«مقهى جميل، ينقصه فقط نادلة جميلة!»، بدأ.


Serendipity

لا يمكن وصف اللحظات التي تحظى فيها بسعادة فائقة غير مفهومة. فيها، تشعر أنَّك مُصطفى لأداء مهمة عجائبية الهدف. وفيها، تخاف أن تفقد ذاك الشعور الذي لا تفهمه. تتوجس، لكنّكَ لا تلبث تورّط نفسك في اللعبة، بل تعشقها. وعندها ـ عندها فقط ـ يتملكك الخوف من فقدان هذا اللا فهم الجميل.

الأغرب، أنّ حواسك كلها تركِّز بقدرة قادر على خدمة ذلك الهدف غير المفهوم. كأنها تستدعي «الصدف». أضعها بين مزدوجين، ولا أجد الآن ترجمة ملائمة لكلمة «serendipity». هل هناك «صدف» فعلاً؟


الخزق

انحنت. جمعَتْ فتات بسكويت بخرقة طُبِعَ عليها ختم المحل. ابتسمت لي ثم أنهَتْ حديثاً بدأتُه بلباقة تُحْسَد عليها. بلباقة، لم تجعل ابتسامتي تتبخَّر. كيف تصدّ أحداً وتجبره على الاحتفاظ بابتسامته؟ تلك موهبة.

هل تنظر إليها؟ إنها لا تني تتحرَّك بين الطاولات؟ تبتسم رغم كل هذا الضغط في الهواء حولها. أتراها؟ إنها مـصابة بالميغرين! كيف عرفْتُ؟ لم أعـرف. لكني أجزم أني مــحقّ! عندما انحنَتْ لتقدَّم لي كوب الكابوتشينو، لم ألمح إلاّ هذه الشرايين الزرقاء الرقيقة الطافية على سطح صدغها الأيمن. ولحظتها عرفْتُ، بل جزمْتُ، أنها مصابة بالميغرين. أملك دائماً مثل هذه الحقائق المطلَقة: شرايين زرقاء على صدغ، إذاً: ميغرين!

الشــرايين! إنــها الـخزق في الجمال الكامل. الـخزق الذي يبرز جمـالاً غير معهود. كما الشـامات أو النمش الأحمر أو الشفتان الباهتتان، أو، أو، أو…


الكل والبعض

قبَّلها وهو يتذكَّر ليالي التوت البري الأزرق. قبَّلها والتهم ما تبقى من الفطيرة على شفتيْها. استعاد كل لحظات الصمتْ السعيد والتأمل والاستماع والتعقيب والحوارات.

فعل ذلك في الفيلم، أما في الحقيقة فنستغرق الكثير من الوقت لنصل إلى مشهد كهذا، والأرجح أننا لا نصل. انشغالاتنا تعيقنا. ربما نحتاج بعضاً من الهدوء. بعضه، لا كله. «الكلّ» يسطو، ينقلنا إلى ضفة أخرى. نحتاج إلى «بعضٍ» منه لا يحيلنا جليداًَ.


«فسّيدو»

«أحسد الجواسيس!»، قال. في المشهد المجترّ، يجلس «فسّيدو» في كافيتريا الجامعة مع جريدة وكوب قهوة. في الأساطير، يلبس «فسّيدو» معطفاً في عز الصيف ونظارة سوداء ليراقب من ورائها. يرى الكثير، وإن كانت نظاراته تلوِّن ما يراه باللون الأسود. مع «فسّيدو»، هناك دائماً متسع من الوقت لرفع النظارة والتفرس بالتفاصيل.
استفاض وربَّت على كتفي كحكيم ستّيني غزت التجاعيد وجهه، ثم أطلق بعدها نصيحته المعهودة وهو يتمايل مزهوّاً:
«pause & notice يا عزيزي! Pause and notice!!».


شيء ما

«لديَّ شيء ما تجاه النادلات»، تحمّسْتُ وبدأتُ أشرح له، وازدادَتْ ابتسامتي إشعاعاً. «ليس انحرافاً»، شرحْتُ. أقرب إلى شيء طوباوي. أستمتع برؤيتهنَّ «ينغلْنَ» حولي. لا. ليسَتْ ساديّة. أنا حتى لا أجعلهنَّ يقمْنَ بالعمل المطلوب منهنَّ. أطلب القهوة. أنتظرها، وآخذ الكوب بيدي. لا أنتظرهنَّ أن يأتينَ به إلى طاولتي. أحرص أن تختفي تلك العلاقة غير المتكافئة نهائياً. وإن أصرَّتْ إحداهنَّ على عودتي إلى مقعدي أنتظر، ألتزم على مضض وأصرّ بدوري لما تأتيني بطلبي على معاجلتها بأخذ الأغراض منها.

وأكتفي بالمراقبة، تماماً كـ«فسّيدو».


قصيدة عمودية

سكرتُ البارحة. ثملْتُ حدّ الانطفاء. ولمّا ثملْتُ، ألقيْتُ على رفاقي قصيدةً جاهلية! تخيّل! سكران يلقي قصيدة عموديّة! ما يغيظني أني لا أتذكّرها الآن. لا أفهم كيف استدعى السُّكر ذاكرتي الاحتياطية! لولا أنّ رفاقي أعلموني بفعلتي هذه، ما كنتُ لأعرف. قلتُ: «بسيطة. أسألهم عن القصيدة»، وفعلْتُ. لكنهم ليسوا هواة شعر. أجابوا أن القصيدة احتوت شيئاً من الفخر والأنفَة والغرام الملتاع. هممم. فخر وغرام. تلك معلومات ساعدتني فعلاً في معرفة اسم القصيدة!

قالوا إني ألقيت القصيدة ونمت على الكنبة.

أنا أعرف ما حدث بعدها. وجدتُني في صبيحة يوم غريب، مستلقياً قرب ستارة غريبة النوم، مع صداع قاتل. فكرْتُ أن أذهب للمقهى طلباً لكوب قهوة سوداء تقليدي.

هل فهمْتَ الآن ما حدث معي؟ أفتش منذ الصباح عن قصيدة مركونة في احتياطي الدماغي ولا أفلح، وبدلاً من ذلك أعثر على ميغرين وشرايين وابتسامات وفتات بسكويت، ونورا جونز تغني أنها تغرق سويا مع حبيبها في وعاء من العسل وكوب من القهوة!


