عندما رأيتُ المسلحين يدخلون الشارع، ويصلون قرب المقهى، ركضْتُ لأختبئ في مبنى قريب. لم أعرف أنّهم سيتجهون لهذا المبنى تحديداً.
(الآن)
الآن، أروي كل شيء للمرة الأولى. أكلِّم نفسي، وأثبِّت المشاهد في عقلي. أحاول استعادة التفاصيل كي أفرّغها على الشاشة. الآن، أستعيد كل ما حدث. لكن هل يعني هذا بالضرورة أني نجوت؟ ماذا لو كتبتُ كل هذا بعد إصابتي بعاهة؟ بترت يدي أو رجلي، أو أصبت في قدمي مثلاً أو تركت رصاصة ما ندبةً لن تُمحى على جزء حميم من جسد؟ ثم ماذا لو كان غيري يصوغ الآن بلساني، وماذا لو كان يضيف أجزاءً متخيَّلة؟ وماذا لو كنت أكتب ما حدث من حيث أتواجد في حياتي الأخرى؟
(نحن لا نذكر أسماء الأموات)
تحدَّث بالعامية طبعاً. لكني سأجعله يتكلم الفصحى. “إن في ذلك إستلاب أكثر”، أفكر ولا أضحك.
قال: “إنهم يهربون كالعصافير”. ضحك، وبانت أسنانه. كانت بيضاء.
ربَّت على كتف زميله الصغير في السن مستطرداً: “أنت لم تكن في تلك الحرب. ما نفعله اليوم لعب ولاد. تمرين.”
جلس على تنكة خضراء كتب عليها “البقرة الحلوب”.
“أنا لا أنتقم من موتاي. من ذهب قد ذهب. أنا فقط اشتقت”.
“ما هذا؟ ألا ننتقم لشهدائنا إذاً؟” سأل صغير السن.
“انسَ الأموات. لا تذكر أسماءهم.” أجاب، ثم قام يتمشى.
“نحن لا نذكر الأموات، على الأقل ليس الآن، وليس هنا. أنظر هذه الآر بي جي. تلمّسها. يا الله ما أجمل ملمسها. سبحانك يا الله. سبحان العقل البشري”، أضاف، واقترب أكثر من حيث أختبئ.
(أنا خائف)
لديَّ اعتراف. كدْتُ أن أبوِّل على نفسي وأنا أرى المسلَّح يقترب من حيث أختبئ.
لديَّ اعتراف. خفت على كل الأشياء التي سأفوّتها ما إن يقترب ذلك المسلّح مني، ويشدني من ياقة قميصي، ويرفع بوجهه فوهة الكلاشينكوف، ويصرخ، فأتأتئ، فيصرخ، فأتأتئ، وأبوّل على نفسي، ومن ثم يعقد حاجبيه أكثر، ويطلق النار طارشاً ما في دماغي من دم ونخاع على الحائط.
بقي الكثير لأفعله. الروايات التي لم أقرأها والحب الذي لم أجربه بعد والطعام الذي لم أتذوقه، والمدن التي لم أزرها، وأفكاري الفانتازمية التي كنت أشتغل عليها مع محللي النفسي ولم أضعها موضع التنفيذ قط، واللغة اليابانية التي لم أتعلمها بعد، والأولاد الذين كلما ابتسموا في وجهي ألتفت بعيداً عنهم ولا أعانقهم.
لو رأيتُ ولداً الآن، لعانقته. لا. لبقبشتُه. لا. لحملتُه على كتفي ودرتُ به يضربني الهذر. أريد أن أشرب ماءً. لا. أريد قنينة بيرة خضراء اللون لأضعها أمامي وآخذ أشربها، ثم أمزق الملصقات عليها شيئاً فشيئا من دون أن أنزعها كلياً، وأنا أتابع الشرب!
أغمض عينيَّ، أعقد أصابعي. آخذ أتمتم بأرقام متعاقبة، وأنا أنتظر. سواد. صمت. صوت خطوات تقترب. 21، 22، 23… عليَّ أن أحلم.
