكثر عند كل منعطف. تطير الدراجة فوق الخراب. لا نرى المسلّحين، لكننا نشمّ روائحهم المختلطة بالبارود ودهان الشعارات الطازج على الحيطان.

تحفر الدراجة طريقها بين قوافل الجرذان والحشرات، تفسح الحيوانات الطريق لنا، وتقفز الدراجة فوق المطبات الرملية وبقايا الخشب والدواليب المشتعلة.

هنا، وقف مسلّح قبل قليل. أستطيع رؤية آثار جزمته المغروسة في بقايا الطين.

من هنا، مرَّ بعض الفارين. أرى بقايا سندويش قد يكون سقط من طفل، ولا أستطيع تبين محتواه.

المحيط صامت إلا من همهماتي، وهمهماتها. المحيط صامتٌ، صامت.

ثم تتكلم هي فجأة. تسخر من ذاك الفيلم الشهير وهي تتمسَّك بي جزعة. “أنا ملكة العالم”، تصرخ. تضحك بهستيريا وأرافقها الضحك.

يتعالى الضحك الهستيري فنتأكد من تعاظم الصوت أنَّ أحداً غيرنا يشاركنا القهقهات. في تلك اللحظة، يمر مسلّح في سيارة دفع رباعي بالقرب منا، ويطلق النار في الهواء ابتهاجاً، ويصرخ. ثم يأتي آخرون من الجانب الآخر في سيارات أخرى. نصير في منطقة عصابات. يتباطأ المشهد عندي، وتتعاظم ضحكات المسلَّحين حتى تستولي على كل الأصوات. أرى الرصاصات تفرّ من المشط فارغة وتتناثر على الطريق حولنا من دون أن تصدر أي صوت.

ثم تعود الحياة إلى سرعتها الطبيعية بعد ثوان ما إن يتخطونا. أجدها تتمسك بي أكثر، أطمئنها أن المسلّحين جزء من لا وعيي، لكني أعرف أن الحلم انتهى، فلا أتمادى، وأفقش بإصبعي يديَّ اليمنى، ليختفيَ كل شيء.

(فلنلمّ الرصاصات)

نظرَتْ إليّ الفتاة. مدَّت يدها، وقالت لي: “راحوا… اضهار”.

توقعقتُ في زاويتي لدقيقة، أتلمّس أجزاء من جسدي. تفحَّصتُ كل جسمي بالنظر، ثم باللمس الكثيف، ونظرتُ إليها. بدورها، بادلتني النظرات. تحرّكت قليلاً ناحيتها مستجيباً، فأعماني الضوء وراءها. كنت كلما تقدمت، أحسست أن عمايَ يزداد، لكني واصلت الخطى حتى وجدت نفسي في الخارج.

كان الشارع فارغاً من الناس. وحدها الفتاة كانت هناك. تنحني، تلمّ رصاصة، تضعها في كفها، وتباشر عيناها البحث عن رصاصة أخرى على رصيف مقابل.

سمعْتُ صوتاً من بيت أرضي كنت أتكئ إلى شباكه: “فلّوا؟”، سأل الصوت.

من النافذة، بانت لي عجوز في السرير. أغلب الظن أنها مقعدة، فكرت. سريرها تحت النافذة. مقدمته تحت النافذة، طرفه الآخر في اتجاه الحائط. رأسها لجهة النافذة، ورجلاها ناحية الحائط المواجه.

“إيه ، فلّو يا.. إمي. فلّو.”، أجبتها.

سمعْتُ صراخاً، حولْتُ نظري  إلى الشارع من دون أن أتحرك، لأجد الفتاة إياها تهلِّل بجنون فوق بقايا الرصيف، مع مواصلة جمعها للرصاصات المرمية. فكّرت: هل ستضع تلك الرصاصات في ألبوم، تذيِّلها بأقوال لبعض الكتاب أو بمقتطفات من الشعر المجهول؟

تغيرت صورة الفتاة عندي. لم تعد تلك التي مدّت لي يدها قبل قليل. تحولت أمامي  فجأة إلى زومبي ميت يمشي ويقتات من البقايا. ماذا حصل؟ ولماذا تبتهج؟ هل هي مع أحد أطراف النزاع، أم أنها فقط جنّت لمدة محدودة؟ لا أجد أجوبة لأسئلتي، ولا يساعدني تحديقها الصامت فيّ، قبل أن تتابع طريقها كأنَّ شيئاً لم يحدث.

كان وابل الأسئلة يمطر رأسي بصداع مستحكم: كم بقيتُ محتجزاً في ذاك المكان؟ ليلة؟ أكثر؟ أقل؟

انتبهتُ، وأنا واقف، أن بنطالي يلتصق بفخذي الأيمن. أحنيتُ نظري. وجدت القماش في ذلك المطرح أكثر دكونة. لقد بولتُ على نفسي خلال نومي. هل حصل ذلك لحظة مر المسلّح بجانب دراجتي؟

خطوتُ خطوتين، واتجهت ناحية بيت العجوز.

(في بيت المرأة العجوز)

دلتني بإصبعها إلى الغاز. فتحتُ الخزائن فوق المجلى. وجدْتُ لها ظرفَيْ حساء من هذا الذي يذوب سريعاً في الماء. حضرْتُ لها حساءً. بكيتُ من غير أن أعرف السبب، لكني تفاديتُ أن يسقط دمعي في الوعاء. استغرق تحضير الحساء عشر دقائق. سكبتُه في صحن غميق، ووضعته على صينية مع ملعقة ورجعتُ به إلى سرير العجوز. شكرتني وطلبت مني أن أضعه على الطاولة المدولبة المخصَّصة وأن أقربها ناحيتها. فعلت، وهممتُ أن أرفع الملعقة إلى فمها، لكنها أخذتها مني وأخذت تأكل بنفسها.

“ليش كنت عم تبكي يا ابني؟”، سألتني وهي تنظر إلى وجهي.

لم أجب.

توقفَت عن الأكل. طلبت مني أن أفتح الخزانة، فنفذتُ رغبتها. أشارت إليَّ أن أسحب بنطلوناً وقميصاً. فعلت وعدتُ ناحيتها بهما.

“هاو تياب ابني قبل ما يقتلوه. فيك تلبسهن”، قالت.

“فوت تحمم، وغير تيابك”، تابعت مؤكدة وهي تشير لي إلى الحمام.

(كلما اتسعت البقعة)

وقفتُ أمام المرآة. لم أرَ إلا الهالات التي أحاطت بعينيّ. بدا منظري مريعاً. أنا نفسي جفلتُ لرؤية كهذه. خطر لي أني كبرْتُ فجأة. فجأة؟ في دقائق خمس؟

صرت أرى ما بقي من القميص مجعلكاً أكثر. وجدتُ المرآة تتسّخ أمام ناظري. لمحتُ قرون استشعار الصراصير تخرج من فجوة البالوعة في زاوية الحمام. حدّقتُ بقطع البويا المتساقطة في سقف الحمام، وبالبانيو الأبيض المصفرّ، وبالستارة النايلون الرطبة، وتابعتُ سرب النمل الماشي على المعجون الذي يغلق الفجوات في الخط الفاصل بين بلاط الأرضية وبويا الحائط.

صار المالح يسيل من عيني، وأنا أنظر إلى الملابس التي علقتها لدى دخولي الحمام. بدأ الأمر برؤيتي لبقعة دم واحدة في وسط الثياب الداكنة، وما لبثت الثياب أن تلوّنت بكاملها. ثم أخذت تقطر دماً سرعان ما وجد طريقه إلى فجوة البالوعة القريبة قرب قدمي.

(“سيجارة 8″)

“الله يرضى عليك”، قالت لي العجوز. أومأُتُ بابتسامة مصطنعة، ولم أجب لفترة، قبل أن أتركها معلناً: “لازم روح هلأ يا ستي. برجع بمرق عليكي بتطمن”.

خرجت ثم سرت وحيداً إلى الرصيف المقابل. كنت كلما مشيتُ أكثر، ثقل رأسي أكثر، حتى وصلت إلى دكان السمانة، ودخلتُه لأشتري علبة مارلبورو أبيض لايت، وتابعتُ الصعود ناحية شقتي.

وهناك، على الشرفة، مججتُ مجة واحدة من سيجارتي الثامنة (في حياتي كلها). دونتً على دفتري القديم ذي الصفحات الفارغة تاريخ اليوم وعبارة “سيجارة 8″.  ثم وضعت الدفتر جانباً، مججت مجة ثانية من السيجارة، ثم ألقيتُها سريعاً في الشارع، ووجدت نفسي أهرع لكرسي الحمام لأفرغ ما في جوفي. تقيأتُ قليلَ ما أكلتُه عند العجوز ذاك النهار، وبعض العصارات.

ثم جلست. فكرت بسيجارتي التاسعة، بتقيؤي المقبل، وبها، وابتسمْتُ.

(الساعِد المنظار)

قلتُ لها: “سآتيكِ بزغلولة!”

نظرتُ إلى السماء، ورأيتُ أسراب الحمام تحوم فوق بيروت. “يا حمام يا مروح بلدك متهني”، سكبت السماعات في أذنيّ. زغاليل، زغاليل فوقي، والأغنية تتابع طنينها في رأسي، حتى كدتُ أرى زغلولةً تهبط على باطن كفي لتلتهم حبّاً لا أعرف من أين أتى.

مرت أسابيع: صرت أنتقل كما الطائر الذي يلحق الفتات على سطوح البنايات. حفظتُ أصوات صفرات كشاشي الحمام. أبو أحمد الكشاش صار يشتمني من البناية المجاورة.

أعرف أني ذات يوم سأعيش قرب الحمام الجاثم على أحد السطوح هنا، وسأنظر إلى تحت، حيث تحترق المدينة من دون توقف، فلا أحرك ساكناً، بل أدخن سيجارة. ما يكون رقم تلك السيجارة عندها؟ وهل أكون اعتدت التدخين فلا أعود أتقيأ؟ وستكون هي معي في تلك اللحظة، تهتم بزغلولتها؟

سأقول لها: أنظري إلى المدينة من هنا. أمد ذراعها وأنا أحضنها من الخلف، فأتحكم بالاتجاه الذي يشير إليه ساعدها الممدود. ذراعانا ستعملان كمنظار. أضغط على ساعدها متجهاً للجهة الأخرى. ندور نصف استدارة. ساعدي وساعدها يصيران واحداً. ندور ببطء وأقول لها:

“انظري. هنا سيقتل الشيعة والسنة بعضهم ذات يوم. وهنا سيذبح المسيحيون بعضهم. وهنا في هذه البيوت الفقيرة الواطئة، حول الأبراج، سيتعارك العمال الأجانب ويقطعون أوردة أعناق بعضهم بالسكاكين لتحصيل أموال بعضهم القليلة أصلاً. سترين بعدها غيماً من الدخان الأسود هنا، وهنا، وهناك، وأيضاً هنا. الحريق تحت، والغيم يصعد نحو السماء ويمشي ببطء حتى يغطي المدينة بأكملها. ثم ستمطر فوقنا مطراً صيفياً غريباً. فتغسل بعض الحرائق من دون أن تخمد أكثرها، وتذهب بدم الشارع إلى مجاريره”.

لن تنطق بكلمة. ستغمض عينيها أحياناً، وتنظر مباشرةً في عيني أحياناً أخرى، لكنها لن تنظر قط إلى حيث يؤشَّر ساعدانا. لكأن المحيط لا يعنيها، أو لكأنها تخاف هذا الارتفاع فتتجاهله. لكأنها لا ترى البيوت وأسلاك الكهرباء تغزو الارتفاع الذي يفصلنا عن البيوت.

أنظر إليها، ثم أنظر وراءها. في أفق المشهد أرى سلسلة الجبال الغربية، وأكتشف أن الثلج لم يذب بعد.

(الأحداث)

لديّ مقابلة تلفزيونية بعد ساعة. فيها، سأقرأ قصتي القصيرة الجديدة رغم أني لم أنه تأليفها بعد. لا بأس، قلت. سأتابع كتابتها على الطريق. ظللت لساعة أكتب مقاطع غير مترابطة لم تضف كثيراً للقصة الأم. بدت المقاطع انعكاساً لارتباكي الشخصي الذي تفاقم عندما اختفت هي من الشقة من دون أن تترك أثراً. بعد محاولات، قررت أن أتوقف عن الكتابة، ضببتُ كمبيوتري الصغير جداً في الحقيبة وترجلتُ من السرفيس ماشياً باتجاه مبنى القناة. بقي رأسي ضاجاً بالتفاصيل. فوجئت بالجرذان تهطل من معطفي. ركضتُ وتابعتُ افراغ الحمولة بلا اهتمام. نظرت إلي الجرذان قبل أن تمضي كأنها تشكرني على تحريرها. خيَّل إليّ أن وجوهها تشبه وجوه أناس أعرفهم. عندما وصلت الاستديو وجلست على الكرسي أمام المذيع خيَّل إلي أنه يمتلك رأس أحد الجرذان إياها.

فكرتُ أني لست جاهزاً. عزمت أنه لو سألني عن الأحداث لتجاهلت سؤاله، ولو استدرجني إلى موقف وطني رخيص لأبَيْت مجاراته. كنت أكرر في عقلي أن الأمر ممل، ولا يستحق، ومعاد، ويحصل كل عام. هذه أحداث فقط. ليست حرباً. أخذت أقنع نفسي أن الأحداث هي المدينة واقفةً عند الحافة، تقفز فينطلق العداد وتتراكم آملاً في صناعة حرب، وفي كل مرة تفشل في صناعة الحرب إياها كما فشلت دائماً في كل الأشياء فيما عدا الانتظار. أكدتُ لنفسي وأنا أشرب من كوب الماء التي وضعه أمامي العامل أنّ الأحداث لعب ولاد، واثبات هويات. أنها حتى لو كانت حرباً حقاً، فهي لا تستحق مني التعليق. ألا يكفي أني أكتب عنها كل يوم؟  لحظتها خطر لي: ألا يجدر بيّ أن أتوقف عن كتابتها، وأن أشرع بكتابة شيء هلامي يسرقه المراهقون من على رفوف المكتبات؟

تباً، كيف أوقف كل هذا التتالي في الأفكار؟ كيف أوقف فيض الخيال هذا؟  متى تتوقف الجرذان عن الهطول من معطفي؟ هل أكون تحولت إلى جرذ في شاشات المشاهدين؟ ابتسم لي رأس الجرذ قربي وبدأ مقدمته. من مقعدي، لم أسمع من مقدمته إلا كلمة واحدة تتكرر بلا توقف. كلمة كبيرة لا أذكرها الآن. حاولتُ تلمس وجهي لأتأكد إن كان لا يزال على حاله، ثم فكرت بها، وبحياتي الدائرية المقفلة. هل تشاهدني الآن؟ هل ستفكر كما قرائي المجهولين لحظة يلتقون بي وجهاً لوجه للمرة الأولى؟ هل ستقول من مكانها على الكنبة: “لم أحسبك هكذا”؟

رأيت المذيع ينحني مربتاً على ساعدي سائلاً: “هل أنت بخير؟”.

أومأت مبتسماً بالإيجاب. أعاد الجرذ طرح السؤال، فارتكبتُ كعادتي الإجابة الوطنية الرخيصة ذاتها.

كارتون في الطائرة

“رسم الكارتون كان يرضيني أكثر، عندما كنتُ أكره عملي النهاري”.

أنظر إلى العبارة المخطوطة على قفا حذائي، وأتذكر أني اشتريت هذا الحذاء البني العادي جداً من أجل هذه العبارة تحديداً، رغم أن أحداً لن ينتبه لها إلا بعد التدقيق في قفا إحدى الفردتين.

الكل حولي نائم. فلأعيد الكتابة: باستثناء الرجل الأميركي الضخم الذي يجلس إلى يساري، فـ”الكل” فعلاً مستغرق في النوم.

استيقظت للتو، ولسبب ما، رفعتُ رجلي اليسرى ووضعتها على رجلي اليمنى. اعتذرت من جاري الضخم لأن ركبتي اليسرى لمست جانبه الأيمن، لكنه لم يرد. كان مشغولاً. يلعب التنس بترقيص أنامله على شاشة الآي-باد خاصته، وكدت أنا أعود برأسي إلى الوراء ما إن قذف غريمه في الشاشة الطابة ناحيته للمرة الأولى. خُيِّل لي أن الطابة ستخرج من الزجاج الأملس، وتستقر في  فمي خالقةً جواً من الإحراج، ما بْيـِفْهَم.

ربما لا يجدر بي استخدام هذا المصطلح قبل أن أشرح دلالته، لكني سأغامر، وأعود إلى شرح “ما بيفهم” لاحقاً، وقد لا أشرحه البتة، لكني أحسب أن القارئ العربي الذي لا يفقه بعض التراكيب اللغوية المحلية، سيتحمل بعضاً من الغموض اللغوي العابر الذي لن يخلق لديه تلبكاً معوياً.

الواضح من المقطع أعلاه أني لا أصادق الكرات. لكن، ولسخافة الصدف، فإن عبارات مفترق الطرق في حياتي غالباً ما احتوت على “طابات”.

فأنا لا زلتُُ أذكر تلك العبارة التي لا تزال تؤرقني حتى الآن: “الكرة في ملعبك”.

إذ قطعتُ صلاتي مع صديق لأنه جزم لي: “قرر، الكرة بملعبك”. إخترت أن أترك له ملعبي، وتالياً الطابة.

واختفيت عن حبيبة، وأنا دائماً ما أختفي، لحظة قالت لي: “الطابة عندك، حبيبي”.

ما هذا الملعب الذي لا يتواجد أحدٌ، إلا أنا، فيه؟

ربما أحمّل الأمور ما لا تحتمل، ولعلي أحظى بلحظات مغرِقة في التحليل الزائد غير المنطقي في السماء فوق المحيط (أي محيط هذا؟)، وأنا في طريقي إلى وادي السيليكون في سان خوسيه بكاليفورنيا.