الفراشة والفوضى

ضعتَ؟ فلنعد قليلاً إلى ما حدث:

فيروز الهادئة في الخلفية، أو إيديث بياف أو حتى داليدا، الديكور القريب إلى الألوان الترابية، والطاولة غير المريحة على الإطلاق (لكن لا يهمّ)، والثريّا القديمة، والإبريق المزخرف (ينظر إليَّ الآن بفوهته)، والأضواء الصفراء المشعّة لكن غير المباشرة. كل ذلك تواطأ على إصعادي إلى سطح شعرة الأرنب. قبل، كنتُ في داخل فروة الأرنب. مشغولاً بالحديث معك عن القصيدة المجهولة. وبعدها وجدتُني فجأة على سطح شعرة أرنب جوستاين جاردر، من دون أن أتمسّك بشيء، كنتُ أطفو فوق. هل كنتُ أكيداً أنني أشهد ما يلي أو يسبق تأثير الفراشة؟ أهو تأثير الفراشة أم تأثير الفوضى؟ تباً لإدوارد لورينتز! كيف أتى بنظريته هذه؟ هل كنتُ واثقاً أن ما يحصل الآن يؤسس لشيءٍ تال سيطول من غير أن أبذل جهداً لأجعله يستمر؟ أنه سيلد ويطور ويحدِّث نفسه بنفسه؟


شرايين زرقاء

فلنختصر. بدءاً من اليوم، سأحظى بأسبوع قادم سعيد. لديّ بعضٌ من وجه نادلة جميل ليشاركني جلساتي في مقاهي الرصيف المختلفة التي سأرتادها. بعد سبعة أيام، سأعود فأدخل المقهى. أنتهز فرصة أخرى لأكلّمها أكثر. سنضحك، وأدعوها إلى فنجان قهوة في غير المقهى الذي تعمل فيه. سترفض دعوة القهوة، وتقول إنها لا تستطيع احتمال رائحتها، وأنها تغتسل ليلياً لطرد رائحتها المقيتة الملتصقة بجسدها.

لكنه ليس رفضاً كاملاً.

سنتفق على فعل لا شيء. لا شيء على الإطلاق. فقط، نمضغ الوقت ونقتله: نجد شارعاً بيروتياً هادئاً (رغم صعوبة خيارنا هذا)، ونمشي ببطء وبسرعة (بحسب مزاجينا)، ونضحك بجنون (من دون أن نجنّ).
ستقف هي لألتقط لها صورة بالكاميرا الرقمية. سأستغرق بعض الوقت لألتقطها، فتتأفف. ولمّا ألتقطها ستهرع عائدة لترى الصورة على شاشة الكاميرا. عندها لن تجدَ إلا شرايين زرقاء على صدغٍ أيمن، لا ابتسامة ولا وجها، فتنظر إليَّ مستغربة وتنتظر مني شرحاً، لن تحصل عليه مطلقاً.


خبر الكتروني عاجل فقد طزاجته: إملأوا العريضة التالية لحماية المباني والشوارع التراثية في شارع الجميزة.


«حافظ على الخيال»، قال له العجوز. حفر وجهه تضاريس جلدية وهو يؤكد طلــبه. الذاكرة الطفولية؟ تعرفهــا؟ ســأله، ثمَّ أردف: حافِظ عليها أيضاً. حافِظْ على تلك الأيــام. يوم كنتَ تقبض على حفنـة الريح وتعيد إطلاقـها وتـجزم أنها ستصل قريباً إلى منطقة مليئة بركام من السيارات المهشــّمة، تماماً كالفــيلم الأميركي. كنتَ محقّاً في حدسك. السيارات تمـوت، كما البشر. تصاب بالعجز أو يتجعلك حـديدها ببشاعة لا توصف. تموت جنب الشوارع. تحظى بزحمات سير قريبة أشبه بمآتم متلصصة. لم تخطئ ذاكرتك الطفولية. ففي صحراء عربيــة قريبة تُشجَّر قسراً، مكانٌ ما تُدفن فــيه السيارات المهشمة فوق سطح الأرض، على الرمل وخارج المطارات، وعند مداخل المدن، تــحت أشعة الشمس. يحفّ الرملُ حديدَها، وتموت بقاياها ببطءٍ عنيف.


خذ ما شئت من الحزن أيضاً. أملك منه أطناناً. يعظم بمرور الوقت. بالانتظار. أملك منه القدر الكافي لأتوقف عن الشعور بالأمل والرهبة والخوف. تسألني ما الرهبة؟ بعضُ خوف. تماماً كالكف المغلقة المملوءة أزهاراً، التي تفتــح لحـبيب في لحظة وجدانية تقبع في خيالاتنا. نحلم بها ولا تحصل. لكن الكف ستفتح، وستظهر بعض ورود ممعوسة متعرّقة. في الكف بعض ورود الدنيا. ليلك متعرّق.


لم يكن ما سبق إسقاطاً. تجنب الترميز الفج، لكن إشطح أكثر نحو الاستلاب. الحياة كمشة تغريبات. تتذكَّر تلك اللحظة التي شئت فيها أن يتحرك مثلاً فالق اليمّونة على حين غرّة، فيتصدع البناء، يهوي الطابق بك وتبلعك شقوق الأرض. تلك اللحظة التي عاجل فيها لسانُك من جلس أمامك بجملة لم تردها أن تبدوَ كما بدَت لحظتها. لكن سياق الحديث جعل الجملة وقحة، وصرتَ تباعاً أوقح. لحظتها اقترفْتَ الإستلاب ولم تدرِ، لا أنت ولا من جلس أمامك.


حافِظ على الخيال، وتبدَّل. تبدَّل ولا تَخَفْ. وحدها المشاعر لا تتبدل. هيَ هيَ منــذ الأزل. عرَّفناها أكثر، صحيح. حلـَّلناها أكثر، صحيح. أصبنا وأخطأنا، صحيح. لكنها لم تتغير. بقيَت كما هي. نحن تبدّلنا. أصبحَتْ أنانا أكثر وقاحة، تعاظمَتْ تأكيداتنا لأنفسنا بأننا نعرف. هل نعرف حقاً؟ هل نعرف؟


«حافظ على الخيال»، قال. لكنه اختفى. خرج من نفس الخيال وعاد إليه. اختفى في شارع استحضره فقط لهذه الجملة. شارع عتيق بدا للحظة شبيهاً بأحياء الجميزة التي تهجم عليها الأبنية من خارج المكان. وقبل أن تخفت صورته، ترك أغنية لداليدا تتردد وراءه: تلك كانت أيام الزهور.. كنا صغاراً نؤمن بالسماء. للاّ للاّ لا لا للاّ للاّ لا لا . . كنا صغاراً نؤمن بالسماء!

لا تعرفين ماذا حدث تلك الليلة؟

كنّا نشاهد فيلماً عربياً، والأضواء مطفأة. صنعنا بوشاراً من ذلك الذي يحضَّر سريعاً وتنتفخ أكياسه في دقائق في المايكرووايف، ثمّ جلسنا على الكنبة. لا. أحدنا كان على الكنبة والآخر كان مضطجعاً على الأرض تحت، مسنداً جسده إلى قدمي الآخر. لستُ أكيداً مَنْ منا كان تحت، ومَنْ منا كان فوق (أو لا أريد أن أتذكر).