(حلمت: أنا وهي على الدراجة النارية)
على دراجة نارية واحدة إنطلقنا. أنا في المقدمة وهي خلفي. أنا أقود وهي تشبك ذراعيها حول خصري. ساعداها يضغطان على بطني أكثر عند كل منعطف. تطير الدراجة فوق الخراب. لا نرى المسلّحين، لكننا نشمّ روائحهم المختلطة بالبارود ودهان الشعارات الطازج على الحيطان.
تحفر الدراجة طريقها بين قوافل الجرذان والحشرات، تفسح الحيوانات الطريق لنا، وتقفز الدراجة فوق المطبات الرملية وبقايا الخشب والدواليب المشتعلة.
هنا، وقف مسلّح قبل قليل. أستطيع رؤية آثار جزمته المغروسة في بقايا الطين.
من هنا، مرَّ بعض الفارين. أرى بقايا سندويش قد يكون سقط من طفل، ولا أستطيع تبين محتواه.
المحيط صامت إلا من همهماتي، وهمهماتها. المحيط صامتٌ، صامت.
ثم تتكلم هي فجأة. تسخر من ذاك الفيلم الشهير وهي تتمسَّك بي جزعة. “أنا ملكة العالم”، تصرخ. تضحك بهستيريا وأرافقها الضحك.
يتعالى الضحك الهستيري فنتأكد من تعاظم الصوت أنَّ أحداً غيرنا يشاركنا القهقهات. في تلك اللحظة، يمر مسلّح في سيارة دفع رباعي بالقرب منا، ويطلق النار في الهواء ابتهاجاً، ويصرخ. ثم يأتي آخرون من الجانب الآخر في سيارات أخرى. نصير في منطقة عصابات. يتباطأ المشهد عندي، وتتعاظم ضحكات المسلَّحين حتى تستولي على كل الأصوات. أرى الرصاصات تفرّ من المشط فارغة وتتناثر على الطريق حولنا من دون أن تصدر أي صوت.
ثم تعود الحياة إلى سرعتها الطبيعية بعد ثوان ما إن يتخطونا. أجدها تتمسك بي أكثر، أطمئنها أن المسلّحين جزء من لا وعيي، لكني أعرف أن الحلم انتهى، فلا أتمادى، وأفقش بإصبعي يديَّ اليمنى، ليختفيَ كل شيء.
(فلنلمّ الرصاصات)
نظرَتْ إليّ الفتاة. مدَّت يدها، وقالت لي: “راحوا… اضهار”.
توقعقتُ في زاويتي لدقيقة، أتلمّس أجزاء من جسدي. تفحَّصتُ كل جسمي بالنظر، ثم باللمس الكثيف، ونظرتُ إليها. بدورها، بادلتني النظرات. تحرّكت قليلاً ناحيتها مستجيباً، فأعماني الضوء وراءها. كنت كلما تقدمت، أحسست أن عمايَ يزداد، لكني واصلت الخطى حتى وجدت نفسي في الخارج.
كان الشارع فارغاً من الناس. وحدها الفتاة كانت هناك. تنحني، تلمّ رصاصة، تضعها في كفها، وتباشر عيناها البحث عن رصاصة أخرى على رصيف مقابل.
سمعْتُ صوتاً من بيت أرضي كنت أتكئ إلى شباكه: “فلّوا؟”، سأل الصوت.
من النافذة، بانت لي عجوز في السرير. أغلب الظن أنها مقعدة، فكرت. سريرها تحت النافذة. مقدمته تحت النافذة، طرفه الآخر في اتجاه الحائط. رأسها لجهة النافذة، ورجلاها ناحية الحائط المواجه.
“إيه ، فلّو يا.. إمي. فلّو.”، أجبتها.