لكنَّ المؤكد أن القصة ليست هنا، وربما ليس من قصة أصلاً. ورغم ذلك، فأني أعدكم بمحاولة البحث عن واحدة. إحساس ما يقول لي إن الحكايا كثيرة، وإنها لا تنتهي، وبعكس الرأي السائد، لا تكرر نفسها. وأنا لحظة أخط إحساسي هذا في عبارة على شاشة الكمبيوتر، أميل إلى فكرة أن القصص قد تكون مخبوءة في مكان ما، وربما يجدر عليّ التدقيق أكثر، لأخطّ بعدها القصة في مكانٍ أكثر عرضاً للعامة.

(يضحكني لفظ “العامة”).

فقد تكون القصة –مثلاً- تلم الغبارعلى قفا حذاء، من دون أن ينتبه لها أحد.

“ما بيفهم”. فعلاً، ما بيفهم.

التدوين في الزمن الحقيقي

مضى شهر قبل بدئي بالكتابة. كانت الفكرة السابقة تتلخص بكتابة يوميات عن وادي السيليكون الذي سأعيش فيه وأعمل في إحدى شركاته، وأن أقوم بكتابة هذه اليوميات يوماً إثر يوم.  شيء يشبه سطور “تويتر”  وغيرها من الكتابة في الزمن الحقيقي.

هكذا تترجَم العبارة إلى العربية  حرفياً وبعيداً عن التوضيب.Real time blogging تصبح: “التدوين في الزمن الحقيقي”.

بعد إعادة تفكير، أتذكر أني لطالما ظننت، بل ووثقت، أن الزمن الحقيقي غير مضبوط الإيقاع، وأنه يسرع ويبطئ بحسب استقبالنا لأحداثه، أو لا أحداثه. لكنني أصلاً أبحث عن قصتي. بعبارة أخرى، أنا أبحث عن إيقاعي الخاص، فهل أضيف إلى ضياعي هذا، تجريبية وخراب الزمن الحقيقي؟

لعلي لستُ أصلاً في هذا الزمن الحقيقي أصلاً لأدوّن عنه؟ مجدداً، من أين أبدأ؟

سأغامر وأبدأ من أكثر الزوايا تقليدية، من الزمن اللاحقيقي الذي كان لعقود، على ما يبدو، حقيقياً؟

RT @hilalchouman في البدء كانت رقاقة

هكذا أعاد أحد أصدقائي توترة أحد رسائلي على موقع تويتر. أصل العبارة كما هو معروف لدى كثيرين، هو: “في البدء كانت الكلمة”.

وعلى سيرة الكلمة، الرئيس الروسي ميدفيديف كان البارحة هنا، في الوادي. زار مكاتب شركة “تويتر”، وأنشأ حسابه الخاص على الموقع الشهير، و”زقزق” للمرة الأولى: “مرحباً! أنا على تويتر، وهذه رسالتي الأولى”، كتب بالروسية.

وأنا إذ أفكر، وأقرأ أكوام الأوراق المبعثرة حولي، أحلم فيها بذلك المجتمع السيبيري الكامل الذي يحصل فيه مستخدموه على هويات محددة تعرّف عنهم، بذلك المجتمع السيبيري الذي يعرِّف فيه الفرد عن نفسه بنفسه بعيداً عن تعريفات المجتمعات الطاغية، والأفكار الدينية الاقصائية والوطانويات الرديئة.

شهيق، زفير. في الأعلى بقايا من أفكار التربية الحسنة التي حظيت بها كشاب نشأ في عائلة لبنانية متوسطة الحال حاولت قدر الإمكان إبعاد ابنها عن عنف الحرب وعاداتها.

شهيق، زفير. المأساة واستعطاف القارئ لا تنفع. عليَّ فعلاً أن أتوقف عن الإغراق في حملة كليشيهات تشبه تصاريح المتسابقات في الجولة النهائية من احتفالات ملكات الجمال حول العالم.

فلأعد للموضوع الأساس: ما هو وادي السيليكون؟

باختصار، يقول أحدهم على الانترنت معرفاً: “وادي السيليكون، هو المكان الوحيد على الأرض الذي لا يجرب أن يبحث عن طريقة تجعله وادياً للسيليكون”.

وأعتقد، أعزائي القراء، أنكم تستطيعون استخدام العبارة أعلاه لتعرّفوا لأولادكم “الثقة” في جملة.

مسؤولية أمام الباب الحديدي الأسود

فلأبدأ من اللحظة التي وصلت إليها إلى المبنى الذي من المفترض أن أقيم فيه لستة أشهر قادمة. وقفتُ عند باب المدخل الحديدي الأسود. تركت الشنطتين، لأخرج المفتاح من المظروف الذي أُعطيَ لي ووضعته سابقاً في جيبي. ضغطت على زر المصعد. وقعت شنطة، فهرعتُ لأوقفها متذكراً أنها تحوي بعض الأشياء الزجاجية داخلها. أسندتُها إلى الباب الحديدي، وفيما أنا أخرِج المظروف، نظرتُ إلى الإعلان البلاستيكي المعلق على الباب:

توخَّ دائماً أن تغلـِق الباب وراءك

قد تحمي حياة طفل

لعلي وقفت فاغر الفم. لا أذكر.  تحت العبارة، خُطَّ بالأحمر جمل تذكر قانونيْن أميركيين لن أوردها هنا لسببين:

- أولاً: أنا لا أتذكرها.

- ثانياً، ذكر الجمل سيضيف 70 إلى مئة كلمة إضافية إلى هذا النص، وسيعاظم ذلك –مؤكد- من ملل القارئ.

لم أنتبه للزمن الذي مر في وقفتي تلك إلا عندما سمعت صوت جرس المصعد. التفتُّ لأجد بابه الجرار يغلَق، فأسرعتُ لأعيد فتحه، لكن الأوان كان قد فات. طلبتُ المصعَد مرة ثانية، لكن هذه المرة حضَّرتُ شنطتيَّ بالقرب من الباب، وأخرجت المفتاح معيداً المظروف إلى جيبي.

كنت أنتظر مديراً ظهري للمصعد، ومواجهاً للباب الحديدي. تلقائياً، أخذت أعيد قراءة الجمل في الإعلان مرةً بعد مرة، حتى شعرت أني مستهدَف. مستهدَف فعلاً. لا يعقَل أن يأتي الأميركان بـفيلم “راحت الطفلة، راحت”  لبين آفلك ليستقبلني عند باب بيتي الذي ما زلت لم أطأه بعد يعني.

وهكذا، تقدمت إلى الباب الحديدي. فتحتُه، ودفعتُه برفق من دون أن أغلقه، ثمّ تراجعت ناظراً إليه. كان المصعد قد وصل. وضعت حقيبتيَّ داخله، ودخلت. أخذت أنظر من الداخل إلى الباب الأسود غير المغلَق حتى غطى باب المصعَد كل شيء.

لم أفكر في الطفل الذي سيُخطَف أو يغتَصَب. لقد تصرفتُ تماماً كأي لبناني يتخذ موقفاً في السياسة نكايةً في غريمه في الفريق الآخر، وابتسمتُ إذا ثبتُّ هويتي في بلد غريب.

الطريق إلى غرفتي تمر بماوطوزو

ليست استعارة لعبارة عرفات الشهيرة: “الطريق إلى القدس تمر بجونية”. لستُ أهتم أصلاً بمثل هذا الهلوسة السياسية اللغوية التي تنافست مع العبث الفعلي في الحرب اللبنانية، لكن الطريق إلى غرفتي تمر فعلاً بماوطوزو. وماوطوزو هي البارك الخضراء المجانبة للمبنى الذي أسكن فيه. والمبنى الذي أسكن فيه جزء من مبانٍ كثيرة متشابهة، بل ملاصقة، تقع ضمن “مجتمع” ريدوودز. وريدوودز كغيره من مجتمعات أخرى يقع ضمن مجمّع يدعى “نورث بارك”، ونورث بارك يقع في وادي السيليكون، بالقرب من الكثير من الشركات كـ “سيسكو” وأنالوغ ديفايسز”.

لمَ أشعر أني أغني أغنية إرشادية مباشِرة التفاصيل، وموجهة للصغار دون سن العاشرة؟ ربما لأني أستصعب عادةً شرح الجغرافيا؟

فلأستعن بالرسم إذاً. هاكم خريطتي اليومية المعتادة:

(يتبع، وقد لا يتبع)

كان يمكن أن تمدّ يدك لتلتقط الكوب الذي أخذ يسقط على الأرض بطيئاً كسلحفاة، لكنك لم تفعل. جثم سائل القهوة البني للحظات في الهواء. تمدد، قشط ببطء، ثم انفجر بسرعة أشلاءً على أرض المطبخ.

بدا الحدث مشابهاً للأشرطة الدعائية التي تحضرها في الاستديو الصغير. تُقدِّم اللحظة وتؤخِّرها ألف مرة، وقد تلغيها رغم الإعادات. يحدث أن أمر في الغرفة وراء كرسيّك، فأحفظ تلك الثانية، وتقبع في رأسي حتى تأتيني في أحلامي. فأرى لأسبوع قادم مثلاً إنساناً ينزل الرصيف ثم يعود بجسده إلى الوراء، ويخيل لي عندما أخرج من البيت أن الشارع يحوي روبوتات تتحرك بإمرة أحدهم في مكان ما.

كان يمكن أن تركض من حيث أنت، وتفعل إحدى حركاتك البهلوانية الوثيرة، وتأتي بشيء (فأنتَ دائماً ما تأتيني بأشياء غريبة) لتلتقط به الفنجان ومافيه قبل أن يصل البلاط. لكنّك لم تحرك ساكناً، بل أكاد أقول أنك عزمتَ أن تبقى حيث أنت، وأنا بدوري لم أهتم لعدم حراكك، فشرعتُ أنظف الأرضية على الفور.

طبيعي أن تصل إحدى نثرات الزجاج إلى قدمي اليسرى، فتترك نقطة دم واحدة تنقلب بعد ثوانٍ إلى كرة حمراء صغيرة تنفلش فوق أوردة قدمي الخضراء الظاهرة. يحصل هذا دائماً: أوقع الكوب، فتصاب قدمي، قدمي اليسرى تحديداً. هذه إعادة ليست جزءاً من أشرطتك الدعائية. هذه إعادة حقيقية لطالما اعتدت عليها، حتى بدأت أعتقد أنّ قدمي لن تأبه بأي نثرة زجاج قادمة ولن تُخرِج أي نقطة دم أخرى.

بعد تنظيف سريع للقدم، أتابع مسح البلاط، فأجمع كل شيء في زواية واحدة ثم أرميه في سلة القمامة. يطيب لي بعدها أن أحضِّر كوباً آخر ربما انتقاماً من الحدث المكرَّر. أضع الركوة على النار، وأضيف ما يلزم من بن وسكر ما إن تغلي المياه. لا أسألكَ إن كنتَ تود مشاركتي الشراب، فأنا أعرف أنك لن تجيبني لا بلا، ولا بنعم.

تغلي الماء ثلاث مرات. تصعد القشوة البنية إلى السطح ثلاث مرات، قبل أن تنكسر وتبين ما تحتها من سائل. أصب القهوة في فنجان مماثل (مماثل تماماً، بالنقوش ذاتها، ربما لأكمل انتقامي)، وأروح إلى الكنبة لأجلس قبالتك. أنظر إليك وتنظر إلي من دون أن نتكلم. أرفع فنجاني ناحيتك وأكاد أرفق حركتي بـ”بصحتك” (كما تفعل أنت دائماً مع أي شراب في كوب كحولياً كان أم غير كحولي)، لكني أتراجع، وأعيد الفنجان ناحية شفتيّ.

منذ أسبوع، تحيطني باهتمامك أكثر. تفتح لي الباب، وتقول: “تفضلي”. تقودني إلى الدرج الذي وضعت فيها المفاتيح بعد أن أكون قد استنفذتُ ساعة في البحث عنها وبدأت أشعر باليأس. تشير لي لآلة التحكم التي وقعت تحت الكنبة ما إن أجلس لمشاهدة التلفاز.

منذ أسبوع، اعتدتُ أن أكلمك أكثر، وأعتدتُ أن تجيبني على الفور. أما اليوم فتقبع صامتاً لا تجيب ولا تسأل.

أعرف الآن أنك صرتَ تفصيلاً جامداً في صورة معلقة على جدار، زاويتها العلوية اليسرى يغطيها شريط أسود. ولحظة أتيقن من هذا، أشعر بالدم ينساب من داخلي.

اليوم، يعاودني الطمث للمرة الأولى منذ موتك.

.. وهو إذ جلس على القمة ينظر من فوق إلى أضواء المدينة، أخذ يفكر. ما الذي أتى به إلى هذا المكان؟ ومن هم هولاء الناس الذين يجلسون على السور الحجري ويتركون أرجلهم لهواء الوادي السحيق تحتهم؟ ولِمَ يستلقي هذا الشاب النحيف على غطاء محرك السيارة ناظراً إلى نجمة الدب القطبي؟

كانت قهقهات الشباب تعلو في فعل جماعي عفوي، ثم تموت تاركةً مكانها للصمت. لكأن الضحكات احتاجت إلى ذلك الصمت لتولَد من جديد، أكثر علوّاً.

نظر إلى يمينه، فوجد أحد الشبان يقف على السور، معطياً ظهره لأصحابه، وفارداً ذراعيه. أطلق الشاب صرخة واحدة، ولم يقفز. بقي في مكانه متبِعاً صرخته الأولى بأخرى أكثر كتماناً. خُيِّل إليه أنه الشخص الوحيد الذي سمع صرختيْ الشاب. لعله كان يهمس، أو يحدث نفسه، أو يكلّم الأضواء.

لم يقطع تفكيره هذا إلا قهقهة جماعية أخرى. لكن يده المستريحة على حقيبته الصغيرة، عبّدت طريق خطواته التالية، وأشغلته عن متابعة أفعال الشباب.

فتح الحقيبة، مخرجاً منها آلة التصوير. أنذرتْه شاشتها بنفاذ قريب للبطارية، لكنه لم يأبه، وأخذ يصوِّر كيفما اتفق. حرّك الكاميرا يميناً ويساراً، رقّصها دائرياً، هزّها للأعلى والأسفل، ثم نظر إلى الصوَر.

لم تظهر المدينة على الشاشة. كانت الأضواء فقط، ترسم أشكالاً غريبة بألوان أغرب. لكأن المدينة صدَّرت حكاياتها في رقصات الضوء. فكَّر لحظةَ ألمّ ذلك الخاطر به، كم أنّ فكرة المدينة باتت مجترّة. كتبها أخرون، وشرشحوها حتى القتل. لكن أي الأفكار لم تقتَل؟ أيها لم تلمَس؟ قرر أن يتوقف عن فيض أفكاره السلبية غير المجدي. لا هذا المكان ولا الزمان لنقاش كهذا مع نفسه. سيقتنع الآن أن المدينة هنا غير، أنها تنبسط يميناً ويساراً كما عجينة البيتزا تحت شوبك والدته في مطبخها وراء المحيط، أن الضوء يرسمها، يخطّ شوارعها والجسرين المعلّقين والبنايات الشاهقة والواطئة والطرقات السريعة التي تقطّعها أقساماً وتحيلها جثة مضاءة ليعاينها هو بنظره.

حدَّق في رقصات الضوء على شاشته أكثر. وجد تفاصيل لم ينتبه لها في السابق. عرف كم أنه صديق جيد وحبيب فاشل. عثر على الطفلة القادمة جديداً إلى هذا العالم ترقص. شمّ رائحة المياه الغريبة التي يسقون بها المساحات الخضراء قرب منزله. سمع رنة القطار المقتضبة وهو يكمل طريقه من دون أن يتوقف. أنصت لرائحة القهوة كما دائماً، تدخل من أذنيه وتخرج من أنفه، فيرتعش من أخمص قدميه حتى رأسه. لمح هزة السرير، وحصار الموسيقى في أذنيه، وبقايا كلمات الأغاني الفاشلة الموجودة بين دفتَيْ دفتر سرقه من مكان عمله.

رأى كل ذلك. كان من الممكن أن يرى ويفقه أكثر، لكن تقدّمه البطيء بين جمع الشباب الواقف والذي ازداد عددهم باضطراد، شغله بخاطر وجده لحظتَها أكثر خطورة. شعر فجأة أنه بات يعرف كل من حوله. بل يعرفهم منذ زمن. لعله تعرف عليهم في حياة سابقة، قال. كاد أن يستغرق في أفكاره عن ألفة الوجوه حوله، إلا أنّ الصوت من ورائه أعلمه أن الجميع ينتظره في السيارة للرحيل.

أطلق تنهيدة طويلة سمعها هو وحده. لولا يد صديقه التي هبطت على كتفه، لظنّ أنه ميتٌ فعلاً، وأن كل ما استولى عليه قبل قليل كان محض فعل استعادة في حياةٍ لاحقة.


تصدر قريباً رواية “نابوليتانا” لهلال شومان عن “دار الآداب” و-”محترف كيف تكتب رواية”. الرواية نتاج الدورة الأولى من الورشة التي أقامها المحترف لكتابة الرواية في 2009-2010 تحت إدارة نجوى بركات.

/لصورة أكبر من الغلاف، أنقر على الصورة أعلاه/

 

قد يبسط الشاب كفيه على الزجاج الذي يفصله عن الطاولات في الخارج، ويُلصق أنفه على الواجهة نفسها، تاركاً بخار ماء وراءه سيختفي بعد ثوانٍ. وقد ترد الفتاة المعنية بحركته من مكانها تحت الشمس، فتلوِّح بكفها اليمنى مفادة إشارة الجنون، وتبقي سيجارتها المولعة في الكف االيسرى، ما ينبئ باحترافيتها التدخينية. وربما يصدف التصاق قطة برِجل طفل يبلغ من الأعوام ثلاثاً، فينظر إليها للحظة قبل أن يكتشف ماهيتها، وينفجر في نوبة بكاء، ما سيجعل أمه المطلّقة تهرع ناحيته، لتحمله وتحاول تهدئته.