قبل جلوسنا، كنا قد نظَّمنا الكتب في المكتبة التي تحجب عنّا لون الحائط، بحسب التسلسل الألفبائي لأسماء كتّابها (ما تبقى من لون الحائط يشي بعمر الشقة). فتحنا الكتب وأخذنا نستعيد الإهداءات والخطوط التي خطّيناها بالقلم الرصاص تحت بعض العبارات. كنا نستحضر تاريخاً بسرعة فائقة، وبمشاعر مضطربة (well، مشاعري أنا كانت مضطربة، dear!). كان هناك شيء غير مفهوم، وكنتُ صامتاً، وكنتِ صامتة، أغلب الوقت. لا يمكن أن تحسبي القهقهات والحركات والابتسامات، ولا بعض الجمل القليلة التي قلناها، كلاماً. كانت تصل الصمت ببعضه. تفهمين قصدي. كأننا كنا نتجنَّب البْلا بْلا بْلا، بعكس قصة «الجمع والمفرد»، لألبرتو مورافيا. الزوجة تحسب حقائق زوجها بْلا بْلا بْلا، وهي بدورها تفتش عن سخافات من دونها لن تصبح الأمور طبيعية. كانت تصف كلامه بالبْلا بْلا بْلا، وهي ذاتها تحاول إضافة البْلا بْلا بْلا إلى حياتهما سوياً.

في الفيلم الشاهيني أمامنا على الشاشة، قتل أفراد العائلة بعضهم بالأسلحة الرشاشة، وسالت دماؤهم في قنوات المياه، فيما الفتى هرب من شباك المبنى (ملصق الفيلم وجدته في موقع السينما على الانترنت، وفوجئت أنه يحوي عبارة تعريفية تذيِّل عنوانه. العبارة كانت: «المأساة الموسيقية». هل لكِ أن تشرحي لي معنى «المأساة الموسيقية؟). نحن كنا نقهقه، ونضحك ونبتسم، ونصمت. هكذا بتتالي المستويات: قهقهة، ضحك، ابتسامات، صمت. صرّة تنكات الجعة الخضراء الكرتونية فرغت شيئاً فشيئاً. كنتُ أنا أرمي التنكات الخضراء على موكيت الغرفة، بعد أن أجعلكها بيدي، ومن غير أن آبه للدم السائل من باطن كفي. فجأة، لاحظتُ أننا شربنا سبع تنكات من الجعّة. أنا شربت أربعا وأنتِ ثلاثا (أو العكس). (هل تحوي صرّة الجعة أكثر من ست تنكات؟ هل استهلكنا صرّتين؟) وفجأة أيضاً، ثقل رأسانا فصعد أحدنا إلى الكنبة ونمنا رأساً على كتف، رأساً على كنبة.

سبع تنكات، ولم نقرب الثامنة، وطرّاحة الكنبة ابتلّت ـ كما ثيابي ـ بدم باطن كفي.

أنتِ تقولين إنَّكِ لا تعرفين لِمَ فعلنا ما فعلناه تلك الليلة، ولِمَ لمْ نفعل ما اعتدنا فعله أيام الملل. (btw، ماذا نفعل نحن لحظات الملل؟ نسيت. ذكِّريني.) لا تجيبين، وتستنفدين التحليلات المقنعة لتهربي. اسمعي نظريتي إذاً: أظن أننا كنا نحتفل بموت أحدهم، وأننا كنا نثقل رأسينا (بعكس ما ظننّا من خفّة) باللا شيء أو بالكثير من الأشياء.


لا تنظري إليّ هكذا مستغربة. اللا شيء والكثير من الأشياء لا يتعارضان. الدرب توصل في نهايتها للطاحون hence: بْلا. بْلا.. بْلا!

مارون
«أرى الموت القادم. ليس كسابقه وحشياً، بل لن يشعر به أحد». قال له صديقه الميت في الحلم (أم كان كابوسا؟). نهض وقد أفرغ الكثير من ماء جسده عرقاً في ملاءات السرير. هي المرة الأولى التي يتذكر فيها حلماً من أحلامه. مبتسماً كان صديقه. يلبس جاكيتاً كحلية وبنطلون جينز وقميصاً كادت لتبدو بيضاء لولا بعض الخطوط. لم يتذكر أنه فتح له ذراعيه. لم يبد قديساً كما في أفلام التلفزيون: يرفع يده ويقول له اتبعني. لا. كان يبتسم فقط. قال جملته الوحيدة ثم اختفى. مشهد وحيد استغرق ثماني ساعات من النوم. كيف ذلك، لا يعرف.


جلس. ثم التقط كتاباً عن السينما من أحد الرفوف القريبة. كان كتاباً عن مارون بغدادي. اكتشف أن بغدادي كان يحضر فيلماً أخيراً قبل أن يرحل. أراد أن يميت شخصياته الأربع ميتاتٍ مختلفة. اتفق مع كاتب الفيلم على ثلاث ميتات. أما الرابعة فقد أراد بغدادي أن يجعلها «سخيفة». «فلنجعله يفقد توازنه ويسقط أسفل الدرج جثةً هامدة». هكذا كان. أُكْمـِل الملخص. لم يتوقع أحد عندها أن مارون سيموت كشخصيته الرابعة في أسفل الدرج عند عودته لمنزله. أنهى فيلم بغدادي غير المكتمل حياته؟ تواءم خيال السينما مع المجهول القادم؟


على السرير

«أول الموت زفرة روح». هكذا قال لي. عندما شخصت عيناها إلى زاوية واحدة، وانتفض عنقها لثانيتيْن قبل أن يهمد كامل جسدها، عرفتُ أنها انتهت. لم يكن الأمر مفاجئاً. كانت تبكي لأيام. كيف أصف لك الأمر. لم تكن تبكي تماماً. دعني أشرح لك. كانت عيناها شاخصتيْن إلى كورنيش الجفصين الأبيض الذي يزنِّر سقف الغرفة. الدمع كان يسيل خطين من عينيها بصمتٍ لم أشهد مثله قبلاً. كانت الحياة حولها تكمل كأنَّ شيئاً ليس يقترب من نهايته. فناجين القهوة كان يتم تبادلها فوق جثتها. أما مهمتي فانحصرت فقط في تجفيف ما فاض من عينيها بمناديل قماشية.

أعرف أني سأموت مثلها. لكني سأبدِّل سريرها العادي بسرير مستشفى.


أو الستارة الخضراء

لسبب ما، ستكون الستارة ورائي خضراء. لا أعرف مردّ يقيني هذا. الأخضر سيتلوَّث بدم عنقي. المسدس الذي سأضعه في فمي سيخرج الرصاصة من يسار عنقي، وهناك ستحدث الرصاصة فجوة. ومن هناك، ستندفع دماء ولحم وأنسجة العنق باتجاه أخضر الستارة.


بادئ الأمر، ستتلوّث الستارة بأشياء لزجة، ومكان التلوث هذا سيظل يبدو أخضر. لكن في ما بعد، وبسبب قانون نيوتن، فإن الأشياء اللزجة هذه ستمضي تتوسع في طريقها حتى الأسفل. وعندها، عندها فقط، سيختفي اللون الأخضر لصالح لون أكثر قتامةً.