سمعْتُ صراخاً، حولْتُ نظري إلى الشارع من دون أن أتحرك، لأجد الفتاة إياها تهلِّل بجنون فوق بقايا الرصيف، مع مواصلة جمعها للرصاصات المرمية. فكّرت: هل ستضع تلك الرصاصات في ألبوم، تذيِّلها بأقوال لبعض الكتاب أو بمقتطفات من الشعر المجهول؟
تغيرت صورة الفتاة عندي. لم تعد تلك التي مدّت لي يدها قبل قليل. تحولت أمامي فجأة إلى زومبي ميت يمشي ويقتات من البقايا. ماذا حصل؟ ولماذا تبتهج؟ هل هي مع أحد أطراف النزاع، أم أنها فقط جنّت لمدة محدودة؟ لا أجد أجوبة لأسئلتي، ولا يساعدني تحديقها الصامت فيّ، قبل أن تتابع طريقها كأنَّ شيئاً لم يحدث.
كان وابل الأسئلة يمطر رأسي بصداع مستحكم: كم بقيتُ محتجزاً في ذاك المكان؟ ليلة؟ أكثر؟ أقل؟
انتبهتُ، وأنا واقف، أن بنطالي يلتصق بفخذي الأيمن. أحنيتُ نظري. وجدت القماش في ذلك المطرح أكثر دكونة. لقد بولتُ على نفسي خلال نومي. هل حصل ذلك لحظة مر المسلّح بجانب دراجتي؟
خطوتُ خطوتين، واتجهت ناحية بيت العجوز.
(في بيت المرأة العجوز)
دلتني بإصبعها إلى الغاز. فتحتُ الخزائن فوق المجلى. وجدْتُ لها ظرفَيْ حساء من هذا الذي يذوب سريعاً في الماء. حضرْتُ لها حساءً. بكيتُ من غير أن أعرف السبب، لكني تفاديتُ أن يسقط دمعي في الوعاء. استغرق تحضير الحساء عشر دقائق. سكبتُه في صحن غميق، ووضعته على صينية مع ملعقة ورجعتُ به إلى سرير العجوز. شكرتني وطلبت مني أن أضعه على الطاولة المدولبة المخصَّصة وأن أقربها ناحيتها. فعلت، وهممتُ أن أرفع الملعقة إلى فمها، لكنها أخذتها مني وأخذت تأكل بنفسها.
“ليش كنت عم تبكي يا ابني؟”، سألتني وهي تنظر إلى وجهي.
لم أجب.
توقفَت عن الأكل. طلبت مني أن أفتح الخزانة، فنفذتُ رغبتها. أشارت إليَّ أن أسحب بنطلوناً وقميصاً. فعلت وعدتُ ناحيتها بهما.
“هاو تياب ابني قبل ما يقتلوه. فيك تلبسهن”، قالت.
“فوت تحمم، وغير تيابك”، تابعت مؤكدة وهي تشير لي إلى الحمام.
(كلما اتسعت البقعة)
وقفتُ أمام المرآة. لم أرَ إلا الهالات التي أحاطت بعينيّ. بدا منظري مريعاً. أنا نفسي جفلتُ لرؤية كهذه. خطر لي أني كبرْتُ فجأة. فجأة؟ في دقائق خمس؟
صرت أرى ما بقي من القميص مجعلكاً أكثر. وجدتُ المرآة تتسّخ أمام ناظري. لمحتُ قرون استشعار الصراصير تخرج من فجوة البالوعة في زاوية الحمام. حدّقتُ بقطع البويا المتساقطة في سقف الحمام، وبالبانيو الأبيض المصفرّ، وبالستارة النايلون الرطبة، وتابعتُ سرب النمل الماشي على المعجون الذي يغلق الفجوات في الخط الفاصل بين بلاط الأرضية وبويا الحائط.
صار المالح يسيل من عيني، وأنا أنظر إلى الملابس التي علقتها لدى دخولي الحمام. بدأ الأمر برؤيتي لبقعة دم واحدة في وسط الثياب الداكنة، وما لبثت الثياب أن تلوّنت بكاملها. ثم أخذت تقطر دماً سرعان ما وجد طريقه إلى فجوة البالوعة القريبة قرب قدمي.