من المحتمل أيضاً أن تخجل القطة من نفسها، فتختبئ تحت سيارة لم تتزحزح من مكانها منذ سنوات حتى هرم حديدها، قبل أن تطل برأسها للحظة من الأسفل محاولةً استراق النظر إلى ما آلت إليه الأمور في الأعلى. ومن الممكن أن تنسى القطة الموضوع بكامله، ويمكن عندها عذرها على لا مبالاتها بإلقاء اللوم على ذاكرتها القصيرة التي تحِّدثها باستمرار بشمّ الأشياء والأشخاص. في تلك الحال، ستفضِّل أن تتابع حياتها وتنهمك في رحلتها في المجتمع السفلي لقطط الحي، فتؤنب صديقتها السوداء، وتغوي ذاك الأشقر، وتخمش آخر سميناً لأنها مزاجها ليس “رائعاً”.

ولتستعيد مزاجها اللعوب، ولأن الممنوع مرغوب، تعود صديقتنا فتثب من القسطل الداخلي قرب الموتور إلى الأسفلت مرة أخرى، وتصعد من الفجوة أسفل المقعد الخلفي إلى داخل السيارة، لتجد نفسها تراقب من جديد –لكن على مستوى أعلى- خارج وداخل المقهى.

قد يكون الطفل هدأ، وصارا من تعارفا عبر الزجاج في مرحلة الحوار الصامت المدعَّم بجمل انكليزية مقتضبة مكتوبة بأحرف كبيرة على أوراق صفراء، عبر الزجاج الفاصل نفسه. لكن القطة لن تأبه لهذيْن التفصيلين، بل ستتجه بنظرها ناحية شاب آخر يجلس إلى طاولة قريبة، ينظر في فنجانه، ويحرك الملعقة باتجاه دوران عقارب الساعة.

لن تعرف القطة ما يدور في ذهن الشاب. سَيَكون يتساءل لمَ لا يحرك القهوة بعكس اتجاه دوران عقارب الساعة كما يظن أن بقية الناس تفعل. ستراه يقلب الفنجان عند الانتهاء من شربه، لكنها لن تفهم أنه ينتظر خريطة البن لتثبت في الداخل، وأنه يحاول قراءتها كما كانت أمه الميتة من أسبوعين لتفعل وتعقب: “ثلاث إشارات، بعد ثلاثة أيام، بعد ثلاثة أسابع، شهور أو أعوام، فالتحديد صعب يا ابني، وتفاصيل الأشياء يجب أن تكون دائماً عامّة مبهَمة، تحمي ولا تؤذي، وتبشِّر دائماً بالأمل”.

في هذه اللحظة، ستلاحق القطة بعينيها متسولة صغيرة تبيع أوراق اليانصيب بضعف ثمنها، تلتصق بالشاب. سيصرف الشاب الصغيرة، بعد أن يشتري منها ورقة يثق مسبقاً أنه لن يربحها، ويتابع الغرق في لحظته السحرية.

قد تتحرك المضائق البنية في الفنجان أمام ناظريه، وتستدير ملتويةً حتى ترسم المشهد كاملاً. ربما يراها، أو يتخيل أنه رآها، فيبتسم ابتسامة صبيحة أحد كسول. هو الوحيد الذي سيكتشف أنه والجميع مرسومون في فنجان قهوة، وأنهم يدورون مع عقارب الساعة. سيفكِّر أن هذا التزامن المكاني منطقي، إذ إنّ من المحتمل أن تكون التفاصيل السابقة من نسج خياله أمامه على شاشة الكمبيوتر، أو هي في أحسن الحالات محض تجميعات من أيام كثيرة غير متعاقبة لا من يوم واحد، فهو على الأرجح لا يعرف كيف تحدِّث القطط بعضها وتراقب وتفقه – أو لا تفقه- ما تراه، وأغلب الظن أنه يعيش -وببساطة شديدة- نهاراً عادياً جداً لا يتضمن أي حدث، غير قراءته وقراءة غيره لهذه القصة منشورةً في الجريدة.

تنتظر قطار ظهيرة الأحد. تنتابها رعشة على أثر نسماتٍ هبـَّت، ثم لا تلبث أن تفاجئها ريح فتحمل نفايات الأرض حولها.

“الحياة تقاطعات من خيبات الأمل الجميلة” (هكذا بدأ حديثه معها ذات مرة). “قصصها تنتهي عند نقطة ما” (هكذا أردف). “الأجزاء الثانية تواجه فشلاً ذريعاً كما في السينما إلا في ما ندر”، (أفاضَ يتفلسف ممرِّراً أصابعه في خصلات شعره). “تذهب القصص ويبقى أبطالها، لكنهم يبقون متعبين” (حكّ ذقنه غير الحليقة عند هذه الجملة). “في تعبِهم وخفوتِهم يتذكرون كل ما مضى، كل الوجوه، ويلاحظون أشياءهم المهمَلة المتناثرة في زوايا بيوتهم” (نفث الدخان في الفراغ الذي يفصله عنها).

يعبر طيفه رأسها لدقائق، قبل أن تطرده، فيحل مكانه مرضاها الخمسينيون دائمو التأفف.

هذا يرضى عنها صباحاً ويشتمها مساءً. تلك تحدثها عن أولادها الذين هجروها بمحبةِ التي ترفض الاعتراف بالحقيقة. وذلك يأبى أن يأخذ الدواء. يريد أن يتحسن ما إن يبلع الحبة. بالنسبة له، فترة الإختبار هي يوم واحد لا غير وبعدها يبدأ عصيانه الصحي.

عند كل ظهيرة، كانت تخرج من غرفة الطوارئ. تبلع رئتاها هواءً منعشاً (لم تعد تتذكر كم تكره رائحة الداخل إلا عندما تتنشق هواء الخارج). كانت تُخرِج سيجارة من جيبها (رغم كونها حذرت أحد مرضاها من خطورة التدخين للتو)، وتنتبه: من أعطاها هذه السيجارة، وكيف صمدت في جيب ردائها الأبيض من دون أن تتلف؟

تمج منها وهي تمشي. تتوقف، وتنفث دخاناً، ثم تعاود خطوها. تتجه إلى “الإستاد” القريب الفارغ من اللاعبين، وتجلس على أحد مقاعده البلاستيكية الصفراء.

كانت خلوات “الإستاد” دائماً ما تـُقطَع بأغنية. يطل “نيسان” فيروز فجأة في عز صقيع أميركا، وتعود هي إلى بيروت فجأة. تلتفت فتراه هناك يسمعها الأغنية من خلويّه. هو “نيسانها”، واستراحة غدائهما غالباً ما تطول قبل أن يعودا إلى عمليهما، هي إلى مرضاها، وهو إلى مكتبه.

بعدها، تتخيل ما يحدث معه: ربما يقرِّعه مديره للحظات قبل أن يلحظ هدوءه الغريب وابتسامته. فهو يعلم أنّ موظَّفه مغرمٌ بإحداهنَّ. وبدوره، يستعيد المدير ما حدث معه شخصياً قبل ثلاثين عاماً مع تلك الغريبة الرائعة التي أصبحت فيما بعد زوجته. سيصرف موظفه إلى مكتبه، ويطلب منه أن لا يتأخر مرة أخرى. وما إن يغلق الباب، حتى يهاتف المدير زوجته مطمئناً.

يطلع كل ذلك منها الآن وهي تنتظر القطار. من داخلها يطلع. من أماكن ظنت أنها نسيتها، أو أغلقت عليها جيداً. كذب ظنها. لم تنجح في محو الأشياء. ها هي تنتظره أن يصل. كم مضى على عدم وصوله؟ يوم يومان؟ أسبوع؟ شهر؟ أكثر؟ هل هذه أغنية ؟ هل ينقص هذا الانتظار الشتاء؟  ألا يلائم الخريف، أم ماذا؟

كل أحد، تطيِّر الريح النفايات المهمَلة على أرض المحطة، ويتابع القطار طريقه من دونها. من دونه. تبقى هي جالسة على المقعد، وترقص النفايات حولها، فتحزن للحظات. للحظات فقط. فهي تعلم أنها لا تزال تحتفظ بعينيها العسليتين و”نيسانها الذي لا يخفت أبداً”. هكذا قال لها مرة، وهي استغربت لحظةَ أسرَّ لها بهذه الملاحظة، ولم يمنعها استغرابها عن تصديقه.

تصدقه دائماً، حتى لو لم يأتِ. ربما لذلك، لم تعد تستغرب عدم وصوله. هي توقن أنه سيطل فجأة كما دائماً، ولذا تعود تنتظر، كل أحد، على المقعد الخشبي ذاته.

هي تنتظر المفاجأة، فقط.

البارحة، صَحَوْتُ مثقلَة العينـَيْن. نَظَرْتُ إلى المرآة ورَميْتُ ماء كفَّيّ على وجهي. بعد قليل، سأتجه إلى خزانته. سأفتحها، وأتفرّس بما بقي فيها من ملابس.

لطالما عشِقَ ربطات العنق الكلاسيكية. يذهب لمحل صديقه، يتعارك معه في السياسة، ثم «يُفلـّي» الرزمة الجديدة من ربطات العنق. بعدها، يستقبل الزبائن كصاحب أصيل للمحل: «تلك الكرافات جميلة. تليق بالأزرق الداكن. تلك شبابية، راحت أيامها. إسمع منّي. لا. دَعـْكَ من ربطات العنق أحاديـّة اللون، موضة آنية ستزول بعد شهر. أنظر. هذه رائعة. قرِّبها من ياقة قميصك. جميل. ستلبسها لعامين، بل لثلاثة. ستشتريها طبعاً. لا؟».

يضحك صديقه ويدعوه أن يعمل معه، فيجيبه: «خليني هيك، بـِشْرَب قهوة، بـِتـْفَرَّج، وبـْساعِد بس».

***

غداً أو بعد غدٍ، سأبتسِم. سأمسح ما بقيَ من ماءٍ على وجهي بالمنشفة. ولحظةَ أمرّ في الرواق، سأتوقّف وأنظر إلى كـَنَبَتِه. هنا كان يـَجْلـس، ويـُجْلـِس كل صغير في حجره، مخبِّئهم في عباءته المصنوعة من صوف الجمل. كلهم أحبوا تلك اللعبة.

كل الأطفال، الأقرباء والغرباء، حظوا بأسماء حركية منه إلا أنا. هذا «مامو». تلك «سيسي». ابن صديقه هو «المفكّر».
جميعهم ما عداي. أنا بقيتُ بلا استعراض حب. فقط في لحظات معدودة، صدف أن ناداني باسمٍ بديل لحظوي ظهر لي مرتبطاً بسعادة غير مألوفة، بلحظات تَجَلّي كانت قليلة بيننا. وفي كل مرة، لم يكن الاسم ليصمد.

غداً أو بعد غد، حين أستعيد الموضوع بـِرُمَّـتِه، سأبتسِم وأعلم أني حظيتُ بشيء لم يألفه الأطفال الأقرباء الغرباء: لحظات الاستثناء، جمالها في قلّتها.

***

أذكر كيف كان الزمن يمر سريعاً. تغير جسدي، واحتجتُ وقتاً لأتعرّف عليه، واكتسبْتُ معه ملكة تغيير وجهة الحوار. عندما كان يسألني عن تفاصيل حياتي الخاصّة، كنت أغيّر الموضوع، وأفكر: «هذا ليس هو». أنا اعتدتُ فقط على كلامه في السياسة: يسخر من آراء ذلكَ الرقراقة، ومن بـَلادَة الثاني ومن عرق جبهةِ الثالث، ومن شَعر الرابع غير القابل لفعل التمشيط، ومن عربيّة الخامس التي تلفظ أنفاسها مع الإصرار الفاشل على استخدامها. أنا كنت دائماً أتسلّح بالصمت عندما لا أوافقه الرأي، أو حين كان يلمّح لي قائلاً: «إنتي ضيعَتي البوصلة يا بابا». مع مرور الوقت، اكتسبت الملَكَة. صرتُ أغيّر الموضوع حين يشرِف على الحدّة. أعلم أنـَّه كان يعلم. أقول له مثلاً على الهاتف أني أرى كلباً على الرصيف خارج الباص، ألبسَـتْهُ صاحبته كنزةً صوفية، فلا يضحَك، فأفكّر: «الموضوع جديّ ويحتاج لتداركٍ «عاطفيّ» عاجِل».

***

يزعل، فيصمت لأيام. أُرسَل إليه بمهمة خاصة. «صالحيه»، تقول لي الماما. «بس هوّي مش زعلان منّي»، أستغرب. «مش مهم، صالحيه».

أمر قرب كنبته. أعانقه من الخلف وأقبله على عنقه. يلتزم الصمت ولا يخضع للابتزاز العاطفي. يعلَم أني «مـُرْسَلة». فقبلاتي له موسمية قليلة، وقبلته على جَبْهَتِي لم أعْتـَدْها رغم تكرارها. يجبرني على تقريب رأسي بيدٍ ضاغطة على عنقي في الخلف، ومرة تلو مرة، تخفّ مقاومتي أكثر، أستسلم لفعلِ إرضاء.

***

البارحة في نومي، حلمْتُ به. شعرَتُ باختناقٍ، صرتُ ألهث، وحام وجهه فوقي طيلة الحلم. كان يردد: «ما زلتِ جميلة». استيقظْتُ منزعجةًً من دون أن أعرف فوراً تفاصيل الحلم. وظللتُ هكذا حتى الظهر، حين ضربَتْني لمحة من الحلم، ومن ثم صورة ثانية، وثالثة، حتى جمعتُ ما ظننتُ أني رأيت، وأعلنتُ وحدي في الغرفة بصوت عالٍ: «لقد انضمَمْتَ الآن إلى شخوص أحلامي الغرائبيّة».

***

الخزانة مفتوحة. اليوم، أنظر صامتةً وأفكر: هل أستطيع أن أستعين بتفاصيل حياتِه الخاصة من جديد؟ «الكرافات» تلك، معشوقته ذات الألوان الصاخبة، هل يحق لي أن أربطها على ياقة قميص زوجي مثلاً؟ أم يجب عليّ أن أبقيها في الخزانة لزمنٍ احتفاء لا ينتهي؟

بتُّ أخاف أكثر فترة الصمت بعد أن كنتُ أعدّها ترفاً. ربما أخاف أن أنسى الكلام وأتقنَ أكثر الكتابة. أنا التي لطالما فتشتُ عن جملة تختصر ذلك كله ولم أفلح. أنا، التي كنتُ حين لا أهتم، ألجأ إلى الحياد الذي شعرْتُ به تجاهه لأعوامٍ طوال، وأبرِّر كل ما أفعله بذلك اللا شعور المبطـَّن الذي لا أفهمه. أنا لا أستطيع أن أعاود فعل ذلك الآن. صحيح أن الحياد يعظم في حضرة الغياب الطويل. لكني اليوم خسِرْتُ حتى الغياب. أصبَحْتُ قريبة منه من غير أن أدري كيف، وصخب مشاعري غير المفهوم لا يساعدني على الإطلاق.

أنا التي تود أن تخلق سعادة من لا شيء، أفتش عن شيءٍ ما يوفر لي ذلك الشعور. كل صبيحة يومٍ أبحث. واليوم، أعاود التفتيتش عن جملة تريحني، فأتجه إلى الزاوية وأدير الراديو. أطرد الوشوشة وأحاول أن أحصل على أغنيةٍ نقية. إذاعتي المفضَّلة تبث أغنيةً وطنية. أنا لطالما كرهتُ الأغاني الوطنية، الآن ودائماً وأبداً. هو كان يحبها، ولا أدري إن كان لا يزال يفعل، حيث هو. من أغنية وطنية إلى أخرى، تشعّ جملة واحدة تشفع لدقائق من النفاق اللحظوي الذي أرى أن أوانه فات. أحصل على جملتي صافيةً، كما ينبغي لها أن تكون، ويظهر سعيد عقل مصيباً ولو لمرّة:

«أجملُ التاريخ كان غداً».

تحتجزين في شقتك الصغيرة، شنطة كحلية اللون متضخمة، وملابس على ظهر الكرسي. تتجوّل الشنطة – بما فيها – من الكنبة إلى الكرسي الخشبي، ومن الكرسي الخشبي إلى الطاولة، ومن الطاولة تعود إلى ذراع الكرسي. يفتَح سحاّبها ويغلَق. أنا متيقِّن من ذلك. أكاد حتى أسمع صوت السحّاب إلى هنا، على بعد أميال من ساحة الكونكورد.

البارحة، أخبرتِني على الهاتف ضاحكة أنكِ أوصيتِ «اللفاية» أن تترك الأغراض على حالها على الكرسي، لكنَّك عدتِ مساءً لتجدي أنّ «البنت» قد تركت الشنطة كما هي، وأخذت الثياب التي الموجودة خارجها، غسلتها (على الأرجح بمسحوق ذي بلورات زرقاء تنظف أكثر)، وعلقتها داخل خزانة ملابسكِ. أفصحتِ عن الحادثة وأطلقتِ ضحكتكِ العالية تالياً.

هذا كله لغو. أنا ببساطة أحتاج ملابسي، ودعيني أبني موقفاً دفاعياً أشرح لكِ فيه لا أهمية احتفاظكِ بأشيائي:

أولاً: حذائي الرسمي الأسود موضوع داخل كيس نايلون لتجنب اختلاط رائحته. وأحذَركِ، لا تهديداً، بل خوفاً عليكِ، أن تفتحي الكيس. وهو على أي حال من قياس 43، ولن تستفيدي منه شخصياً بشيء، ثمّ إن الموضة النسائية لم تبلغ بعد حد استخدام أحذية رجالية مع ملابس رسمية لنهار عمل.