أو الدراجة

على الدراجة سأموت، وسأميتُ معي عائلة بأكملها. سأدخل شارعاً باتجاه واحد، وأنا أقود دراجتي. وسيكون سائق السيارة منهمكاً بالصراخ على ولده في المقعد الخلفي، وفي هذه اللحظة، سأظهر من لا مكان أمامهم، أفتح ذراعيَّ كالطير وأنا أقود دراجتي، بعكس اتجاه السير. ستنحرف سيارتهم لكني سأصطدم بها قبل أن أطير. وأنا أطير، لن أمدَّ يديَّ، ولن أغمض عينيَّ، ولن تشتدّ أعصابي على غير عادة. سأكون أنتظر لحظة الارتطام، سيتباطأ الوقت قبل أن يحصل ذلك، ستطول الفترة قبل أن أرتطم. فأنا اعتدْتُ أن لا أحصل على ما أريده إلا بعد وقت طويل. وقت يسمح لي بإعادة النظر في ما أريده. ولمّا أبدأ بإعادة النظر، يأتي ما.. كنتُ أريده قبلاً وأسائله الآن!


أو النوبة

«رح موت وريحتي طالعة». نصف عائلتي مات بنوبات القلب. منطقياً، أنا الذي أعاني من انسداد الشرايين، سأموت بمرض قلبي مشابه، سيبدأ بوخزٍ أيسر صدري، فلا أعيره اهتماماً. وأذهب كعادتي إلى ناديَّ الرياضي، وهناك لن أموت خلال التمارين. سأحمل 60 كلغ من الأثقال / صدر مستوية. 45 كلغ من الأثقال / صدر منحنية. سأقوم ببضعة تمارين ركض، ومعدة، ولن أموت عندها. وأترجَّل بعدها الأدراج إلى الطابق السفلي. هناك، سأخلع ثيابي، وأدخل بقعة الاستحمام، حيث البخار ساخن. وهناك لن أتضايق من الحرارة، ولن أموت.


سأعود إلى المنزل وأوضب جو ديفيدي السهرة. أهلي سيكونون خارج البيت في الجبل. سأضيء التلفاز، والمكيِّف. وسأشعر فجأة بالبرد وأنا مستلقٍ على الكنبة، فأتدثَّر. ثم أعرق، ويبدأ الوخز. الوخز. فأقوى أقوى. وأستمر أعرق.
ويظل التلفاز والمكيِّف مضاءيْن.


أو الالتهاب

سيلتهم الالتهاب مصراني حتى معدتي، ومن هناك سيمتد حتى القصبة الهوائية، ولن يكون عليَّ فقط أن أتبرز دماً، بل سأبصق دماً. جسدي سيلفظ الدماء من فوق، ومن تحت. سأخسر الكثير من الأنسجة، ويضمر جسمي شيئاً فشيئاً إلى أن تبدو عظامي أكثر نتأً. إلى أن يتوقف كل شيء.


أسميه الالتهاب، لكنه ليس التهاباً. تعرفونه. لا أستطيع أن ألفظ الاسم.


أو ببساطة

سأموت وأنا أنتظر تغيّراً ما يمسّني. سأموت وأنا أنتظر تغيّر شيء، ولن.. لن يتغيّر أي شيء. على الإطلاق!


ما يؤرِّقه قبل

عليَّ أن أمسك بضع شعرات قبل أن أذهب. هذا شعر تبقى على رأسي، وهو صلب، وتقتلعه أصابعي بسهولة. أهم شيء هو التحضير. أن لا يأتي كل شيء على غفلة منا. بالنسبة لي، أحب أن أموت ورأسي قد تم تحضيره: أصلع كلياً. فإذا كان الكيماوي قد أسقط بعضاً من شعري، فهذا لا يعني بالضرورة أن أدفَن ورأسي نصف أصلع، نصف مشعوعر!


(ومن ثمّ) ـ ما يؤرِّقه بعد

سأدعه ينتفخ. هذا البريد الافتراضي سينتفخ بالسخام وبرسائل شخصية وعمل لن أردَّ عليها.


لاحقاً

أسوأ ما في الموضوع أني لن أعرف إن كان باستطاعتي رؤية الأحداث اللاحقة لموتي. هل سأبقى افتراضياً أو تهيم روحي في الأمكنة التي دستها في حياتي؟ هل سأحل في جسد آخر؟ هل أستطيع أن.. أفكِّر حينها كما الآن؟


لا تجذبني كيفية موتي، بقدر ما سيحدث بعده.

تستقرّ رِجـْلاها في الحذاء الرياضي الزاحف بلا عناد يُذكَر. تمرَّان قرب الباب. تكـّة ما تصدر من الأعلى. تجتاز الرِجْلان الباب. تهبطان الدرج حتى المدخل الرئيسي. تتوقفان خارجاً لتستمتعا برطوبة العشب الخارجي النابتِ عنوةً رغم الحذاء الذي يغطيه. تتقدمان من جديد. تـُبطئان قليلاً قرب قطة تعيش مأساة الشارع. شيء ما يمتد من الأعلى ليمسّد على ظهر القطة.

تكملان إلى تلك الحديقة. تستقبلان كرةً هربت من أرجلٍ صغيرة فتعيد إحداهما ضربها بلا تفنن كروي. صوت ما يأتي من الأعلى. تقفان قرب جحر نمل. تدوسان عليه بلا قصد ولا معرفة وتكملان إلى الأمام.

رِجْلاها تسرعان الخطى حتى تصلا إلى ذلك المقعد الخشبي. تستقران كجمادٍ مرغَم ما إن يقرر شيء ما من فوق الاستقرار لدقائق في هذه البقعة. تبتعدان عن بعضيهما لأن الشيء ذاته أراد أن يرتاح في جلسته. تعودان فتتجاوران ما إن يصبح الارتياح عيباً اجتماعياً.

رِجْلاها تصمتان وتلحظان دائماً الجزء السفلي من المشهد. لا تستمتعان بلذة المشاهدة البانورامية من فوق. تصمتان. تكتئبان. تركزان في العشب الأخضر الممتد أمامهما، في أرجلٍ فتيّةٍ يَلْحَقْنَ بعضهنّ ويأبينَ الانصياع لأرجل طاغياتٍ أخرى يختـَرْنَ لهنَّ طريقهنَّ بحنان خانق.

تتنهد الرِجلان. يأتي جاران ذكران ويستقران أسفل المقعد نفسه. يتشاركون جميعاً اللحظة وتخف وحدتهما قليلاً. لكن الشيء في الأعلى يقرر أن يرفع رجلاً ليضعها على الأخرى بحبورٍ تحسبه الرجلان سخيفاً.

تبقى رِجـْل واحدة في الأسفل، على الرمل البني قرب الرِجـْلـَيـْن الذكرين. تتضرَّج بخفر وتخجل من الاستمرار في الحديث في هذا الازدحام الذكوري. تسأل زميلتها عن «الجو» في الأعلى غير الملامس لرمل الأرض. تجيبها بفرح أنها تستمتع بالجزء العلويّ من المشهد بعد انقطاع طويل. تعود عندها الرِجْل الأنثى الداعِسة على الثـَّبات البنّي إلى صمتها الكئيب.