(“سيجارة 8″)
“الله يرضى عليك”، قالت لي العجوز. أومأُتُ بابتسامة مصطنعة، ولم أجب لفترة، قبل أن أتركها معلناً: “لازم روح هلأ يا ستي. برجع بمرق عليكي بتطمن”.
خرجت ثم سرت وحيداً إلى الرصيف المقابل. كنت كلما مشيتُ أكثر، ثقل رأسي أكثر، حتى وصلت إلى دكان السمانة، ودخلتُه لأشتري علبة مارلبورو أبيض لايت، وتابعتُ الصعود ناحية شقتي.
وهناك، على الشرفة، مججتُ مجة واحدة من سيجارتي الثامنة (في حياتي كلها). دونتً على دفتري القديم ذي الصفحات الفارغة تاريخ اليوم وعبارة “سيجارة 8″. ثم وضعت الدفتر جانباً، مججت مجة ثانية من السيجارة، ثم ألقيتُها سريعاً في الشارع، ووجدت نفسي أهرع لكرسي الحمام لأفرغ ما في جوفي. تقيأتُ قليلَ ما أكلتُه عند العجوز ذاك النهار، وبعض العصارات.
ثم جلست. فكرت بسيجارتي التاسعة، بتقيؤي المقبل، وبها، وابتسمْتُ.
(الساعِد المنظار)
قلتُ لها: “سآتيكِ بزغلولة!”
نظرتُ إلى السماء، ورأيتُ أسراب الحمام تحوم فوق بيروت. “يا حمام يا مروح بلدك متهني”، سكبت السماعات في أذنيّ. زغاليل، زغاليل فوقي، والأغنية تتابع طنينها في رأسي، حتى كدتُ أرى زغلولةً تهبط على باطن كفي لتلتهم حبّاً لا أعرف من أين أتى.
مرت أسابيع: صرت أنتقل كما الطائر الذي يلحق الفتات على سطوح البنايات. حفظتُ أصوات صفرات كشاشي الحمام. أبو أحمد الكشاش صار يشتمني من البناية المجاورة.
أعرف أني ذات يوم سأعيش قرب الحمام الجاثم على أحد السطوح هنا، وسأنظر إلى تحت، حيث تحترق المدينة من دون توقف، فلا أحرك ساكناً، بل أدخن سيجارة. ما يكون رقم تلك السيجارة عندها؟ وهل أكون اعتدت التدخين فلا أعود أتقيأ؟ وستكون هي معي في تلك اللحظة، تهتم بزغلولتها؟
سأقول لها: أنظري إلى المدينة من هنا. أمد ذراعها وأنا أحضنها من الخلف، فأتحكم بالاتجاه الذي يشير إليه ساعدها الممدود. ذراعانا ستعملان كمنظار. أضغط على ساعدها متجهاً للجهة الأخرى. ندور نصف استدارة. ساعدي وساعدها يصيران واحداً. ندور ببطء وأقول لها:
“انظري. هنا سيقتل الشيعة والسنة بعضهم ذات يوم. وهنا سيذبح المسيحيون بعضهم. وهنا في هذه البيوت الفقيرة الواطئة، حول الأبراج، سيتعارك العمال الأجانب ويقطعون أوردة أعناق بعضهم بالسكاكين لتحصيل أموال بعضهم القليلة أصلاً. سترين بعدها غيماً من الدخان الأسود هنا، وهنا، وهناك، وأيضاً هنا. الحريق تحت، والغيم يصعد نحو السماء ويمشي ببطء حتى يغطي المدينة بأكملها. ثم ستمطر فوقنا مطراً صيفياً غريباً. فتغسل بعض الحرائق من دون أن تخمد أكثرها، وتذهب بدم الشارع إلى مجاريره”.
لن تنطق بكلمة. ستغمض عينيها أحياناً، وتنظر مباشرةً في عيني أحياناً أخرى، لكنها لن تنظر قط إلى حيث يؤشَّر ساعدانا. لكأن المحيط لا يعنيها، أو لكأنها تخاف هذا الارتفاع فتتجاهله. لكأنها لا ترى البيوت وأسلاك الكهرباء تغزو الارتفاع الذي يفصلنا عن البيوت.