ثانياً: قنينة العطر التي رششتُ منها عندما زرتِك فيها، ليست «يوني – سكس». وأظنّكِ تعرفين هذا الآن، لأني مصمم على فكرة أنك أخرجتِها من الشنطة وتنشقتِ ما فيها، وليس في هذا عيب، فهو محض فضول نسائي عادي (أعرف اننا سنتخانق على هذا التوصيف قريباً).

ثالثاً: هناك حزامي البني العريض، الذي اشتريته من فترة قريبة، تحديداً منذ بدأت أضع قمصاني التي ألبسها تحت البناطيل لا فوقها بناء على نصيحتكِ. أحضرتُ الحزام معي خطأ. كانت غلطة مميتة. لكن فلنحلل الموضوع: فضلاً عن أنكِ ترينه جميلاً علي، بمَ ستستفيدين منه أنتِ يا عزيزتي؟

رابعاً: فرشاة الأسنان التي اشتريتُها لأنظف بها أسناني قبل ذلك اللقاء الحدث الذي تخلله كاميرات تلفزيون كثيرة، ولم أستخدمها وما زالت لم تفتَح. حسناً. سأثبت لك أني آدمي، ولا ألهث وراء شجار مفتَعَل. تستطعين الاحتفاظ بالفرشاة، وأستطيع شراء أخرى.

أعيدي لي ملابسي! بعد هذه الجملة المحذِّرة، لا أظنكِ ستحتفظين بثيابي أكثر. فأنا على يقين أنكِ لن تتحملي علامة تعجب جديدة مني أو جملة انكليزية صارخة كل أحرف كلماتها كبيرة. أعرف أنكِ لن تعرضي علاقتنا لمثل هذه الوطأة من العنف اللغوي. صح؟

أعلم أن الأمر لا يحتاج لكل هذا التحليل، لكنك تعرفينني، أحب المرافعات والألعاب. فماذا لو اجتمع الاثنان؟ مرافعة في لعبة: نص لن يضركِ، ومؤكد لن يضرني في شيء؟

طبعاً، أميل إلى الاعتقاد أن انشغالكِ في عملكِ، في أوراقكِ؛ وانشغالي في عملي، في شاشتي، هما ما يمنعاننا من لقاء بسيط لتقدمي لكِ الرهينة، وأعاهدكِ بالمناسبة (فيما لو حصل هذا اللقاء) أني سأستلمها من دون أن أطالب بأدنى اعتذار.

لكن الوقت يركض. وأنت تعلمين أنّ موعد سفري يقترب. حتى إني لم أعد أجد وقتاً للانتظار. ورغم معرفتنا بطيران الساعات، لم ننجح حتى الآن في اللقاء، لتبادل قُبل الوجنات الاجتماعية أولاً، ولنتخانق في السياسة ثانياً، ولأسرق بعضاً من سجائرك ثالثاً، ولتعلميني بإضافة شخصية جديدة إلى قائمة «الحبّ، الحبّ» خاصتكِ رابعاً. وللمناسبة، لمن لا يعرف، فإن هذه القائمة تضم شخصيات فاعلة اجتماعياً وثقافياً تراهم هي أمثلة عليا (مع أني ميال للاعتقاد أنكِ لا تؤمنين بالمثال الأعلى، لكن ما علينا).

اسمعي. وجدتُ حلاً. هناك بطل محلي، يلبس بذلة صفراء اللون، وأظن – والعليم أعلم – أن معطفه الطائر كحلي اللون، تماماً كشنطتي المحتجزة، والأرجح أني سأكتب عنه في روايتي التالية. البطل يدعى «ليبوس»، وهو بطل دعائي بالمناسبة لشبكة البريد المحلي. رأسه – كما تحضرني صورته الآن – مكعّب، وهو دائماً متغضن الحاجبين. لا تنسي أنّ البطل يجب عليه أن يشعر بالمسؤولية في أدنى تعبير حركي أو وجهي.

لمَ لا ترسلين ملابسي مع ليبوس؟ توجهي إلى أقرب مركز بريد، وأودعي الأغراض في طرد. ستكون فرصة لنختبر مدى فاعلية بريدنا المحلي؟ بسيطة، لا؟

الآن، لأهدّي النفوس، سأسرق لكِ شيئاً من روايتي المكتوبة (التي لم تقرأيها بعد)، وأجعل «ليبوس» يظهر في كادر من قصة مصورة أو ربما في إعلان ترويجي، طائراً. من فمه، يخرج سهم يشير إلى فقرة يود الإعلان/ القصة الإيحاء بأنه يقولها. الجملة تبسيطية، كليشيه، كيتش، ولا يمنع كل ذلك أنها حقيقية.

في الرسم يقول « ليبوس»: «ما أجمل الصداقة».

عدَّلت من ربطة حزامها. أطفأت شعلة النار البرتقالية بإصبعيها. لمست الجدار الملوَّن وهي تمشي، ثم جلست. مسَّدت على ظهر الفراشة القابعة على الزاوية اليمنى من مكتبها، فنامت وتوقف جناحاها عن الرفرفة. ستشرع الآن في كتابة قصة جديدة عن قزم، وستبدأها بالآتي:

«طرد القزم الذبابة التي استقرَّت بين شعيرات أذنه اليسرى بكتفه. نظر إلى ضلعه الأيسر، فرأى احمراراً. أحسَّ بقلبه ينبض حتى بان خارج جسده ورديّاً صغيراً كحبة تفّاحة ناضجة جميلة حدَّ النبذ، جميلة حدَّ الاعتقاد أنها تفاحة مسمومة حضرتها زوجة أب لأميرة بريئة، أو شيطان لنبي.
نبض قلبه لمّا تكلَّم معها. لكنه فرح أنه فاتحها وتخلّى عن صمته.
أجابته بطلب وحيد، بدا له، للوهلة الأولى، مخيفاً. قالت: «إذهب إلى هناك وعد إليَّ حيّاً بشيء يستخدمه أولئك الغرباء».

نظَرَتْ إلى خارج النافذة. كان الغيم البنفسجي قد بدأ يتسلل داخل غرفتها. بان قمرا الكوكب جليَّيْن في الخلفية. أحدهما أعظم من الآخر. أغلقت النافذة. فهي لا تريد لجدران بيتها الورقي الملوَّنة أن تتبلل وتشيخ باكراً.
تابعت كتابتها:

«تدحرج قلب القزم أمامه وهو يمشي. أمسكه بيده وأعاده إلى موضعه. وصله بالشريان مرة أخرى وعاد يسمع نبضه. وضعه في مكانه، وأنَّبه. قال إنهما سيصلان سويةً لهناك. لا يجب أن يسبق أحدٌ الآخر، قال. حدّث قلبه كما اعتاد أن يقرّع قزماً شقيقاًَ أتمَّ أسبوعه الأول ونجا من حادثة من غير أن تفترسه حشرة، ثم تابع مشيه».

أدارت الموسيقى. ثبَّتت النغمات الموسيقية جيِّداً في الهواء. هذا هواء لا لون له.

«وطأ القزم الأرض السوداء. تنقل بين البرك الحمراء اللزجة بخفة. (بعضها بان آسناً فتحوّل لونه إلى الأسود) صرخ فرحاً. أودّ أن أعيش هنا! قال».

توقفت. حدَّقت في فراشتها النائمة على زاوية المكتب اليمنى. لقد ملَّت الكتابة. ستتابع غداً. وضعت الريشة في قطعة الخشب المقعَّرة وعزمت أن تتوقف عند هذا الحد من قصتها. اليوم، ستترك قزمها – كتلة الشعر الخضراء هذه – في الأرض السوداء يحاول أن يعيش. يحق لها ذلك. أليست بجنيَّة كاتـبة؟

وكان أن استيقظت الفراشة على صوت جلبة تفكيرها، فطارت أمامها في فضاء الغرفة.

اسكندر حبش – عن السفير

لم تكن زميلتنا رشا الأطرش، وحدها، من شعر بالفرح مساء أمس، إذ نحن أيضا شعرنا به، وأحسسنا معها بكل تلك المتع التي تعتري الكائن، حين يرى كتابه الأول بين يديه، مطبوعاً، بعد شهور طويلة من الكتابة ومصارعة الكلمات والحروف. ليست المسألة أيضاً مسألة كتاب، إذ نجد – نحن الذين أمضينا عمراً في «السفير» – أن عائلة كتّابها، يزدادون كل عام، وأنهم، بدورهم، يخطون دربهم، الذي علينا أن نفسح له مكانة، مثلما ستفسح رقعة الأدب، مكانة لهم أيضاً.

هي روايتها الأولى، بعنوان «صابون»، ولدت من محترف «كيف تكتب رواية»، الذي بدأ أعماله منذ سنة، مع بدء «فعاليات بيروت عاصمة عالمية للكتاب». يومها تقدّمت الروائية نجوى بركات مع دار الساقي، بفكرة هذا المشروع الهادف إلى تشجيع الأقلام الشابة على الكتابة الروائية. تم قبول الفكرة من قبل المنسقية العامة لبيروت عاصمة عالمية، ليشترك فيه متدربون، وصل منهم إلى المرحلة النهائية ثلاثة أشخاص هم رشا الأطرش وهلال شومان ورنا نجار، وبما أنه في كل مسابقة لا بدّ أن يكون هناك فائز، تم اختيار اسم واحد: رشا الأطرش. بيد أن الدار أعلنت، ونظراً إلى جودة الكتب الثلاثة، أنها ستطبع الروايتين الأخريين خلال سنة بدءاً من تاريخ أمس. بمعنى آخر، ولد نهار البارحة ثلاثة روائيين شبّان في لبنان. روائيون جدد يأتون إلى الكتابة، بكل ما يحملون من أحلام وأفكار، وربما بكل ما يحملون من وعي مغاير. في أيّ حال، هي أشياء سنكتشفها تدريجاً وتباعاً، وسنفرد لها حصتها بالتأكيد.

الإعلان عن اسم الفائز في هذا المحترف، جاء عبر احتفال أقامته دار الساقي في صالة سينما متروبوليس، في سنتر صوفيل ببيروت، وقد بدأ بكلمة ترحيبية قصيرة من رانيا المعلم، مسؤولة النشر في الدار، ليتحدّث بعدها رشيد الجلخ (عضو مجلس بلدية بيروت وعضو هيئة بيروت عاصمة عالمية للكتاب) الذي أبدى اعتزازه بهذا المشروع وبدوره، مثلما تحدّث عن عملية استنهاض المجتمع عبر مختلف النشاطات التي شهدتها العاصمة خلال هذه السنة المنصرمة.

أما الروائية نجوى بركات، المسؤولة عن المحترف فقد تحدثت عن تجربتها مع المشاركين، وقالت «عملت على تقاسم لغتي مع آخرين، لأني أرى في الكتابة شيئاً من الحرفة، وإن لم تكن ذلك فقط، وشيئاً من الأصول وإن كانت تعصى عليها، وشيئاً من الكيمياء وإن كانت في الأصل خيمياء أقرب إلى السحر منها إلى المعادلات والأوزان والحسابات».

بعد ذلك، تحدّث المشاركون باختصار، كل عن تجربته في هذا المحترف، وقد أجمعوا على تميّزها كما ركزوا على الجانب الإنساني فيها. ليعلن أخيراً أندريه غاسبار مدير دار الساقي عن فوز رواية «صابون» للزميلة الأطرش، وعن نية الدار نشر الكتابين الآخرين.

حول هذه التجربة، كانت «السفير» قد طلبت من المشاركين أن يتحدثوا إليها. أولى الكلمات كانت لمديرة المحترف نجوى بركات التي قالت: «أعتقد أن هذا المشروع هو من أقرب المشاريع إلى فكرية وروحية بيروت عاصمة عالمية للكتاب، أضف إلى ذلك أنه نُفذ تماماً كما قدّم». وأضافت بركات إن المحترف «أنتج أكثر من المتوقع وهذا ما سنراه لاحقاً بعد الإعلان عن الرواية الفائزة».

الزميلة رشا الأطرش وجدت: «لا يشبه محترف «كيف تكتب رواية» أي تجربة خضتها من قبل. لقد كان مشغلاً كتابياً وذاتياً ونفسياً حقيقياً، لم أخرج منه بالرواية التي كنت أحلم في إنجازها طوال العامين الماضيين وحسب، بل كان أيضاً لحظة تأمل طويلة، مقترنة بالكثير من الدأب والأناة، وامتدت قرابة عشرة أشهر». وأضافت قائلة: «لطالما فكرت في أن كتابة الروائية تستلزم ما هو أكثر من الموهبة، ومن «قدسية» الوحي والفكرة الأصيلة، على الأهمية الكبيرة للمكوّنات هذه في توليف عمل أدبي يجمع المعنى والصدق بين ثنايا شخصيات وحبكة وأحداث ولغة. كنت أدرك أن في الأمر أكثر من أن يكون لديك ما تقوله، فتجيد قوله في رواية. لا بدّ من حرفة بالطبع. لكن هذه الأخيرة ظلت، بالنسبة إليّ، قيمة عائمة، إلى أن صارت منهجية على طاولة المقهى، حيث كنت ألتقي نجوى بركات كل بضعة أسابيع. ذاك التفاعل العملي مع نجوى، والذي لم يغفل، في الوقت نفسه، مزاج الكاتب (ة) واللمسة الفردية على عناصر رواية تخرج من القلب والعقل».

وختمت الأطرش حديثها بالقول: «بوضع اليد اختبرت أن الرواية بناء. طبقات تعلو فوق بعضها بعضاً، وكل طبقة تكمل الثانية وتكتمل بها. والأسلوب هو النقش الذي يجعل نصّاً بعينه لوجدان دون سواه. هل يجوز لي أن أقول إني أحببت النتيجة النهائية، روايتي الأولى التي احتضنتها دار الساقي بمحبة؟ لعل هذا ما أشعر به. أما ما أنا متأكدة منه فهو أني افتتنت بالعملية برمّتها، بمراحلها وقلقها وتراكماتها التي أفضت في النهاية إلى كتاب يقف على رف المكتبة. التجربة لم تنته. أحلم الآن بالرواية الثانية».

أما هلال شومان، المشترك الآخر والذي ستطبع روايته قريباً فقال: «كان الخوف السابق للانضمام إلى الورشة يتضمن الأسئلة البديهية عن مدى قابلية فكرة الورشة بأكملها على التحقق. أسئلة تدور حول دور المشرفة (نجوى بركات) تهطل ما إن تحدث أحداً من أصدقائك عن الفكرة. كان ثمة خوف عام من تصدير الأسلوب المحرر أو تعميم نوعية الكتابة. نحن نتربى على فكرة تقديس النص (مطلق نص) في هذه المنطقة من العالم. لكن هذا الشك ما لبث أن تبخَّر مع المراحل المتقدمة من المشروع، وأنا قررت منذ البدء أن أذهب بعيداً في التجربة».

وحول آلية العمل، قال: «كانت الجلسة الأولى عامةً تجمع المشتركين. تحدث الجميع عن مقترحاتهم التي قدِّمت للساقي ولبركات، وهي ظهرت مقترحات دسمة تحفل بالخيوط والأفكار التي تنوعت على نحو متطرف. تلى كل طرح مناقشة شاركت فيها نجوى والمشاركون الآخرون. بالنسبة إليّ، أردت أن أكتب قصة عن تأثير غياب الأشخاص، والتفاصيل وعن هوية الفرد الشخصية التي تتغير بتبدل مكونات محيطه في جو من الغرائبية والصدف في بيروت الآن. تغير مقترحي في بعض أجزائه مع الحفاظ على فكرته الأساسية. كانت ثمة شخصيات كثيرة تثقل خط الرواية الأساسي من دون أن تفيده. بعد أن رسينا على الخطوط العامة التي قررت العمل عليها، تفرقنا إلى جلسات انفرادية مع نجوى. كنا نتناقش على مدى ساعات في مقاهي العاصمة. نجوى ترمي الشك، ولك أن توافق أو لا. تتعرف معنا على الفكرة حتى تضاهينا معرفةً كأنها تخلقها معنا. هي الشخص القابع في الرأس، يجلس أمامك على كرسي، ويسأل، ويستطرد، ويناقش، ويومئ».

ويضيف شومان: «منذ البدء كانت اللغة تؤرقني. وددت أن أجرب نمطين، الأول يحوي صوت الراوي الذي يتكلم عن الشخصيات بضمير الغائب في الوقت الحالي، ولكنه في الوقت نفسه غير عليم بكل الأمور، بل يرى التفاصيل من وجهة نظر الشخصية الرئيسية، والنمط الثاني يحتوي على ضمير المتكلم، وبحثتُ له عن لعبة فنية داخل الرواية لتبرير وجوده. أوجدت اللعبة لأني لم أكن واثقاً من أني سأنجح في تفرقة اللغتين. لم أود أن أجرب كل شيء دفعة واحدة. رغبت في أن تكون تجربتي «مضبوطة» إيقاعاً وشكلاً».

بدأت آخر المشتركات رنا نجار بالقول: «كتبت رواية من المخطّطات التي كنت أؤجّلها دائماً إلى أجل غير مسّمى، حيث يمكنني التفرّغ للكتابة الأدبية بعيداً عن الغرق في يوميات الصحافة والتلفزيون. كنت أقول دائماً إنني ما زلت صغيرة وخبرتي ما زالت متواضعة. هو حلم يعيش في هواجسي، ولطالما تساءلت كيف سأبدأ والى أي دار سأتوجّه واسمي ليس على الخريطة الأدبية؟ لكن مع هذا المحترف استطعت على الأقل أن أبدأ وأجرّب وأتمرّن تطبيقياً على كيفية بلورة الأفكار الكبيرة واستنباط الشخصيات وتقنية السرد والتدقيق في التفاصيل والبعد عن الحشو».