(1) طاولة الكوي/ Rewind
اليائسة الأربعينية في الداخل تستمع إلى فيروز: «فيا قلبُ كم شرَّدَتك رياح». على جانبها طاولة كيّ نـُصِبَت منذ ساعات ونُسِيَتْ في مكانها، وعلى الطاولة قميص قطني مخطَّط غُسِل أكثر من مرة حتى وَلدَ الكراتِ القطنيةَ الصغيرة على ياقته.

اليائسة الأربعينية ـ في ثلاثينيّاتها ـ وضَّبَتْ سجادة عجمية للسبات الصيفي. فردَتْها ورمت كرات «النفتلين» البيضاء. أتَتْ صغيرَتها وأكلَت حبّة. بلعَتْها ولم تستجب لأمر البَصْق. أشربَتْها أمها حليباً ساخناً وأخبرَتْها قصة العفريت المنحوس ثم غنَّتْ لها حتى نامَتْ.


اليائسة الأربعينية ـ في عشرينيّاتها ـ تقترب منه. هو مصنوع من مجموعة خيوط، ككرة جدتِها الصوفية («هل ماتت جدَّتكِ؟» يسألها في عشرينيّاتها فلا تجيبه). «لا تشدي هذا الخيط من منتصفه فهو خيط الوجدان»، يأمرها. «الوجدان لا يُمسك من المنتصَف. لا تمسكيه من الطرف!» يصرخ. «لا تشديه». هو «ينسِّل». هو يتهاوى. تستطيع الآن اليائسة الأربعينية أن تغزل كنزة جدَّتها الصوفيّة («ماتت»، تعلن ـ في ثلاثينيّاتها).


اليائسة الأربعينيّة لن تبلغ الخمسين، وطاولة الكي ـ على غير عادة ـ لا تنتظر أحداً ليعيدها للزاوية.

(2) عابرة (للطوائف)
«سَكَّر بابي بشوفك ماشي عالطريق، بفكِّر إنزل أركض خلفك عالطريق، وتشتّي علي وما تشوفك عينيّ وأنا أركض وراك مدِّلَّك إيديّ. واندَهْلـَك انطرني حبيبي وما.. ما تسمع» ـ جوزف حرب.

أو: ملأ مَطَرُ اللحظةِ العينين فخلق غشاوتَيْ السمع والبصر.

(3) أوْصَدْتُ عليَّ السماء
«وحدن» لطلال حيدر. أقفلوا علي باب الغــابة وتركــوني هـناك. بقيتُ وحيداً مأزوماً في ستاتيكو غريب. قالوا إنها النهاية. نظرت فجأة في الغابة حــولي. رأيتهم يوصدون الباب الحديدي ولم يكن قد أكله الصدأ بعد. عَدَوْتُ أجمع الزمن الهــارب على جدران مَرَّتْ عليها الدماء وجفَّت. أقفلوا عليَّ الستاتيــكو وقالوا لي: ابقَ حــيث أنت. ثــم أتوا مرات يحاولون فتح البـاب وتعاظمَتْ نشــوتي. سـأهرب من الغابة الموصـدة، قرَّرْت. لكنهم تراجعوا في لحظة أخيرة. قالوا إنهم أعطوا الفتنة حبــوب منومات. خارج الغابة، كان الحمام يطير أسراباً فوق البيت الذي حسبته آمناً. شخصْتُ بنظري إلى السماء فاكتأبت.

بدأت أقرأ ما تركوه لي من كتب. اعتــدْتُ الستاتيكو حتى لم أعد ألحظ العشب الهارب على زوايا كرسيّ، ولم يعد يعني لي بياض الثلج شيئاً. افــتقدْتُ فقط الحمام الغائب ـ شتاءً ـ في السمــاء غير الموصَدة. ومرة أخــرى، فتحوا الباب ونسوا أن يغــلقوه. تسللت إلى تخوم الغابة، حيث البيت الآمــن. وجــدتُ صاحــبي وقد تزوج وَرَبّى كرشــاً وأطــفالاً يصرخ فيهم وزوجة تشتم له نهاراً وتمارس معه الجنس ليلاً (فقط ليلِدوا طفلهم القادم، ومن غير لذّة). وجدْتُه مأخوذاً بالعــلبة الالكتــرونية أمامه. يشتم من وما ظهر فيـها ويرمي ما فــاض من طــعامٍ في فمه. (تعلَّم طفــله الشــتيمة الأولى الآن وقد ضحك صديقي لسماعها بهستيرية). ظَلَلْتُ أتســرَّب من غابتي لســنوات وأنا أشاهد طفله ينمو. ثم ضربه صديقي للشتيمة السابقة ذاتها بعد ثلاث ســنوات. لم تعــد الشتيمة مضحكة. دخل الصبي زمن العيب وعليه أن يتوقف عن التفوه بالشتائم التي تعلمها من أبيه. شاهدتُ كل ذلك والعلبة الالكترونية لا تزال مضاءة بكل ما فيها من أشخاص.


أطفأت العلبة الالكترونية، فأعاد صديقي إضاءتها. أطفأت العلبة الالكترونية، فأعاد صديقي إضاءتها. أطفأت العلبة الالكترونية، فأعاد صديقي إضاءتها.

عدْتُ إلى كرسيي في «غابة» الستاتيكو. فَقَدَ دَمُ الجدران رائحته وبات لوناً لا أكثر. صادقْتُ الذئاب (الباقية طبعاً) حتى باتت آكلة عشب. لم يَعُد ما حولي، «غابة». بدأْتُ التفتيش عن اسم ثانٍ لها، ثم سرقت أسراب الحمام وأوصدْتُ عليها سمائي. (لن أدلكم كيف) جمعْتُ ما بقي من الزهر وانتشيْتُ صارخاً مضيفاً إلى ما حولي من صَخَبٍ هادئ: «يعيش الستاتيكو».

(4) حرامي الحكي
أنا «فهلوي». أسرق النصوص الناقصة. أصلح ما يمكن إصلاحه. أرمم الجمال الناقص. أنا حرامي حكي.

«ألم تفهم بعد؟ أنا فقط مثل هذا العالم حولك، لا أتغير. نحن لا نتغير».

هذا ما قلتِه لي تلك الظهيرة. أنا ومذ ذّاك أحلم، أتذكر أكثر ما أحلمه، وأهلع. نعم. أجزع لأني تذكرتُ حلماً. لا تضحكي. اعتدتُ أن أحلم طبعاً. من منا لا يحلم؟ هذا أمر أكيد. لكني اعتدتُ أيضاً أن لا أتذكر في الصباح التالي أياً من تفاصيل حلم الليلة. تتراءى لي منه فقط صور مبهمة. أعرف أني حلمت ولا أعرف مضمون رؤياي. ثم يحدث أن تمر أيام تالية قبل أن أصادف حدثاً من نوع ما، وأظن أني صادفت هذا الحدث من قبل. كأني حلمت به. الآتي سيحصل هكذا، أحضِّر نفسي. دائماً ما يخيب توقعي بالتفصيل القادم من الحدث، لكنّ هذا لا يمنعني من الإيمان أني فعلاً حلمت بذلك التفصيل.