أنظر إليها، ثم أنظر وراءها. في أفق المشهد أرى سلسلة الجبال الغربية، وأكتشف أن الثلج لم يذب بعد.
(الأحداث)
لديّ مقابلة تلفزيونية بعد ساعة. فيها، سأقرأ قصتي القصيرة الجديدة رغم أني لم أنه تأليفها بعد. لا بأس، قلت. سأتابع كتابتها على الطريق. ظللت لساعة أكتب مقاطع غير مترابطة لم تضف كثيراً للقصة الأم. بدت المقاطع انعكاساً لارتباكي الشخصي الذي تفاقم عندما اختفت هي من الشقة من دون أن تترك أثراً. بعد محاولات، قررت أن أتوقف عن الكتابة، ضببتُ كمبيوتري الصغير جداً في الحقيبة وترجلتُ من السرفيس ماشياً باتجاه مبنى القناة. بقي رأسي ضاجاً بالتفاصيل. فوجئت بالجرذان تهطل من معطفي. ركضتُ وتابعتُ افراغ الحمولة بلا اهتمام. نظرت إلي الجرذان قبل أن تمضي كأنها تشكرني على تحريرها. خيَّل إليّ أن وجوهها تشبه وجوه أناس أعرفهم. عندما وصلت الاستديو وجلست على الكرسي أمام المذيع خيَّل إلي أنه يمتلك رأس أحد الجرذان إياها.
فكرتُ أني لست جاهزاً. عزمت أنه لو سألني عن الأحداث لتجاهلت سؤاله، ولو استدرجني إلى موقف وطني رخيص لأبَيْت مجاراته. كنت أكرر في عقلي أن الأمر ممل، ولا يستحق، ومعاد، ويحصل كل عام. هذه أحداث فقط. ليست حرباً. أخذت أقنع نفسي أن الأحداث هي المدينة واقفةً عند الحافة، تقفز فينطلق العداد وتتراكم آملاً في صناعة حرب، وفي كل مرة تفشل في صناعة الحرب إياها كما فشلت دائماً في كل الأشياء فيما عدا الانتظار. أكدتُ لنفسي وأنا أشرب من كوب الماء التي وضعه أمامي العامل أنّ الأحداث لعب ولاد، واثبات هويات. أنها حتى لو كانت حرباً حقاً، فهي لا تستحق مني التعليق. ألا يكفي أني أكتب عنها كل يوم؟ لحظتها خطر لي: ألا يجدر بيّ أن أتوقف عن كتابتها، وأن أشرع بكتابة شيء هلامي يسرقه المراهقون من على رفوف المكتبات؟
تباً، كيف أوقف كل هذا التتالي في الأفكار؟ كيف أوقف فيض الخيال هذا؟ متى تتوقف الجرذان عن الهطول من معطفي؟ هل أكون تحولت إلى جرذ في شاشات المشاهدين؟ ابتسم لي رأس الجرذ قربي وبدأ مقدمته. من مقعدي، لم أسمع من مقدمته إلا كلمة واحدة تتكرر بلا توقف. كلمة كبيرة لا أذكرها الآن. حاولتُ تلمس وجهي لأتأكد إن كان لا يزال على حاله، ثم فكرت بها، وبحياتي الدائرية المقفلة. هل تشاهدني الآن؟ هل ستفكر كما قرائي المجهولين لحظة يلتقون بي وجهاً لوجه للمرة الأولى؟ هل ستقول من مكانها على الكنبة: “لم أحسبك هكذا”؟
رأيت المذيع ينحني مربتاً على ساعدي سائلاً: “هل أنت بخير؟”.
أومأت مبتسماً بالإيجاب. أعاد الجرذ طرح السؤال، فارتكبتُ كعادتي الإجابة الوطنية الرخيصة ذاتها.