ووصفت نجار المحترف بأنه «كـ «الأم» التي تعلّم وليدها كيفية المشي ونقله من مرحلة الحبو (الدبدبة) إلى الركض، خصوصاً أن نجوى بركات «كانت مشجّعة لنا ومنحتنا جرعات من التفاؤل قبل كل شيء. ما مكّننا من الاستمرارية والمثابرة. عامل الثقة الذي منحتنا إياه بركات، جعلنا نسلّم كل ما لدينا لها. فالكاتب يكون عادة أنانياً ويستغل كل ما من حوله لكتاباته. أما بركات التي بنت علاقة وثيقة معنا وصارت صديقة، كانت وفيّة لكل كلمة نكتبها ولكل فكرة نطرحها. ولم تنسَ أن توجّهنا من دون أن تتدخّل في المادة أو تفرض رأيها، حتى الأسلوب لم تتدخل به». الأهم أننا خضنا التجربة، فلا تُخاض الحروب من البيوت. المهم أن نبدأ، وها نحن صرنا على خارطة الأدب وإن كانت تجربتنا متواضعة ومبتدئة».

وحول روايتها قالت «أردت أن أخترق عالم المراهقين وعذاباتهم وأحلامهم ونظرتهم إلى الأمور من منظار بسيط، وهو موضوع قلّما طرح في الرواية العربية. وبما أن عالم الطفولة والمراهقة غني ويجذبني وما زالت الإنتاجات الأدبية قليلة حوله في العالم العربي، أردت أن أسرد ذكريات مراهقين هما ريم وجاد اللذين قرّر أبوهما إرسالهما الى مخيّم صفيّ، لأكشف وأعرّي التناقضات الاجتماعية والطبقية والطائفية في المجتمع اللبناني، بلغة الأطفال البسيطة والحادة في الوقت نفسه. قصص الأطفال لا تنتهي وهنا يأخذنا عالم ريم وجاد إلى السخرية من الزيف الاجتماعي ووصف الواقع بأسلوب بسيط وسهل وجارح أحياناً، لأن الأطفال حقيقيون ويقولون دائماً الحقيقة من دون تجميل». وختمت قائلة: «المشكلة الوحيدة التي عانيت منها هي الالتزام بالوقت، ومازلت أعمل على الفصلين الأخيرين».

«لديك ساقا دجاجة».

تثب الجملة أمامه من زمن بعيد. من قالها؟ ربما أحد الصبية، ذات صيف. كبر هيثم وتعرّف إلى أناس آخرين. رحل بعضهم وبقي آخرون، على تباعد لقاءاته بهم. إلا أنه احتفظ بساقي الدجاجة، رغم كلّ تحولاته الجسمانية. عندما يزداد وزنه، تتكدّس الكيلوغرامات في منطقة البطن. وعندما تبلغ الأمور حدوداً خطرة، تصعد الكيلوغرامات لتستقرّ في منطقة أعلى الصدر. أما الساقان، فتـُبقيان على نحولهما.

لذا يلبس هيثم بنطالاً رياضياً عندما يجري في الصباحات في شوارع بيروت. لذا يتفادى دعوات الذهاب إلى البحر مع أمل وهاني. هما لا يفهمان هذا الرفض المتكرر، وهو لا يشرح ويكتفي بالابتسام. قد يزورهما بثياب الرياضة، في مسبح السان – جورج، فيفاجآن ككل مرة، بحضوره. لكن لم يصل الأمر قطّ إلى حدّ النزول معهما في حوض السباحة.

حدث ذات مرة أن خلع هيثم قميصه القطني في المسبح. صفَّقت له أمل ضاحكةً، محتفيةً بالإنجاز غير المسبوق. طلبت له – على حسابها – بيرة ألمازة ميكسيكان، بملح رطب يزنّر مشرب الكأس. وقفت وقالت، مقلدةً مراسلي نشرات الأخبار: «أعزائي المشاهدين، عم نشهد اليوم حدث تاريخي فريد من نوعه». ضحك هيثم. وضحك هاني. لكن «الصبيّ» – كما تناديه أمل عادةً – لم يكمل استعراضه، إذ أبقى ساقيه مختبئتين داخل بنطاله. يومها، لوِّحت الشمس نصفه العلويّ، وفشلت في الوصول إلى جزئه السفلي.

ولم يحدث أن تكرّر ذلك الإنجاز مطلقاً.

عن الأخبار

«كيف تكتب رواية» عنوان الورشة التي انطلقت قبل عام، بمبادرة من الأديبة، وبمشاركة رشا الأطرش، وهلال شومان، ورنا نجار، ورشا عباس. مَنْ يربح لوغو «دار الساقي»؟


سناء الخوري

«نعم، كتابة الرواية تُعلَّم»، تجزم نجوى بركات. الروائيّة اللبنانيّة التي أدارت محترف «كيف تكتب رواية» مع «دار الساقي»، ضمن احتفالية «بيروت عاصمة عالميّة للكتاب»، تعود بنا إلى جذر السؤال التقليدي الذي يدفعنا عموماً إلى التشكيك في إمكان نقل حرفة الكتابة. تقول «في مجتمعنا العربي، الكتابة مرتبطة بالكتاب وبالوحي. لذا، نحيط اللغة والنصّ بهالة من القدسيّة».

صاحبة «باص الأوادم» التي خاضت تجربة إدارة المحترفات الإبداعيّة في الخارج، كانت مهووسة لسنوات بفكرة تنفيذ محترف إبداعي عربي، وجاءت «بيروت عاصمة عالميّة للكتاب» فرصةً لتحقق مشروعها. المحترف كان بابا لهم يؤرّق بركات: «هناك نقص حقيقي في نقل الخبرات من جيل عربي إلى آخر». خاضت بركات التجربة مع رشا الأطرش، ورنا نجار وهلال شومان من لبنان، ورشا عباس من سوريا. بدأ كلّ شيء في ربيع 2009، حين جاءت الأديبة اللبنانيّة بفكرة إقامة محترف للكتابة يحتضن بعض الأقلام الشابة وتبنّت «دار الساقي» الفكرة، على أن تتولّى نشر الرواية الفائزة في نهاية المطاف. وتهافتت مشاريع الروايات من لبنان والعالم العربي ما إن أعلن عن المحترف. قبل الورشة الأولى في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، كان خيار لجنة التحكيم، المؤلفة من نجوى بركات و«دار الساقي» وممثل عن «بيروت عاصمة …»، قد رسا على ستّة مشاريع.

ثمّ انطلقت مغامرة «تشييد العمارة الروائيّة»، كما يحلو لبركات وصفها: «حاولتُ أن أنقل المشاركين من منطقة الفكرة والأيديولوجيا، إلى فعل الكتابة الحقيقي. حاولت مساعدتهم ليجدوا صوتهم». صاحبة «لغة السرّ» التي تعمل الآن على تعريب «مفكرة» ألبير كامو بأجزائها الثلاثة، ستعلن عن الفائز في محترف «كيف تكتب رواية»، عند السادسة من مساء 14 نيسان (أبريل) الجاري خلال حفلة، يليها توقيع العمل المتوّج.

بغضّ النظر عن فكرة المباراة، ستكون حصيلة المحترف أنّه أتاح للجمهور فرصة لاكتشاف طاقات روائيّة جديدة، بعدما ندر وجود الأعمال السرديّة الشابة على رفوف المكتبات اللبنانيّة. «من غير الطبيعي أن يكون الروائيّون الشباب في بيروت معدودين على الأصابع »، كما يقول هلال شومان. الشاب القادم إلى محترف الرواية من فضاءات التدوين والهندسة والصحافة المكتوبة، يكتب قصّة هيثم: بين الحمرا والسوديكو والجامعة الأميركيّة ونيويورك، نتابع يوميات شاب عشريني يستيقظ ذات يوم مع آلام تمتدّ على كامل جسده. الجسد يحتلّ مساحة كبيرة في رواية رشا الأطرش. بطلتها غادة، عاملة في متجر لبيع مستحضرات التجميل، تحاول تركيب حياتها بعيداً عن مسالك أمها وخالتها وأختها. الصحافيّة الشابّة في جريدة «السفير» تنجز هنا مشروعاً شخصياً، لا من حيث المواضيع والشخصيات، بل كفعل فردي بامتياز. «لا أحبّذ التعامل مع العمل الروائي بما سيضيفه إلى المشهد العام، بل كحالة قائمة بذاتها»، تقول الأطرش.

من جهتها، بقي على رنا نجار أن تكتب المشهد النهائي من رحلة ريم وجاد إلى مخيّم كشفي. أحداث الرواية غير الناجزة التي توقّعها الصحافيّة في جريدة «الحياة» تدور في بيروت الطالعة من الحرب الأهليّة أوائل التسعينيات. بلغة طفوليّة، تحكي نجار التناقضات السياسيّة والاجتماعيّة في لحظة مفصليّة من تاريخنا المعاصر. أما رشا عباس، فقد انسحبت من السباق قبل إنجاز روايتها «تكنو» التي تدور حول عالم الأندرغراوند في سوريا، بين «التاتو» و«الحشيش». «انسحابي خيار ذاتي جداً ـــــ تقول الكاتبة السوريّة الشابّة ـــــ فضلت أن أنجز باكورتي وحدي، بعيداً عن صيغة المحترف والمحرِّر». إحدى الروايات الثلاث الباقية إذاً، ستبلغ الشوط النهائي. صاحبة الحظّ السعيد يعلن عنها يوم الأربعاء، وتكون في اليوم التالي على رفوف المكتبات، تحت لواء واحدة من أنشط دور النشر العربيّة. تفكّر «دار الساقي» «في تحويل التجربة إلى تقليد ثابت، يهدف إلى اكتشاف الروائيين الشباب»، بحسب مديرة التحرير رانيا المعلّم. أمّا نجوى بركات فترى أنّ فضلها على الورشة كان في دفع المشاركين إلى فتح طاقة على أعماقهم: «أن تكتب رواية معناه أن تفتح تلك النافذة في معدتك بحثاً عن أشيائك الدفينة».

برعاية وزارة الثقافة اللبنانية

وفي إطار “بيروت عاصمة عالمية للكتاب”

وبحضور مديرة محترف “كيف تكتب رواية”

الروائية نجوى بركات

بيروت عاصمة عالمية للكتاب ودار الساقي

تتشرفان بدعوتكم إلى حضور حفلة الاعلان عن

الفائز في محترف “كيف تكتب رواية”

وتوقيع الرواية الفائزة

تلي اللقاء حفلة كوكتيل

الزمان: 14 نيسان 2010 من السادسة حتى الثامنة مساءً

المكان: صالة متروبوليس، سينما أمبير، صوفيل

المشاركون الذين وصلوا للمرحلة النهائية

رشا الأطرش

رنا نجار

هلال شومان

الباب الحديدي لا يزال يقف حجر عثرة بيني وبين شرفتك. ألم يفطن مصمم الباب أن يترك بعض النتوءات لأقدام بعض عشاقك المجانين، أم أنّ الأمر مقصود؟

تباً. قدمي تتزحلق. أترحم الآن على الباب الخشبي رغم نثراته الظاهرة التي كان تفعل فعلها في ثيابي الصوفية.

خلويُّكِ يرنّ ولا أحد يجيب. عادتكِ السيئة لا تبطلينها. لا أدري لـِمَ يشتري الناس خلوياً يعرفون حق المعرفة أنه سينتهك خصوصيتهم إن كانوا لن يردوا عليه. أستطيع تخيل قطتك المكتئبة دوماً نائمة فوق الخلوي وأنت تفتشين عنه كعادتكِ. يقولون إنَّ اكتئابها هذا يرفع من سعرها، عجباً. أراكِ تلقين مخدات السرير على الموكيت بحثاً عنه، فيما القطة تشعر بالرجّات تحت بطنها، وتمضي تتثاءب من دون أن تتحرك. تستمتع بالذبذبات الخلوية القادمة من تحتها، وتفشلين أنتِ كعادتكِ في العثور عليه. ثمّ ترنين عليه من خلوي آخر، قبل أن تتذكري أنكِ أسكتِّ رنته في اجتماعك الأخير ونسيتِ إعادتها؛ وفي خضم كل ذلك، أبقى أنا عند الباب أحاول إيجاد طريقةً للدخول لا أوقظ بها أفراد عائلتكِ.

أنظر حولي. سألتقط حجراً وأرميه على شباك الطابق الأول حيث تقع غرفتكِ. لا خيار آخر لدي. حصاة صغيرة تحدث صوتاً يلفت انتباه من في الغرفة، ولنأمل أنكِ أنتِ في الغرفة.

لكن مهلاً. من كنَّس الطريق هنا؟ أين الحجارة؟ ألم تمر أية مظاهرة من هنا؟ ألم تستقر عربة إطفاء عند ناصية قريبة؟ أهذا شارع يشبه زمن المصالحة أم ماذا؟ بات الأمر مؤكداً. هذه ليلة سمجة كالنهار الذي سبقها.

أخيراً، بضعة حجارة! لا. هذا حجر صغير، لا ينفع. ذاك حجر متوسط الحجم، فلأجرب.

أرميه. أحقق إصابة قاتلة من المرة الأولى. أصير كاسر زجاج. وأكلِّف أباك مئة دولار جديدة. تـُضاء الأضواء وأسرع الخطى نحو سيارتي المركونة عند المفرق، حيث أجلس، وأنتظر. ألمح في المرآة الخلفية خيالاً وراء ستارة النافذة. خلويّ يرنّ باعثاً برنة شهيرة لموزارت. شاشته تضيء وتنطفئ: أنتِ.

- لِمَ لا تتخلصين من خلويك. يعاني الأمرّين معكِ. هل كانت قطتك البليدة نائمة فوقه كعادتها؟

- لا.

- ماذا إذاً؟

- وضعته في البراد خطأ. لو لم أشعر بالجوع لما كنتَ سمعتَ صوتي الليلة.

- ماذا نفعل غداً؟

- قياساً على ليلتنا هذه وعلى مزاج أبي، ما رأيكِ أن نشاهد فيلماً بلونيْن لشارلي شابلن؟

نضحك، ونخرج سويّاً من شاشة العرض إلى مقاعد صالة السينما، ونشاهد اللقطة التي فرغَت منّا.. للتو.

ننظر إلى سقف الغرفة: صُوَر. تذكرين كيف ألصقناها هناك؟ تناوبنا على التسلق إلى الأعلى. يثبِّت أحدنا الصورة فيما الآخر في الأسفل يمسك «السيبة».

صورة أولى: بدويَّة

أنا وأنتِ في المقهى الجبلي. تقترب منك البدوية، تستفيض في النظر إلى كفكِ، ثمّ تقــول كلاماً كبيراً لا أفقه منه شيئاً. تستمتعين بما تسمعينه منها. لا أفهم ما يحدث أمامي، وأرتكب أسئلة لا يجب عليَّ طرحها. تسألينها أن تنظر إلى كفي. أعارض في البدء، وتحت إصرارك، ونظرتك العنيدة، أحس بالذنب، وأسلّم نفسي لتفاهة اللحظة. تنظر العجوز إلى كفي. تتمتم بكلام قليل غير مسموع، وتؤثر أن تستأذن من دون أن تأخذ «أجرة كفّي». هل كان كفي يخيف إلى الحد الذي يدفع العرَّافة ـ بكل ما يصدر منها من أصواتِ اكسسوارات ـ للانسحاب؟ فكرتُ عندها وفي سؤالي تسليم ضمني بِلا تفاهة.. التفاهة!

استطراد: شعركِ

شعركِ يزعجني. أربطيه أو أديريه للجهة الأخرى، من فضلِك. شكراً.

صورة ثانية: نيسكافيه

أُنظـُرْ مثلاً لهذه الصورة؛ تلك الملصقة في الطرف الأيمن. كنا نركض على الكورنيش. نتسابق وفي أفعالنا شيء من ولدنة نحاول استعادتها فلا نـُوَفَّق. هل تذكر؟ أنا لا أنسى تلك اللحظات: ضحك هستيري، عرق مقرف ملتصق بالثياب، وكوب من القهوة الرديئة الساخنة بعد جري يستحيل كل مرة مناكفاتٍ ولعبة ركض بلهاء. أنظر كيف بقّعت النيسكافيه تي ـ شيرتك المبقَّعة أصلاً بالعرق.
هنا، هنا.

صورة ثالثة: بالتقسيط

نتأمل بصمت. أنظر إلى صورة، وتنظر أنتَ إلى أخرى. أستدير ناحيتك. أنتَ فوق، لا بجانبي. أعود لذكرى شبه مفقودة معلّقة في الأعلى. ما عدنا نتكلم كما قبل. ما عدنا نـُغضـِب بعضنا عن قصد. شَغَلَنا الزحام. أوقف الضجيجُ الكثير. بات كل شيء مدروساً. تعبنا من المشاريع الصغيرة. بتنا قبالة الكبير المخيف: قرارات مصيرية لا تحمل عفوية اللحظات المصوّرة فوقنا. غداً نبدأ بتقسيط مشاريعنا. تصبح حياتنا مجزّأة عند بداية كل شهر، أيامنا فعل واجب، وضحكاتنا الهستيرية اجتماعيةً محسوبةً.

استطراد: راديو وقهوة

الميلودي الأولى انقلبت كوبليهاً مليئاً بالكليشيه والصور المنمَّطة والاستعادات السقيمة. رائحة القهوة القديمة ما عادت تحضرني. باتت القهوة وسيلة لبداية نهار عمل مرهـِق. أنا متعَب.