أول حلم حلمته بعد جملتكِ تلك هو وقوفي أمام مرآة حائط. أراقب تحول جانبيْ شعري إلى اللون الأبيض. فقط الجانبين. لم يمتد الابيضاض إلى مقدمة رأسي. شي ما أشبه بتحولي إلى شرير رسوم متحركة يابانية الصنع، رغم أني حافظت على ابتسامتي.

هلعتُ طبعاً، وتوجهتُ إلى ذوي المعرفة. اختلفت جدتاي على تفسير الحلم. الأولى قالت: سيأتيك مال أو يحصل لك شيء خيِّر، والثانية جزمت بموت أحد أعرفه. كلتاهما استعاذت، وطلبت مني أن لا أذكر مضمون حلمي لأحد. أما عمة أبي فأقعدتني في حجرها. قالت وهي ترتل بعض الآيات القرآنية القصيرة القليلة التي تحفظها أن «عليَّ نفس». تثاءبت حتى طفر الدمع من عينيها، وطلبت مني أن أبتعد عنها، إذ أنها لا تستحمل امتصاص كل تلك الطاقة السلبية.

تركتُ جدتيّ وجملتكِ تصخب هدوء رأسي القديم الذي فقدتُه. فكرتُ أني أعيش في المؤجل. هناك شيء ما لا أعرفه سيحدث في وقت ما قادم، لا أعرفه أيضاً. ولذلك أجزم أنني – على الأقل أنا – أتغير. الأمر أن حكمكِ الجازم المعاكس يرتكز إلى ملاحظتك لما حصل في لحظة واحدة. واحدة فقط. أحدهم في السيارة أمامكِ رمى محرمة ورقية من النافذة، فشتمتِه وجزمتِ بعدها أنهم لا يتغيرون. أو مثلاً، كدتِ تصطدمين بسيارة قطع سائقها الإشارة الحمراء، فتشتمين وتضيفين أن شيئاً ما لا يتغير. (ما لي أستخدم أمثلة السير حصراً؟)

نحن لا نتغير على مدار لحظة. نحتاج إلى تراكم لحظات. نحن في حراك دائم. نهبط، نعلو. لولا الهبوط ما علونا. ولنعلو مجدداً علينا أن نهبط قليلاً. وفي كل مرة، لا تمنعنا معرفتنا الواضحة لهذا الحراك من أن نسقط في هذا الهبوط. هذا أمرٌ لا يمكن تفاديه. هذا صخب الحياة (وإن كانت في بعض الأحيان نسبياً هادئة).

أصدقكِ القول. صديقي كتب مرة قصة قصيرة عن «ساعة ذئب». تعرفينها؟ تلك الساعة الأكثر إظلاماً التي تسبق شروق الشمس. أنا عشت «لحظة ذئب» في وضح النهار. حدث ذلك تواً بعد جملتِكِ تلك.

«لا أتغير. لا نتغير»، قلتِ. أحسستُ بشيء يصعب وصفه. حسناً. سأستعير جمل صديق غاب فجأة ولا أعرف أخباره. كتب عن موقف مشابه فوصف أنه «رأى الأخضر حوله يزداد اخضراراً (رغم أن أحداً قد لا يهتم)، ولحظ الاستدارات في شعرها (شعر حبيبته) تزداد، واقتنص رؤية نادرة للشحاذ وهو يضحك بإصرار غريب، وتأكد أن الفتاة والشاب اللذين يقطعان الطريق الآن يضغطان على كفيهما المعقودتين أكثر».

كأن الظلمة اشتدت قبل أن تنبض كل تلك المتغيرات بالحياة وتبرز. «لحظة الذئب» تلك جعلتني متأكداً أني أتغير، وبسرعة لا أستطيع أنا حتى اللحاق بها. هل استوعبتِ ما قلته للتو؟ أقول إنني لا أستطيع اللحاق بنفسي. نفسي أسرع مني. لا تضحكي وتظني أن هذا شيء جيد على الإطلاق. هذا خراب. نفسٌ تسبق صاحبها. إنسان يحدس أنه مسيَّر، لِمَ عليه إذاً أن يحتفظ بالنشاط والرغبة على إتيان فعل ما؟

الليلة وأنا أقف أمام الباب الزجاجي لشرفة شقة قريب لي في بيروت. في فضاء الزاروب كانت هناك وطاويط تمرح في الهواء. ترتطم ببعضها وتكمل استعراضها في الهواء. تقترب طائرة من زجاج الباب من دون أن ترتطم به وتبتعد. عرفتُ أني الليلة سأحلم من جديد . صدق حدسي. رأيتُ شارلي شابلن في فيلم .”Modern Times” كان يبتسم في المقدمة ومشاهد الفيلم تواصل تتابعها في الخلفية. قال إنه يبتسم لكِ لا لي. لم أغضب لتلك الملاحظة، بل سررت. صحوتُ متذكراً الحلم. وللمرة الأولى منذ زمن، لم أفزع.

تستقر شامتها بحياء على صدغها الأيسر. تسهم بموقعها هذا في إضفاء غموض (أعرف أنه غير مقصود). فكرَت بذلك وهي تتلمّس دائرتها البنيّة تحت قطرات الماء النازلة من الرشاش المثبَّت في الأعلى. أخفضت وجهها، ثم رفعتْه وآثرت إغماض عينيها (ربما لمحاولة خلقِ بعض الحميمية. لستُ أكيداً). أحسَّت بشامتها تنزلق حتى أعلى شفتها العليا، إلى اليسار من وجهها. صارت في منتصف عشريناتها، لا تأبه بغموض الغد. مررت أصابعها بين خصلات شعرها الرطبة. مشت الشامة حتى أسفل وجنتها. شعرت أنها كبرتُ أعواماً. أنها باتت في ثلاثينياتها، امرأةً عاملة تنتظر مساءها لترفِّـه عن نفسها. بدَتْ بأفعالها (التي شعرْتُ بها من دون أن أراها) كأنها تحاول التقاط شامتها المنزلقة (لكني أشعر لسبب ما أن هروبها يستمر). هي وصلَتْ الآن بحسب عينيها المغمضتين (وعينيَّ) إلى أسفل عنقها. ذلك المكان من الجسد يتوِّه الناظر فيصرعه (على الأقل بالنسبة لي). لحظةَ وصلَتْ الشامة إلى عنقها، أحسَسْتُ أنها انتََقَلَتْ – معها- إلى موقع السيطرة (كأنني لم أعد أسيطر عليها).


لحظات سيطرتها لا تطول (أستعيد الإمساك بكل شيء. أعاند محاولة الهروب تلك). الانزلاق يتواصل من العنق إلى الثديين حتى البطن ثم الأسفل. تتمرّدَ حتى تضيع ولا تعود تُرى. تصير بدونها امرأةً أربعينيةً تهرب من الجنس الليليّ المـُنهِك. تتلقّى كتفها يدان، ويحنوعلى عنقها رأس. من هنا مرّت الشامة. من هنا صُرِعَ بمحبة وتبع درب الفرار بقبلاته.


كلّ ذلك الهروب المـُلاحَق، ولـَمْ تتكلم. بقيَت كجمادٍ معروضٍ تحت الماء. فََتَحَتْ عينيها للحظة، ولحَظَتْ شامتها تضيع في بالوعة “البانيو” (إنها تعلم أنها مرصودة، لكنّها تعانِد).


(أراها تنظر فقط في المرآة بعد بعثرتها للبخار الملتصق على زجاجها بكفها). ترى أنها ما زالت تملك شامة، على صدغها الأيسر. لقد ركزت شعورها على قطرة ماء، أو ربما هو إضطراب “مرَّتها” الأولى. تعرف ذلك وهي تراه وراءها في المرآة واقفاً في الحوض، قبل أن يغيِّب بخار الماء كل شيء.


(أما أنا فأقفل الكمبيوتر خاصتي وأنهض عن كرسيِّ. لقد ختمتُ نصي، وهزمتُ هروب الشامة).


«إنه ينتشر»، أعلنت المذيعة. رُفِعَتْ ركوة القهوة عن المنضدة، وانساب السائل الأسود رقراقاً داخل الفنجان.

الأم التي تشرب القهوة في فنجانها الأزرق المفضّل أبصرت في نومها مطراً أسود غزير السقوط. استيقظت، وأضاءت التلفاز ففوجئت بالتقارير التلفزيونية تعلن ازدياد حالات الوفاة. في اليوم الأول بثت التلفزيونات صوراً لناس بكمامات زرقاء في مترو وقطارات أوروبا. وشت الصورة بحجم الهلع. لاحقاً في نهارٍ تالٍ، واكبت فصائل من الشرطة مجموعات من الأطباء البيطريين إلى مزارع في أنحاء البلاد. دخلوا بكماماتهم الزرقاء، أطلقوا غازاً قاتلاً، وخرجوا.

هرب عمال المزارع. من وصل منهم إلى بيته سالماً نقل أخباراً لا تصدَّق عن المشهد. تحدثوا عن أجسادٍ سقطت في لحظة، عن أطنان من الخنازير النافقة المتكوّمة في الداخل، ولا أحد يجرؤ على الاقتراب منها. هربوا وتركوا وراءهم في محيط المزارع مجنوناً وحيداً يتمتم ثم يصرخ: «ليست الخنازير وحدها. لا تظلموا الخنازير».

عالم بأسره صار يجلس أمام شاشة بقنوات معدودة. حتى قنوات التلفزيون فرغت من موظفيها. أكثرهم فضلوا ترك أعمالهم والانتقال لقضاء أوقات ـ قد تكون أخيرة ـ مع عائلاتهم.

لم يعد أحد يخرج إلى الأسطح ليكش حمام سماء المدينة. صار الناس يلزمون بيوتهم ويمتنعون عن الاختلاط. الكل يتابع قليل عمله قدر المستطاع من بيته، عبر الهواتف والانترنت.

لن يمر الكثير من الوقت قبل أن تنهار اقتصادات دول. ستزداد المشاكل في البيوت الموصدة. الوجوه نفسها كل يوم. الغسيل الرطب سيُنشَر على حبال داخل الغرف الموصدة، ويستغرق الكثير من الوقت ليجف. لن يجرؤ أحد على الخروج إلى الشرفات. يفتحون نافذة واحدة نصف ساعة في اليوم، ليجددوا الهواء التعب داخل البيوت. يغلقون النافذة المفتوحة بأسمك غطاء قابل لأن يمرّر الهواء ويأملون أن لا يدخل الموت من النافذة في نصف الساعة هذه. يمر اليوم، فينتظرون يومهم التالي. صاروا يكبرون بالأيام لا بالأعوام. يسألون: إلى متى نصمد قبل الانهيار الكبير؟ متى ستتوقف الكهرباء والهاتف أو ينضب طعامنا وشرابنا المخزَّن؟ متى تحل العتمة المطلقة؟

«هذه أيام سوداء»، فكرت الأم. هذا عمىً أسود لا أبيض كما في الرواية التي أخبرها عنها ابنها البكر. قال لها: «في الرواية البرتغالية احتفظ الناس بأجسادهم وهاموا عمياناً يتلمسون بعضهم. الرؤية كانت بيضاء كالحليب». ما يحدث اليوم مختلف عن الرواية. اليوم، تصاب، تعدي غيرك وتموت. قطع «دومينو». تموت أو تبقى.

الليلة تذهب الأم للنوم، وتبصر في نومها كابوساً جديداً: مطراً أسود أو أحمر؟ غير مهم. هذه إشارة مكررة ستجعلها تعود غداً بتدابير احترازية. ستتشدد في منع أولادها من الخروج من المنزل. ستجلسهم على الكنبة: ثلاثة صغار باتوا رجالاً في لحظة، وتعلن: «نحن نواجه عدواً لا نراه، ولا نستطيع أن نلمسه. هذه حربٌ لا نربحها إلا بالهروب». سيردّ أصغر رجالها على خطبتها بأنه يحبها كثيراً، وأن ما يحصل يذكره بأفلام الكوارث الأميركية التي كان يعشق مشاهدتها، وبات يمقتها الآن.

ستبتسم الأم وهي تنظر إلى رؤوس أطفالها المتجاورة تؤلف خطاً قطرياً تحت نسخة لوحة «غيرنيكا» المعلقة على الحائط وراءهم. الآن، يعلن الخبر العاجل على أحد المواقع الالكترونية أن الإصابات تتفشى وأن خمسين ناشطاً من حملة «فلنعش سوياً جنباً إلى جنب، أيها الفيروس» ماتوا في ساحة المدينة في ثوانٍ معدودة. كانوا يلبسون الأبيض. «يا لغبائهم. لقد بدأت الحرب»، فكرت الأم. «لن يتعرف أولادي على فتيات جميلات غريبات. لن يعرفوا أبداً الحب».

هذه حرب لا تشبه الحروب السابقة. يقول الكليشيه إن الحروب تُهزَم بالحب. حرب اليوم بطلها نَفَس، بطلتها قبلة! القبلة عميلة مزدوجة.

«البسوا دائماً الكمامات الزرقاء. الحب أمر خطر. حاذروا القبل». هكذا أكد وزير الصحة. أضاف بجدية: «إذا أردتم أن تحبوا، فحبوا فقط أنفسكم». في بادئ الأمر تهكم الناس على الوزير، وشاعت نكات منمطة بذيئة، ثم ما لبث الجميع أن فطن لما يحصل حولهم. لقد انقلبت القوانين، وباتت الفردية بطلة المرحلة المطلقة. الناس يطبقون النصائح التي تُرسَل عبر ما تبقى من الإذاعات العاملة بدقة مذهلة: «لا تكونوا جماعات. لا تزوروا جيرانكم. تجمعكم يقضي عليكم في لحظة. لا تخرجوا من غرفكم».