سؤال: أبيض

أنتِ، هل فرغتِ من الأفكار أو بعد؟ ألا تخافين تلك اللحظة؟ يوم يصبح كل شيء أبيض؟ تحاولين أن تبدأي بفعل شيء فلا تـُوفـَّقين. تنظرين إلى أرشيفك فتشعرين بأنّ من حققت ذلك بعيدةٌ عنكِ كل البعد. أنا أصدقكِ القول: أخاف تلك اللحظة؛ يوم استنزف قدراتي؛ يوم أشعر باللحظة طرحاً من ما تبقى من حياتي لا إضافةً لما سبق، يوم أفتح برنامج «الوورد» وأمكث أياماً أنظر لصفحة بيضاء.

استطراد: أرق

اليوم شاهدت فيلم (500) days of Summer، وتماثلت مع شخصية الفتى الذي لا يفهم، ولا يود أن يستوعب ما حدث، وتبشِّرنا نهاية الفيلم بورطتِه القادمة. الأمر خطير ويحتاج لتدارك. هكذا أظن أنا الآن. لكن ماذا لو تساعدنا للخلاص من المأزق؟ هل ننجح معاً أم نفشل بامتياز سوياً؟
لحظة. هل أتعـِبكِ بأسئلتي هذه؟

بساط الصوَر

«السيبة» تـُعاد إلى موقعها السابق، تحت قصصنا المصوَّرة. «أمسكيها جيداً»، أقول. سنُدخِل السقف حياتـَنا الاجتماعية القادمة، التي علينا حسابها بدقة. آن وقت تحويله أبيضَ كسائر أسقف بيوت العائلات الكلاسيكية.
أحاول نزع صورة اللقاء الأول فلا أنجح، صورة السهرة الاجتماعية الشهيرة فلا أستطيع، صورة الشارع الضاج بالألوان فيأبي أن يبهت بين يديّ. ما الأمر؟ هل كان عنادنا في إلصاق تلك الصور ماضياً يفوق رغبتنا بنزعها الآن؟
لا ننزع صورة واحدة من محاولة أولى. نجرِّب أكثر من مرة حتى ننجح، وخلال ذلك أصمت. أصمت كثيراً، ثم أبتسم، وتستعيدين أنتِ شفاهاً تفقدينها عادةً أيام الشتاء. نضحك ونعاود الاستلقاء على السرير. ما عاد شعركِ يزعجني. حتى أني لستُ منتبهاً الآن إلى الخصلة التي لامست وجنتي. ننشغل بالنظر إلى الأعلى؛ حيث يستقر ما تبقى من نبيذ الصور العتيق.
هناك، فوق سيبة غير متوازنة، يتكلم كلانا بصمت.

«شعرتُ بك هنا، وفهمت إنك هنا. أنت أطلعتَني على سرِّك: أنظرْ دائماً للعالم كأنك تراه لأول مرّة».

من «أوسكار والسيدة الوردية»

كنت أقف عند «الكاونتر»، عندما تطوّعت ممرضة لتسألني عن وجهتي. شرحتُ لها أني أبحث عن الولد الذي أعلنوا في الراديو عن حاجته للدم. أجابت إن قسم التبرع يقع في الطابق الأسفل. قلت مصراً إني أريد أن أرى أولاً الولد. نظرت إليّ، غير فاهمة. صمتت للحظة، ثم أشارت، وهي تضمّ شفتيها، إلى الغرفة المواجهة. كان الباب موارباً. تقدمت ناحية الغرفة وقبل أن أدخل، تراجعتُ، ووقفتُ عند الباب من دون أن أفتحه أكثر، ونظرْت.

استطعتُ رؤية ولد متكوم في الفراش في لباس المرضى، يدير ظهره لمدخل الغرفة وينظر باتجاه النافذة. حدستُ أنه ينظر إلى ذاك الاتجاه من الطريقة التي كان يرفع بها عنقه عن فراشه، ومن استدارة وجهه.

وقفتُ عند العتبة بلا أدنى حركة. اقترب مني رجل تنظيفات بعصا ممسحته. وبدأ الكلام من دون أن أطلب منه ذلك. بدا بحديثه كشخصية هاربة من رواية لموراكامي، خاصةً إحدى رواياته التي كتبها قبل 1996. روى الرجل لي قصة الولد، وظلّ أثناء ذلك متحكماً بعصا الممسحة، محركاً إياها برتابة إلى اليمين واليسار:

«يسكن الولد هذه الغرفة منذ شهور. خرج ذات صباح إلى قاعة المستشفى، وأخذ يرفع كل قوابس التلفزيونات من الجدران، على التوالي. ما كان من المرضى الآخرين إلا أن نظروا إليه مستهجنين. كان قد أطفأ مباراة الليلة ونشرة البارحة، وحلقة المسلسل التركي المعادة، والأغنية المصوّرة الصامتة، والبرنامج الفني الفاضح، والصياح المسمّى سياسة. أخرج كل القوابس وتوقف للحظة محدّقاً في عيون الجميع. أراد أن يقول شيئاً، لكنه لم يفعل. تنهد فقط في زاويته، وعاد إلى غرفته تحت نظرات المرضى والممرضات المتوعدة.

يوماً بعد يوم، اعتزل الجميع. صار ينزوي بنفسه أمام شباك غرفته الوحيد كل ظهيرة، يطعم ما تبقى من رغيف الغداء للعصافير الفزعة.

بات أصلعاً من أثر العلاج الكيماوي، هذا فضلاً عن أمراضه الخَلْقية الأخرى التي يصعب حصرها. في صبيحة يوم، نظر في المرآة ولاحظ كم تضخمَّ رأسه بلا شعر، أو ربما خُيِّل إليه ذلك. يخيَّل له الكثير من الأشياء هذه الأيام. الكثير من الأمور تتعاظم حوله من لا شيء ومعها تكثر مشاعره المتطرّفة.

تفاصيل مرضه صعبة، ومعرفتها ليست بذات أهمية تذكر. معروف فقط أنه سيموت، وأنه سيتعلم الكثير قبل أن يموت، وأنه سيكتب إلى ربه رسائل عدة، سينعته فيها بصفات غير لائقة اجتماعياً.

يمكن تعديل قصة الولد، باستعارة حبكة مماثلة من رواية «أوسكار والسيدة الوردية» مثلاً لإيريك إيمانويل شميت، كأن نروي قصة ممرضته المسنة التي تقول إنها كانت في شبابها تطرح أرضاً كل من ينافسنَها من الملاكِمات، أو نقصّ حكاية غرفة المقشات التي يختبئ فيها الولد أوسكار بعيداً عن أهله، كلما زاروه. هم يزورونه دائماً، ولكنه يختفي. ينتظرونه قليلاً ثم يرحلون. وتتضاءل مدة انتظارهم بتتالي زياراتهم حتى يختفون هم بدورهم، ويستلذّ هو بوحدته.

وقد لا يتسنى للولد أن يحبَّ فتاة من عمره. قد يفني أيامه الباقية في العدّ والانتظار. وربما يكتب يوميات سخيفة يشرح فيها كل شيء لمن سيقرأها من بعده، أو يستدعيه مقدم برنامج سياسي في حلقة اجتماعية خاصة فيعرضه أمام الجماهير في التلفزيون، وينظِّر أنه مختلف أو أنه يصارع الحياة القاسية، ويشجعه، فيصفق له الجمهور الذي دُفِع له ليأتي إلى هذا الاستديو ويشجع حالات كحالاته، ويضحك في خلفية المشهد.

كل ذلك قد يحصل لاحقاً. وربما يبقى الولد، بانتظار ذلك كله، جالساً أمام الشباك، ينظر إلى بحر بيروت الذي غزته الأكياس البلاستيكية الوسخة. لا يرى من غرفته هذه التفاصيل، لكنه يتخيلها. يشم رائحة رذاذ البحر، ويركّز في صوت سرب النوارس الحائم فوق الصخور، وفي بقايا أنغام أغنية الحب المصرية المنبعثة من فيلم بهتت ألوانه في تلفزيونٍ موضوع على رف خشبي في دكان سمانة قريب، أو في كوبيْ نيسكافيه رديئيْ المذاق يحملانهما حبيبان، أو حتى في مشهد بعيد لشاب أرعن يخلع ملابسه ويغطس قرب الصخرة على مرأى من فتيات مارّات.

ثم يغمض عينيه حتى يرى الأكياس البلاستيكية أثقلها وسخ السطح، فغرقت بعيداً في عمق اليمِّ بعيداً حتى عن ناظريْ خياله.

يحاول الولد، قبل موته، في عزلته أمام الشباك، أن يتعرَّف على العالم؛ وينتظر أن ينجح قبل أن يلم أغراضه ويذهب بعيداً، ممعناً في عزلةٍ أخيرةٍ ليس بعدها شيء. ينتظر الولد تتمة حكايته، فيما يحاول رفاق له في عمره أن لا يفكروا في النهايات. ينتظر الولد نهاية انتظاره.

ينتظر الولد أمام الشباك. ينتظر الولد أمام الشباك. ينتظر الولـ…».

عندما نظرتُ إلى يميني، لم أجد عامل التنظيفات، وفكرتُ أني ألفتُ قصة الولد في دماغي. لا يمكن لعامل تنظيفات أن يستشهد بإيريك إيمانويل شميت. لِمَ غير ممكن؟ لأنه عامل تنظيف؟ ألا يكون قرأ الكتاب مساءً في غرفته الضيقة الواقعة في مكان ما من هذه العاصمة؟

هل كان العامل هناك فعلاً؟

لا أدري. أثق – على الأقل – أنّ العامل لم يروِ القصة بهذه الطريقة، وأني أنا من أعدت كتابة الحكاية بأكملها. أما تفصيل حدوث الحكاية من عدم حدوثها، فهو أمر ثانوي، ولن يفيد بشيء.

إلى ناجي…


السمكة

كان يملك عينين كئيبتين، بقزحيتين رماديتين. رغم ذلك، جسمه بدا أحمر اللون، مبللاً. لمّا رمى نفسه ذات لحظة من أعماق البحر إلى رمل الشاطئ، أخاف كثيرين. أصدر صوتاً رهيباً عظيماً كحجم جسده المرتطم بالرمل. صوت يشبه الصرخة الأخيرة في الأفلام.

أنا كنت أتجول مع ريم على الرصيف، لحظةَ وصلنا بعضاً من رذاذ البحر المقذوف ناحيتنا بفعل تلك القفزة. أذكر تحديداً أن سمكة طائرة وقعت قربنا من الأعلى، وأخذت تتحرك بسرعة باحثةً عن ماء على الإسفلت لم تجده، ثم ضمرت وتوقفت عن الحركة.

نظرَت ريم إليها وقالت: «بابا. سمكة». حملتها، ومشيت مغادراً إلى الشقة القريبة. وأنا أمشي، كانت هي منهمكة بتزرير ياقة قميصي وإعادة فتحها.


أبي، الثورة، والحليب

عندما نظر أبي في آخر أيامه إلى ريم، بوّل في ثيابه. قال إنها حلوة كثيراً، بعكس «خلقتي». أضاف أن لله في خلقه شؤونا، أما أنا فلم أملك إلا أن أبتسم وقتَها.

عاهدْتُ نفسي على الابتسام دوماً، حتى وأنا أخطط للثورة. يستغرب رفاقي ابتسامتي. الثورة عندهم تأتي مع عقد الحاجبين والصراخ. كنت أجيبهم دوماً: «أنتم لا تعرفون العيش، ولا تفقهون اللعب».

كنتُ أضطر إلى اصطحاب ريم معي إلى الاجتماعات. تجشّأت مرة حليباً على بيان من بيانات الثورة. شتمني أكثر من رفيق، واضطررنا وقتها إلى إعادة كتابة البيان مرة أخرى على الآلة الكاتبة.

لكني كنتُ أعلم في سري مسبقاً أن الثورة ستفشل. فكّرت أنَّ ثورةً تُكتَب بياناتها بخط اليد ولا تطبع على الكمبيوتر، لا بدَّ أن تفشل.


أمام الحوت

تذكَّرْتُ ذلك كله ونحن واقفان أمامه. مسَّدَت ريم فوق عينيه. فتحهما للحظة، ونظر إليها. أصدر صوتاً شبيهاً بهديل اليمام، ثم أعاد إغلاقهما للأبد، وقام الأمن المركزي بإبعادنا كالعادة، وبعدها.. استيقظت.


ريم والحيتان الطائرة

تعلمت ريم الكلام. قالت لي بطلاقة: «بابا، أنا أشم رائحة الحوت الأحمر!» حملتُها ـ وكانت قد أصبحت أكثر ثقلاً ـ وخرجنا سوياً إلى الشرفة.

كان يوماً شتائياً ماطراً. أمام ناظرينا فجأة، تزحلقت سيارة في الشارع لترتطم بأخرى. لفّت السيارة الثانية دورتين أو ثلاثا ثم ارتطمت من جديد بعمود الكهرباء. تلى ذلك قفزة أخرى لحوتٌ آخر إلى الشاطئ القريب.

صرخت ريم بحماسة: «بابا؟ رأيت الحوت الأحمر؟» لم أجب، حملتُها من جديد إلى الداخل، عنوةً، وأغلقت الباب.

في الغرفة، سمعنا صوت سيارات الإسعاف. حاولت أن أخفي عنها الأصوات، فأدرتُ لها التلفاز وشاهدنا بعض الرسوم المتحركة.

نامت في حضني، وأنا أقرأ كتاباً لفرناندو بيسوا. عندما مللت من القراءة، نظرتُ إلى الجدار الأبيض أمامي، فرأيتُ الحوت الأحمر عليه. كان يطير. لم أكتفِ برؤيته. شممتُ رائحته أيضاً.

تبرّزت ريم في حفاضاتها بحجري. كنت أسمع أصواتاً مهولة في الخارج، متبوعة بصفارات الإنذار، وزمامير سيارات الأمن المسرعة.

خلعتُ نظاراتي، ووضعتها جانباً. وددت أن أقول لها: الحيتان تتقافز إلى الشطآن يا ريم! إصحي!»، لكنني تصرفتُ كأبٍ يهتم، ولم أوقظها، بل اكتفيت بالنظر.

«مقهى جميل، ينقصه فقط نادلة جميلة!»، بدأ.


Serendipity

لا يمكن وصف اللحظات التي تحظى فيها بسعادة فائقة غير مفهومة. فيها، تشعر أنَّك مُصطفى لأداء مهمة عجائبية الهدف. وفيها، تخاف أن تفقد ذاك الشعور الذي لا تفهمه. تتوجس، لكنّكَ لا تلبث تورّط نفسك في اللعبة، بل تعشقها. وعندها ـ عندها فقط ـ يتملكك الخوف من فقدان هذا اللا فهم الجميل.

الأغرب، أنّ حواسك كلها تركِّز بقدرة قادر على خدمة ذلك الهدف غير المفهوم. كأنها تستدعي «الصدف». أضعها بين مزدوجين، ولا أجد الآن ترجمة ملائمة لكلمة «serendipity». هل هناك «صدف» فعلاً؟


الخزق

انحنت. جمعَتْ فتات بسكويت بخرقة طُبِعَ عليها ختم المحل. ابتسمت لي ثم أنهَتْ حديثاً بدأتُه بلباقة تُحْسَد عليها. بلباقة، لم تجعل ابتسامتي تتبخَّر. كيف تصدّ أحداً وتجبره على الاحتفاظ بابتسامته؟ تلك موهبة.

هل تنظر إليها؟ إنها لا تني تتحرَّك بين الطاولات؟ تبتسم رغم كل هذا الضغط في الهواء حولها. أتراها؟ إنها مـصابة بالميغرين! كيف عرفْتُ؟ لم أعـرف. لكني أجزم أني مــحقّ! عندما انحنَتْ لتقدَّم لي كوب الكابوتشينو، لم ألمح إلاّ هذه الشرايين الزرقاء الرقيقة الطافية على سطح صدغها الأيمن. ولحظتها عرفْتُ، بل جزمْتُ، أنها مصابة بالميغرين. أملك دائماً مثل هذه الحقائق المطلَقة: شرايين زرقاء على صدغ، إذاً: ميغرين!

الشــرايين! إنــها الـخزق في الجمال الكامل. الـخزق الذي يبرز جمـالاً غير معهود. كما الشـامات أو النمش الأحمر أو الشفتان الباهتتان، أو، أو، أو…


الكل والبعض

قبَّلها وهو يتذكَّر ليالي التوت البري الأزرق. قبَّلها والتهم ما تبقى من الفطيرة على شفتيْها. استعاد كل لحظات الصمتْ السعيد والتأمل والاستماع والتعقيب والحوارات.

فعل ذلك في الفيلم، أما في الحقيقة فنستغرق الكثير من الوقت لنصل إلى مشهد كهذا، والأرجح أننا لا نصل. انشغالاتنا تعيقنا. ربما نحتاج بعضاً من الهدوء. بعضه، لا كله. «الكلّ» يسطو، ينقلنا إلى ضفة أخرى. نحتاج إلى «بعضٍ» منه لا يحيلنا جليداًَ.


«فسّيدو»

«أحسد الجواسيس!»، قال. في المشهد المجترّ، يجلس «فسّيدو» في كافيتريا الجامعة مع جريدة وكوب قهوة. في الأساطير، يلبس «فسّيدو» معطفاً في عز الصيف ونظارة سوداء ليراقب من ورائها. يرى الكثير، وإن كانت نظاراته تلوِّن ما يراه باللون الأسود. مع «فسّيدو»، هناك دائماً متسع من الوقت لرفع النظارة والتفرس بالتفاصيل.
استفاض وربَّت على كتفي كحكيم ستّيني غزت التجاعيد وجهه، ثم أطلق بعدها نصيحته المعهودة وهو يتمايل مزهوّاً:
«pause & notice يا عزيزي! Pause and notice!!».


شيء ما

«لديَّ شيء ما تجاه النادلات»، تحمّسْتُ وبدأتُ أشرح له، وازدادَتْ ابتسامتي إشعاعاً. «ليس انحرافاً»، شرحْتُ. أقرب إلى شيء طوباوي. أستمتع برؤيتهنَّ «ينغلْنَ» حولي. لا. ليسَتْ ساديّة. أنا حتى لا أجعلهنَّ يقمْنَ بالعمل المطلوب منهنَّ. أطلب القهوة. أنتظرها، وآخذ الكوب بيدي. لا أنتظرهنَّ أن يأتينَ به إلى طاولتي. أحرص أن تختفي تلك العلاقة غير المتكافئة نهائياً. وإن أصرَّتْ إحداهنَّ على عودتي إلى مقعدي أنتظر، ألتزم على مضض وأصرّ بدوري لما تأتيني بطلبي على معاجلتها بأخذ الأغراض منها.

وأكتفي بالمراقبة، تماماً كـ«فسّيدو».


قصيدة عمودية

سكرتُ البارحة. ثملْتُ حدّ الانطفاء. ولمّا ثملْتُ، ألقيْتُ على رفاقي قصيدةً جاهلية! تخيّل! سكران يلقي قصيدة عموديّة! ما يغيظني أني لا أتذكّرها الآن. لا أفهم كيف استدعى السُّكر ذاكرتي الاحتياطية! لولا أنّ رفاقي أعلموني بفعلتي هذه، ما كنتُ لأعرف. قلتُ: «بسيطة. أسألهم عن القصيدة»، وفعلْتُ. لكنهم ليسوا هواة شعر. أجابوا أن القصيدة احتوت شيئاً من الفخر والأنفَة والغرام الملتاع. هممم. فخر وغرام. تلك معلومات ساعدتني فعلاً في معرفة اسم القصيدة!

قالوا إني ألقيت القصيدة ونمت على الكنبة.

أنا أعرف ما حدث بعدها. وجدتُني في صبيحة يوم غريب، مستلقياً قرب ستارة غريبة النوم، مع صداع قاتل. فكرْتُ أن أذهب للمقهى طلباً لكوب قهوة سوداء تقليدي.

هل فهمْتَ الآن ما حدث معي؟ أفتش منذ الصباح عن قصيدة مركونة في احتياطي الدماغي ولا أفلح، وبدلاً من ذلك أعثر على ميغرين وشرايين وابتسامات وفتات بسكويت، ونورا جونز تغني أنها تغرق سويا مع حبيبها في وعاء من العسل وكوب من القهوة!


الفراشة والفوضى

ضعتَ؟ فلنعد قليلاً إلى ما حدث:

فيروز الهادئة في الخلفية، أو إيديث بياف أو حتى داليدا، الديكور القريب إلى الألوان الترابية، والطاولة غير المريحة على الإطلاق (لكن لا يهمّ)، والثريّا القديمة، والإبريق المزخرف (ينظر إليَّ الآن بفوهته)، والأضواء الصفراء المشعّة لكن غير المباشرة. كل ذلك تواطأ على إصعادي إلى سطح شعرة الأرنب. قبل، كنتُ في داخل فروة الأرنب. مشغولاً بالحديث معك عن القصيدة المجهولة. وبعدها وجدتُني فجأة على سطح شعرة أرنب جوستاين جاردر، من دون أن أتمسّك بشيء، كنتُ أطفو فوق. هل كنتُ أكيداً أنني أشهد ما يلي أو يسبق تأثير الفراشة؟ أهو تأثير الفراشة أم تأثير الفوضى؟ تباً لإدوارد لورينتز! كيف أتى بنظريته هذه؟ هل كنتُ واثقاً أن ما يحصل الآن يؤسس لشيءٍ تال سيطول من غير أن أبذل جهداً لأجعله يستمر؟ أنه سيلد ويطور ويحدِّث نفسه بنفسه؟


شرايين زرقاء

فلنختصر. بدءاً من اليوم، سأحظى بأسبوع قادم سعيد. لديّ بعضٌ من وجه نادلة جميل ليشاركني جلساتي في مقاهي الرصيف المختلفة التي سأرتادها. بعد سبعة أيام، سأعود فأدخل المقهى. أنتهز فرصة أخرى لأكلّمها أكثر. سنضحك، وأدعوها إلى فنجان قهوة في غير المقهى الذي تعمل فيه. سترفض دعوة القهوة، وتقول إنها لا تستطيع احتمال رائحتها، وأنها تغتسل ليلياً لطرد رائحتها المقيتة الملتصقة بجسدها.

لكنه ليس رفضاً كاملاً.

سنتفق على فعل لا شيء. لا شيء على الإطلاق. فقط، نمضغ الوقت ونقتله: نجد شارعاً بيروتياً هادئاً (رغم صعوبة خيارنا هذا)، ونمشي ببطء وبسرعة (بحسب مزاجينا)، ونضحك بجنون (من دون أن نجنّ).
ستقف هي لألتقط لها صورة بالكاميرا الرقمية. سأستغرق بعض الوقت لألتقطها، فتتأفف. ولمّا ألتقطها ستهرع عائدة لترى الصورة على شاشة الكاميرا. عندها لن تجدَ إلا شرايين زرقاء على صدغٍ أيمن، لا ابتسامة ولا وجها، فتنظر إليَّ مستغربة وتنتظر مني شرحاً، لن تحصل عليه مطلقاً.


خبر الكتروني عاجل فقد طزاجته: إملأوا العريضة التالية لحماية المباني والشوارع التراثية في شارع الجميزة.


«حافظ على الخيال»، قال له العجوز. حفر وجهه تضاريس جلدية وهو يؤكد طلــبه. الذاكرة الطفولية؟ تعرفهــا؟ ســأله، ثمَّ أردف: حافِظ عليها أيضاً. حافِظْ على تلك الأيــام. يوم كنتَ تقبض على حفنـة الريح وتعيد إطلاقـها وتـجزم أنها ستصل قريباً إلى منطقة مليئة بركام من السيارات المهشــّمة، تماماً كالفــيلم الأميركي. كنتَ محقّاً في حدسك. السيارات تمـوت، كما البشر. تصاب بالعجز أو يتجعلك حـديدها ببشاعة لا توصف. تموت جنب الشوارع. تحظى بزحمات سير قريبة أشبه بمآتم متلصصة. لم تخطئ ذاكرتك الطفولية. ففي صحراء عربيــة قريبة تُشجَّر قسراً، مكانٌ ما تُدفن فــيه السيارات المهشمة فوق سطح الأرض، على الرمل وخارج المطارات، وعند مداخل المدن، تــحت أشعة الشمس. يحفّ الرملُ حديدَها، وتموت بقاياها ببطءٍ عنيف.


خذ ما شئت من الحزن أيضاً. أملك منه أطناناً. يعظم بمرور الوقت. بالانتظار. أملك منه القدر الكافي لأتوقف عن الشعور بالأمل والرهبة والخوف. تسألني ما الرهبة؟ بعضُ خوف. تماماً كالكف المغلقة المملوءة أزهاراً، التي تفتــح لحـبيب في لحظة وجدانية تقبع في خيالاتنا. نحلم بها ولا تحصل. لكن الكف ستفتح، وستظهر بعض ورود ممعوسة متعرّقة. في الكف بعض ورود الدنيا. ليلك متعرّق.


لم يكن ما سبق إسقاطاً. تجنب الترميز الفج، لكن إشطح أكثر نحو الاستلاب. الحياة كمشة تغريبات. تتذكَّر تلك اللحظة التي شئت فيها أن يتحرك مثلاً فالق اليمّونة على حين غرّة، فيتصدع البناء، يهوي الطابق بك وتبلعك شقوق الأرض. تلك اللحظة التي عاجل فيها لسانُك من جلس أمامك بجملة لم تردها أن تبدوَ كما بدَت لحظتها. لكن سياق الحديث جعل الجملة وقحة، وصرتَ تباعاً أوقح. لحظتها اقترفْتَ الإستلاب ولم تدرِ، لا أنت ولا من جلس أمامك.


حافِظ على الخيال، وتبدَّل. تبدَّل ولا تَخَفْ. وحدها المشاعر لا تتبدل. هيَ هيَ منــذ الأزل. عرَّفناها أكثر، صحيح. حلـَّلناها أكثر، صحيح. أصبنا وأخطأنا، صحيح. لكنها لم تتغير. بقيَت كما هي. نحن تبدّلنا. أصبحَتْ أنانا أكثر وقاحة، تعاظمَتْ تأكيداتنا لأنفسنا بأننا نعرف. هل نعرف حقاً؟ هل نعرف؟


«حافظ على الخيال»، قال. لكنه اختفى. خرج من نفس الخيال وعاد إليه. اختفى في شارع استحضره فقط لهذه الجملة. شارع عتيق بدا للحظة شبيهاً بأحياء الجميزة التي تهجم عليها الأبنية من خارج المكان. وقبل أن تخفت صورته، ترك أغنية لداليدا تتردد وراءه: تلك كانت أيام الزهور.. كنا صغاراً نؤمن بالسماء. للاّ للاّ لا لا للاّ للاّ لا لا . . كنا صغاراً نؤمن بالسماء!

لا تعرفين ماذا حدث تلك الليلة؟

كنّا نشاهد فيلماً عربياً، والأضواء مطفأة. صنعنا بوشاراً من ذلك الذي يحضَّر سريعاً وتنتفخ أكياسه في دقائق في المايكرووايف، ثمّ جلسنا على الكنبة. لا. أحدنا كان على الكنبة والآخر كان مضطجعاً على الأرض تحت، مسنداً جسده إلى قدمي الآخر. لستُ أكيداً مَنْ منا كان تحت، ومَنْ منا كان فوق (أو لا أريد أن أتذكر).


قبل جلوسنا، كنا قد نظَّمنا الكتب في المكتبة التي تحجب عنّا لون الحائط، بحسب التسلسل الألفبائي لأسماء كتّابها (ما تبقى من لون الحائط يشي بعمر الشقة). فتحنا الكتب وأخذنا نستعيد الإهداءات والخطوط التي خطّيناها بالقلم الرصاص تحت بعض العبارات. كنا نستحضر تاريخاً بسرعة فائقة، وبمشاعر مضطربة (well، مشاعري أنا كانت مضطربة، dear!). كان هناك شيء غير مفهوم، وكنتُ صامتاً، وكنتِ صامتة، أغلب الوقت. لا يمكن أن تحسبي القهقهات والحركات والابتسامات، ولا بعض الجمل القليلة التي قلناها، كلاماً. كانت تصل الصمت ببعضه. تفهمين قصدي. كأننا كنا نتجنَّب البْلا بْلا بْلا، بعكس قصة «الجمع والمفرد»، لألبرتو مورافيا. الزوجة تحسب حقائق زوجها بْلا بْلا بْلا، وهي بدورها تفتش عن سخافات من دونها لن تصبح الأمور طبيعية. كانت تصف كلامه بالبْلا بْلا بْلا، وهي ذاتها تحاول إضافة البْلا بْلا بْلا إلى حياتهما سوياً.

في الفيلم الشاهيني أمامنا على الشاشة، قتل أفراد العائلة بعضهم بالأسلحة الرشاشة، وسالت دماؤهم في قنوات المياه، فيما الفتى هرب من شباك المبنى (ملصق الفيلم وجدته في موقع السينما على الانترنت، وفوجئت أنه يحوي عبارة تعريفية تذيِّل عنوانه. العبارة كانت: «المأساة الموسيقية». هل لكِ أن تشرحي لي معنى «المأساة الموسيقية؟). نحن كنا نقهقه، ونضحك ونبتسم، ونصمت. هكذا بتتالي المستويات: قهقهة، ضحك، ابتسامات، صمت. صرّة تنكات الجعة الخضراء الكرتونية فرغت شيئاً فشيئاً. كنتُ أنا أرمي التنكات الخضراء على موكيت الغرفة، بعد أن أجعلكها بيدي، ومن غير أن آبه للدم السائل من باطن كفي. فجأة، لاحظتُ أننا شربنا سبع تنكات من الجعّة. أنا شربت أربعا وأنتِ ثلاثا (أو العكس). (هل تحوي صرّة الجعة أكثر من ست تنكات؟ هل استهلكنا صرّتين؟) وفجأة أيضاً، ثقل رأسانا فصعد أحدنا إلى الكنبة ونمنا رأساً على كتف، رأساً على كنبة.

سبع تنكات، ولم نقرب الثامنة، وطرّاحة الكنبة ابتلّت ـ كما ثيابي ـ بدم باطن كفي.

أنتِ تقولين إنَّكِ لا تعرفين لِمَ فعلنا ما فعلناه تلك الليلة، ولِمَ لمْ نفعل ما اعتدنا فعله أيام الملل. (btw، ماذا نفعل نحن لحظات الملل؟ نسيت. ذكِّريني.) لا تجيبين، وتستنفدين التحليلات المقنعة لتهربي. اسمعي نظريتي إذاً: أظن أننا كنا نحتفل بموت أحدهم، وأننا كنا نثقل رأسينا (بعكس ما ظننّا من خفّة) باللا شيء أو بالكثير من الأشياء.


لا تنظري إليّ هكذا مستغربة. اللا شيء والكثير من الأشياء لا يتعارضان. الدرب توصل في نهايتها للطاحون hence: بْلا. بْلا.. بْلا!

مارون
«أرى الموت القادم. ليس كسابقه وحشياً، بل لن يشعر به أحد». قال له صديقه الميت في الحلم (أم كان كابوسا؟). نهض وقد أفرغ الكثير من ماء جسده عرقاً في ملاءات السرير. هي المرة الأولى التي يتذكر فيها حلماً من أحلامه. مبتسماً كان صديقه. يلبس جاكيتاً كحلية وبنطلون جينز وقميصاً كادت لتبدو بيضاء لولا بعض الخطوط. لم يتذكر أنه فتح له ذراعيه. لم يبد قديساً كما في أفلام التلفزيون: يرفع يده ويقول له اتبعني. لا. كان يبتسم فقط. قال جملته الوحيدة ثم اختفى. مشهد وحيد استغرق ثماني ساعات من النوم. كيف ذلك، لا يعرف.


جلس. ثم التقط كتاباً عن السينما من أحد الرفوف القريبة. كان كتاباً عن مارون بغدادي. اكتشف أن بغدادي كان يحضر فيلماً أخيراً قبل أن يرحل. أراد أن يميت شخصياته الأربع ميتاتٍ مختلفة. اتفق مع كاتب الفيلم على ثلاث ميتات. أما الرابعة فقد أراد بغدادي أن يجعلها «سخيفة». «فلنجعله يفقد توازنه ويسقط أسفل الدرج جثةً هامدة». هكذا كان. أُكْمـِل الملخص. لم يتوقع أحد عندها أن مارون سيموت كشخصيته الرابعة في أسفل الدرج عند عودته لمنزله. أنهى فيلم بغدادي غير المكتمل حياته؟ تواءم خيال السينما مع المجهول القادم؟


على السرير

«أول الموت زفرة روح». هكذا قال لي. عندما شخصت عيناها إلى زاوية واحدة، وانتفض عنقها لثانيتيْن قبل أن يهمد كامل جسدها، عرفتُ أنها انتهت. لم يكن الأمر مفاجئاً. كانت تبكي لأيام. كيف أصف لك الأمر. لم تكن تبكي تماماً. دعني أشرح لك. كانت عيناها شاخصتيْن إلى كورنيش الجفصين الأبيض الذي يزنِّر سقف الغرفة. الدمع كان يسيل خطين من عينيها بصمتٍ لم أشهد مثله قبلاً. كانت الحياة حولها تكمل كأنَّ شيئاً ليس يقترب من نهايته. فناجين القهوة كان يتم تبادلها فوق جثتها. أما مهمتي فانحصرت فقط في تجفيف ما فاض من عينيها بمناديل قماشية.

أعرف أني سأموت مثلها. لكني سأبدِّل سريرها العادي بسرير مستشفى.


أو الستارة الخضراء

لسبب ما، ستكون الستارة ورائي خضراء. لا أعرف مردّ يقيني هذا. الأخضر سيتلوَّث بدم عنقي. المسدس الذي سأضعه في فمي سيخرج الرصاصة من يسار عنقي، وهناك ستحدث الرصاصة فجوة. ومن هناك، ستندفع دماء ولحم وأنسجة العنق باتجاه أخضر الستارة.


بادئ الأمر، ستتلوّث الستارة بأشياء لزجة، ومكان التلوث هذا سيظل يبدو أخضر. لكن في ما بعد، وبسبب قانون نيوتن، فإن الأشياء اللزجة هذه ستمضي تتوسع في طريقها حتى الأسفل. وعندها، عندها فقط، سيختفي اللون الأخضر لصالح لون أكثر قتامةً.


أو الدراجة

على الدراجة سأموت، وسأميتُ معي عائلة بأكملها. سأدخل شارعاً باتجاه واحد، وأنا أقود دراجتي. وسيكون سائق السيارة منهمكاً بالصراخ على ولده في المقعد الخلفي، وفي هذه اللحظة، سأظهر من لا مكان أمامهم، أفتح ذراعيَّ كالطير وأنا أقود دراجتي، بعكس اتجاه السير. ستنحرف سيارتهم لكني سأصطدم بها قبل أن أطير. وأنا أطير، لن أمدَّ يديَّ، ولن أغمض عينيَّ، ولن تشتدّ أعصابي على غير عادة. سأكون أنتظر لحظة الارتطام، سيتباطأ الوقت قبل أن يحصل ذلك، ستطول الفترة قبل أن أرتطم. فأنا اعتدْتُ أن لا أحصل على ما أريده إلا بعد وقت طويل. وقت يسمح لي بإعادة النظر في ما أريده. ولمّا أبدأ بإعادة النظر، يأتي ما.. كنتُ أريده قبلاً وأسائله الآن!


أو النوبة

«رح موت وريحتي طالعة». نصف عائلتي مات بنوبات القلب. منطقياً، أنا الذي أعاني من انسداد الشرايين، سأموت بمرض قلبي مشابه، سيبدأ بوخزٍ أيسر صدري، فلا أعيره اهتماماً. وأذهب كعادتي إلى ناديَّ الرياضي، وهناك لن أموت خلال التمارين. سأحمل 60 كلغ من الأثقال / صدر مستوية. 45 كلغ من الأثقال / صدر منحنية. سأقوم ببضعة تمارين ركض، ومعدة، ولن أموت عندها. وأترجَّل بعدها الأدراج إلى الطابق السفلي. هناك، سأخلع ثيابي، وأدخل بقعة الاستحمام، حيث البخار ساخن. وهناك لن أتضايق من الحرارة، ولن أموت.


سأعود إلى المنزل وأوضب جو ديفيدي السهرة. أهلي سيكونون خارج البيت في الجبل. سأضيء التلفاز، والمكيِّف. وسأشعر فجأة بالبرد وأنا مستلقٍ على الكنبة، فأتدثَّر. ثم أعرق، ويبدأ الوخز. الوخز. فأقوى أقوى. وأستمر أعرق.
ويظل التلفاز والمكيِّف مضاءيْن.


أو الالتهاب

سيلتهم الالتهاب مصراني حتى معدتي، ومن هناك سيمتد حتى القصبة الهوائية، ولن يكون عليَّ فقط أن أتبرز دماً، بل سأبصق دماً. جسدي سيلفظ الدماء من فوق، ومن تحت. سأخسر الكثير من الأنسجة، ويضمر جسمي شيئاً فشيئاً إلى أن تبدو عظامي أكثر نتأً. إلى أن يتوقف كل شيء.


أسميه الالتهاب، لكنه ليس التهاباً. تعرفونه. لا أستطيع أن ألفظ الاسم.


أو ببساطة

سأموت وأنا أنتظر تغيّراً ما يمسّني. سأموت وأنا أنتظر تغيّر شيء، ولن.. لن يتغيّر أي شيء. على الإطلاق!


ما يؤرِّقه قبل

عليَّ أن أمسك بضع شعرات قبل أن أذهب. هذا شعر تبقى على رأسي، وهو صلب، وتقتلعه أصابعي بسهولة. أهم شيء هو التحضير. أن لا يأتي كل شيء على غفلة منا. بالنسبة لي، أحب أن أموت ورأسي قد تم تحضيره: أصلع كلياً. فإذا كان الكيماوي قد أسقط بعضاً من شعري، فهذا لا يعني بالضرورة أن أدفَن ورأسي نصف أصلع، نصف مشعوعر!


(ومن ثمّ) ـ ما يؤرِّقه بعد

سأدعه ينتفخ. هذا البريد الافتراضي سينتفخ بالسخام وبرسائل شخصية وعمل لن أردَّ عليها.


لاحقاً

أسوأ ما في الموضوع أني لن أعرف إن كان باستطاعتي رؤية الأحداث اللاحقة لموتي. هل سأبقى افتراضياً أو تهيم روحي في الأمكنة التي دستها في حياتي؟ هل سأحل في جسد آخر؟ هل أستطيع أن.. أفكِّر حينها كما الآن؟


لا تجذبني كيفية موتي، بقدر ما سيحدث بعده.

تستقرّ رِجـْلاها في الحذاء الرياضي الزاحف بلا عناد يُذكَر. تمرَّان قرب الباب. تكـّة ما تصدر من الأعلى. تجتاز الرِجْلان الباب. تهبطان الدرج حتى المدخل الرئيسي. تتوقفان خارجاً لتستمتعا برطوبة العشب الخارجي النابتِ عنوةً رغم الحذاء الذي يغطيه. تتقدمان من جديد. تـُبطئان قليلاً قرب قطة تعيش مأساة الشارع. شيء ما يمتد من الأعلى ليمسّد على ظهر القطة.

تكملان إلى تلك الحديقة. تستقبلان كرةً هربت من أرجلٍ صغيرة فتعيد إحداهما ضربها بلا تفنن كروي. صوت ما يأتي من الأعلى. تقفان قرب جحر نمل. تدوسان عليه بلا قصد ولا معرفة وتكملان إلى الأمام.

رِجْلاها تسرعان الخطى حتى تصلا إلى ذلك المقعد الخشبي. تستقران كجمادٍ مرغَم ما إن يقرر شيء ما من فوق الاستقرار لدقائق في هذه البقعة. تبتعدان عن بعضيهما لأن الشيء ذاته أراد أن يرتاح في جلسته. تعودان فتتجاوران ما إن يصبح الارتياح عيباً اجتماعياً.

رِجْلاها تصمتان وتلحظان دائماً الجزء السفلي من المشهد. لا تستمتعان بلذة المشاهدة البانورامية من فوق. تصمتان. تكتئبان. تركزان في العشب الأخضر الممتد أمامهما، في أرجلٍ فتيّةٍ يَلْحَقْنَ بعضهنّ ويأبينَ الانصياع لأرجل طاغياتٍ أخرى يختـَرْنَ لهنَّ طريقهنَّ بحنان خانق.

تتنهد الرِجلان. يأتي جاران ذكران ويستقران أسفل المقعد نفسه. يتشاركون جميعاً اللحظة وتخف وحدتهما قليلاً. لكن الشيء في الأعلى يقرر أن يرفع رجلاً ليضعها على الأخرى بحبورٍ تحسبه الرجلان سخيفاً.

تبقى رِجـْل واحدة في الأسفل، على الرمل البني قرب الرِجـْلـَيـْن الذكرين. تتضرَّج بخفر وتخجل من الاستمرار في الحديث في هذا الازدحام الذكوري. تسأل زميلتها عن «الجو» في الأعلى غير الملامس لرمل الأرض. تجيبها بفرح أنها تستمتع بالجزء العلويّ من المشهد بعد انقطاع طويل. تعود عندها الرِجْل الأنثى الداعِسة على الثـَّبات البنّي إلى صمتها الكئيب.

(1) طاولة الكوي/ Rewind
اليائسة الأربعينية في الداخل تستمع إلى فيروز: «فيا قلبُ كم شرَّدَتك رياح». على جانبها طاولة كيّ نـُصِبَت منذ ساعات ونُسِيَتْ في مكانها، وعلى الطاولة قميص قطني مخطَّط غُسِل أكثر من مرة حتى وَلدَ الكراتِ القطنيةَ الصغيرة على ياقته.

اليائسة الأربعينية ـ في ثلاثينيّاتها ـ وضَّبَتْ سجادة عجمية للسبات الصيفي. فردَتْها ورمت كرات «النفتلين» البيضاء. أتَتْ صغيرَتها وأكلَت حبّة. بلعَتْها ولم تستجب لأمر البَصْق. أشربَتْها أمها حليباً ساخناً وأخبرَتْها قصة العفريت المنحوس ثم غنَّتْ لها حتى نامَتْ.


اليائسة الأربعينية ـ في عشرينيّاتها ـ تقترب منه. هو مصنوع من مجموعة خيوط، ككرة جدتِها الصوفية («هل ماتت جدَّتكِ؟» يسألها في عشرينيّاتها فلا تجيبه). «لا تشدي هذا الخيط من منتصفه فهو خيط الوجدان»، يأمرها. «الوجدان لا يُمسك من المنتصَف. لا تمسكيه من الطرف!» يصرخ. «لا تشديه». هو «ينسِّل». هو يتهاوى. تستطيع الآن اليائسة الأربعينية أن تغزل كنزة جدَّتها الصوفيّة («ماتت»، تعلن ـ في ثلاثينيّاتها).


اليائسة الأربعينيّة لن تبلغ الخمسين، وطاولة الكي ـ على غير عادة ـ لا تنتظر أحداً ليعيدها للزاوية.

(2) عابرة (للطوائف)
«سَكَّر بابي بشوفك ماشي عالطريق، بفكِّر إنزل أركض خلفك عالطريق، وتشتّي علي وما تشوفك عينيّ وأنا أركض وراك مدِّلَّك إيديّ. واندَهْلـَك انطرني حبيبي وما.. ما تسمع» ـ جوزف حرب.

أو: ملأ مَطَرُ اللحظةِ العينين فخلق غشاوتَيْ السمع والبصر.

(3) أوْصَدْتُ عليَّ السماء
«وحدن» لطلال حيدر. أقفلوا علي باب الغــابة وتركــوني هـناك. بقيتُ وحيداً مأزوماً في ستاتيكو غريب. قالوا إنها النهاية. نظرت فجأة في الغابة حــولي. رأيتهم يوصدون الباب الحديدي ولم يكن قد أكله الصدأ بعد. عَدَوْتُ أجمع الزمن الهــارب على جدران مَرَّتْ عليها الدماء وجفَّت. أقفلوا عليَّ الستاتيــكو وقالوا لي: ابقَ حــيث أنت. ثــم أتوا مرات يحاولون فتح البـاب وتعاظمَتْ نشــوتي. سـأهرب من الغابة الموصـدة، قرَّرْت. لكنهم تراجعوا في لحظة أخيرة. قالوا إنهم أعطوا الفتنة حبــوب منومات. خارج الغابة، كان الحمام يطير أسراباً فوق البيت الذي حسبته آمناً. شخصْتُ بنظري إلى السماء فاكتأبت.

بدأت أقرأ ما تركوه لي من كتب. اعتــدْتُ الستاتيكو حتى لم أعد ألحظ العشب الهارب على زوايا كرسيّ، ولم يعد يعني لي بياض الثلج شيئاً. افــتقدْتُ فقط الحمام الغائب ـ شتاءً ـ في السمــاء غير الموصَدة. ومرة أخــرى، فتحوا الباب ونسوا أن يغــلقوه. تسللت إلى تخوم الغابة، حيث البيت الآمــن. وجــدتُ صاحــبي وقد تزوج وَرَبّى كرشــاً وأطــفالاً يصرخ فيهم وزوجة تشتم له نهاراً وتمارس معه الجنس ليلاً (فقط ليلِدوا طفلهم القادم، ومن غير لذّة). وجدْتُه مأخوذاً بالعــلبة الالكتــرونية أمامه. يشتم من وما ظهر فيـها ويرمي ما فــاض من طــعامٍ في فمه. (تعلَّم طفــله الشــتيمة الأولى الآن وقد ضحك صديقي لسماعها بهستيرية). ظَلَلْتُ أتســرَّب من غابتي لســنوات وأنا أشاهد طفله ينمو. ثم ضربه صديقي للشتيمة السابقة ذاتها بعد ثلاث ســنوات. لم تعــد الشتيمة مضحكة. دخل الصبي زمن العيب وعليه أن يتوقف عن التفوه بالشتائم التي تعلمها من أبيه. شاهدتُ كل ذلك والعلبة الالكترونية لا تزال مضاءة بكل ما فيها من أشخاص.


أطفأت العلبة الالكترونية، فأعاد صديقي إضاءتها. أطفأت العلبة الالكترونية، فأعاد صديقي إضاءتها. أطفأت العلبة الالكترونية، فأعاد صديقي إضاءتها.

عدْتُ إلى كرسيي في «غابة» الستاتيكو. فَقَدَ دَمُ الجدران رائحته وبات لوناً لا أكثر. صادقْتُ الذئاب (الباقية طبعاً) حتى باتت آكلة عشب. لم يَعُد ما حولي، «غابة». بدأْتُ التفتيش عن اسم ثانٍ لها، ثم سرقت أسراب الحمام وأوصدْتُ عليها سمائي. (لن أدلكم كيف) جمعْتُ ما بقي من الزهر وانتشيْتُ صارخاً مضيفاً إلى ما حولي من صَخَبٍ هادئ: «يعيش الستاتيكو».

(4) حرامي الحكي
أنا «فهلوي». أسرق النصوص الناقصة. أصلح ما يمكن إصلاحه. أرمم الجمال الناقص. أنا حرامي حكي.

«ألم تفهم بعد؟ أنا فقط مثل هذا العالم حولك، لا أتغير. نحن لا نتغير».

هذا ما قلتِه لي تلك الظهيرة. أنا ومذ ذّاك أحلم، أتذكر أكثر ما أحلمه، وأهلع. نعم. أجزع لأني تذكرتُ حلماً. لا تضحكي. اعتدتُ أن أحلم طبعاً. من منا لا يحلم؟ هذا أمر أكيد. لكني اعتدتُ أيضاً أن لا أتذكر في الصباح التالي أياً من تفاصيل حلم الليلة. تتراءى لي منه فقط صور مبهمة. أعرف أني حلمت ولا أعرف مضمون رؤياي. ثم يحدث أن تمر أيام تالية قبل أن أصادف حدثاً من نوع ما، وأظن أني صادفت هذا الحدث من قبل. كأني حلمت به. الآتي سيحصل هكذا، أحضِّر نفسي. دائماً ما يخيب توقعي بالتفصيل القادم من الحدث، لكنّ هذا لا يمنعني من الإيمان أني فعلاً حلمت بذلك التفصيل.

أول حلم حلمته بعد جملتكِ تلك هو وقوفي أمام مرآة حائط. أراقب تحول جانبيْ شعري إلى اللون الأبيض. فقط الجانبين. لم يمتد الابيضاض إلى مقدمة رأسي. شي ما أشبه بتحولي إلى شرير رسوم متحركة يابانية الصنع، رغم أني حافظت على ابتسامتي.

هلعتُ طبعاً، وتوجهتُ إلى ذوي المعرفة. اختلفت جدتاي على تفسير الحلم. الأولى قالت: سيأتيك مال أو يحصل لك شيء خيِّر، والثانية جزمت بموت أحد أعرفه. كلتاهما استعاذت، وطلبت مني أن لا أذكر مضمون حلمي لأحد. أما عمة أبي فأقعدتني في حجرها. قالت وهي ترتل بعض الآيات القرآنية القصيرة القليلة التي تحفظها أن «عليَّ نفس». تثاءبت حتى طفر الدمع من عينيها، وطلبت مني أن أبتعد عنها، إذ أنها لا تستحمل امتصاص كل تلك الطاقة السلبية.

تركتُ جدتيّ وجملتكِ تصخب هدوء رأسي القديم الذي فقدتُه. فكرتُ أني أعيش في المؤجل. هناك شيء ما لا أعرفه سيحدث في وقت ما قادم، لا أعرفه أيضاً. ولذلك أجزم أنني – على الأقل أنا – أتغير. الأمر أن حكمكِ الجازم المعاكس يرتكز إلى ملاحظتك لما حصل في لحظة واحدة. واحدة فقط. أحدهم في السيارة أمامكِ رمى محرمة ورقية من النافذة، فشتمتِه وجزمتِ بعدها أنهم لا يتغيرون. أو مثلاً، كدتِ تصطدمين بسيارة قطع سائقها الإشارة الحمراء، فتشتمين وتضيفين أن شيئاً ما لا يتغير. (ما لي أستخدم أمثلة السير حصراً؟)

نحن لا نتغير على مدار لحظة. نحتاج إلى تراكم لحظات. نحن في حراك دائم. نهبط، نعلو. لولا الهبوط ما علونا. ولنعلو مجدداً علينا أن نهبط قليلاً. وفي كل مرة، لا تمنعنا معرفتنا الواضحة لهذا الحراك من أن نسقط في هذا الهبوط. هذا أمرٌ لا يمكن تفاديه. هذا صخب الحياة (وإن كانت في بعض الأحيان نسبياً هادئة).

أصدقكِ القول. صديقي كتب مرة قصة قصيرة عن «ساعة ذئب». تعرفينها؟ تلك الساعة الأكثر إظلاماً التي تسبق شروق الشمس. أنا عشت «لحظة ذئب» في وضح النهار. حدث ذلك تواً بعد جملتِكِ تلك.

«لا أتغير. لا نتغير»، قلتِ. أحسستُ بشيء يصعب وصفه. حسناً. سأستعير جمل صديق غاب فجأة ولا أعرف أخباره. كتب عن موقف مشابه فوصف أنه «رأى الأخضر حوله يزداد اخضراراً (رغم أن أحداً قد لا يهتم)، ولحظ الاستدارات في شعرها (شعر حبيبته) تزداد، واقتنص رؤية نادرة للشحاذ وهو يضحك بإصرار غريب، وتأكد أن الفتاة والشاب اللذين يقطعان الطريق الآن يضغطان على كفيهما المعقودتين أكثر».

كأن الظلمة اشتدت قبل أن تنبض كل تلك المتغيرات بالحياة وتبرز. «لحظة الذئب» تلك جعلتني متأكداً أني أتغير، وبسرعة لا أستطيع أنا حتى اللحاق بها. هل استوعبتِ ما قلته للتو؟ أقول إنني لا أستطيع اللحاق بنفسي. نفسي أسرع مني. لا تضحكي وتظني أن هذا شيء جيد على الإطلاق. هذا خراب. نفسٌ تسبق صاحبها. إنسان يحدس أنه مسيَّر، لِمَ عليه إذاً أن يحتفظ بالنشاط والرغبة على إتيان فعل ما؟

الليلة وأنا أقف أمام الباب الزجاجي لشرفة شقة قريب لي في بيروت. في فضاء الزاروب كانت هناك وطاويط تمرح في الهواء. ترتطم ببعضها وتكمل استعراضها في الهواء. تقترب طائرة من زجاج الباب من دون أن ترتطم به وتبتعد. عرفتُ أني الليلة سأحلم من جديد . صدق حدسي. رأيتُ شارلي شابلن في فيلم .”Modern Times” كان يبتسم في المقدمة ومشاهد الفيلم تواصل تتابعها في الخلفية. قال إنه يبتسم لكِ لا لي. لم أغضب لتلك الملاحظة، بل سررت. صحوتُ متذكراً الحلم. وللمرة الأولى منذ زمن، لم أفزع.

« الصفحة السابقةالصفحة التالية «

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 4,792 other followers