يحمل الهواء الفيروس إلى أماكن متفرقة، وتزداد عزلة الأفراد. كثرٌ شرعوا بكتابة روايات على الانترنت. خرج أحدهم بنظرية أن الفيروس ينتقي الموتى. أن كل من مات كان يجب أن يموت، وأن من بقي حياً تخطاه الفيروس لأنه يريده حياً لسبب ما. رجل الدين فرح بالفكرة. أعلن عبر مكبر المعبد أن ما يحدث ابتلاء لمن ضل الصواب. قال ذلك، وذهب ليصلي، فتملك منه المرض قبل أن يتم صلاته.

ستسري إشاعة عن اكتشاف ترياق ما في أدغال إفريقيا، ثم تنفى بعد ذلك. وسيتكرر الأمر. كل يوم ستخرج الإذاعات المشوّشة بأخبار من هذا النوع، لا تلبث أن يتضح كذبها.

«يا لسخافة ما يحصل خارج الغرف الموصدة»، فكَّرت الأم وهي تحضن صبيانها الثلاثة حليقي الشعر.

هو يوم قيامة سابق لأوانه. حرب ساكنة. إبادة مليارية بدأت.. بزكام.

لا شيء غير «فريندز»

يلحق قطرات المطر على الشباك بإصبعه من الداخل. يبتسم وحده. ترتسم ابتسامته على الزجاج أمامه. تلفّه متعة زائدة. يعود إلى فراغه المرتسم بلهاً على وجهه. لا شيء. لا شيء، والكثير من كل شيء. تطنّ في ذاكرته أغنية مغرقة في القدم لكارم محمود. «عنابي، ترا، يا عنابي، ترا، يا خدود الحلييييوة». يــجبر ذاكرته على التوقف فيفتح باب البراد. لا تضيء اللمبة داخله. يغلقه، ويعود فيفتحه. (الآن، يذكره الضوء في الداخل بمشهد في فيلم ديني تعرضه قنــوات التلفاز أوقات الأعياد). ينظر إلى رفوف البراد، فيجد طعاماً نسيه منذ مدة. يهيّأ له أن طبقةً خضراء استولت على سطحه. يدعه هناك رغم رائحته النفاذة، ثم يغلق البراد. يفتح خزائن المطبخ العلوية. لا شيء. يحتاج للتبضّع، يفكر. في ما بعد، يضيف إلى جملته هذه في رأسه. يعود إلى قطرات الماء. يلحق قطرة أخرى بعينيه. تذبل عيناه. يفركهما وينهض متحركاً في الغرفة قليلاً ليطرد النعاس. يفتح التلفاز ولا شيء غير «فريندز». حلقة، حلقتان، ثلاث. يطفئ التلفاز. يفتح خزانة الملابس. ينظر للحظات ثم يعود إلى السرير. يحتضن مخدته البنية. ينظر إلى السقف، ثم إلى الشاشة. يطبع «إيميلاً». يتصنع عدم الوجود لمن ظهر على «الماسنجر». «عنابي يا عنابي يا خدود الحليوة». لا سبب محددا لطنين تلك الأغنية بالتحديد. لا سبب.


يعود إلى قطرات الماء على النــافذة. تكمل الرتابة التي لم يقطعها إلا هاجــسه (غــير الجديد) بتلك الأغنـية. يتصور «الكمنــجات» تحلق تحت الثريا تعزفها. وفي لحظة واحدة (لا أكثر)، تصفق ريح الخارج عصفوراً بالشباك ذي القطرات المنسابة فيقع مـيتاً على الحافة الخارجية.

يلمس بيديه الشباك العرقان. ينظر إلى الجسد الهامد. «عنابي يا عنابي يا خدود الحليوة».


بطء
أنتَ لا تفهم. عندمـا نظرتُ إليهــا في المرة الأولى، لم ينبض قلبي فوق العادة ولم أحس بجفاف حلق مفاجئ. لا. لا. لم أشعر بأي شيء من هذا. فقط أحسَسْتُ أنه يجب عليَّ أن أنظر إليها وأبتسم.

لا تندهِش لمّا أصرِّح لك بهذا. لم أقل لكَ شيئاً غير طبيعي أو استثنائي. العالم لا يتوقف لدى رؤيتي لها. بالطبع لا. إنه فقط يتباطأ. ينضج أكثر بتفاصيله. ولحظة النضج، ولبطءِ اللحظة، أستطيع عندها أن أتفادى وقوع القهوة المنسابة من الكوب على الأرض، فأحمل كوباً آخر تحت السائل المعلَّق في الهواء كي يســقط فيه. وأستطيع أيضاً أن أصفع الذبابة بالجناحين الرقيقين بطيئي الحركة، وأن أجعلها ترتطم بالحائط، منتقماً من كل ضحاياها البشر الضعفاء أمام صغرها. (هل سمعت ذبابةً تصرخ؟ لا تفوّت صوتاً كهذا مرة أخرى. أرجوك). ثم إن بإمكاني عندها رؤية الثغر يتَّسع رويداً رويداًً، فأتعرّف على الفرق بين الابتسامة المتحفظة وتلك المتسعة، وبين الابتسامة المتسعة والضحكة الصامتة، وبين الضحكة الصامتة وتلك التي يرافقها صوت.

أنتَ لا تفهمني. أنا فقط أحتفي ببطءِ ما يحدث.


تدور
. . . . …. يقول لها إنه يحبها فتسأله أن يؤجّلَ الموضوع حتى عودته من الخارج يومئ بنفسه لنفسه ويعقـِّب بطبعاً ويُحبَط في وحدته والأنكى أنه لا يعرف في تلك اللحظة إن كانت تبتسم أم تبكي أم تصمت لا يعرف حتى إن كانت تعرف كيفية استخدام أدوات الوقف في أمكنتها المناسبة فهو يعاني معها ربما لأنه لم يلتقط أنفاسه في فترة فاصلة طوال حياته القصيرة ثم يعودان فيتحدّثان وكأنّ شيئاً لم يكن ويتكلمان في التفاهات والقضايا المصيريّة ويتشاجران على قضايا أسخف هل يمكن وصفها بالقضايا أصلاً إن هذا لسخف حقاً ثم يقفزان فوق التـفاهات الآنفة الذكر ولما يدغدغ هو ما تم وضعه في الاحتياط لديها تبتسم وتقول له أن يتـوقف وتتهمه بأنه يفسر الأشياء بمزاجه الخاص فيصمت للحظات قبل العودة لأشيائه الصغيرة في محاولة فاشلة أخرى منه ثمَّ يقول لها إنه يحبها فتسأله أن يؤجلَ الموضوع حتى عودته من الخارج يومئ بنفسه لنفسه ويعقـِّب بطبعاً ويُحبَط في وحدته ….. . . .

في المقهى أجلس. بالقرب مني، مخرج يناقش سيناريو فيلمه الجديد مع كاتبه، أو ناشطة بيئية تشتم عادات اللبنانيين اللا-بيئية، أو طلاب على الكنبة يحضرون مشروعهم الجامعي، أو شاب يقترب بأنفه من وجه فتاة ليقول لها” أحبك” (من دون أن يوقع كوب القهوة)، أونادلة بشرايين خضراء على صدغها تبتسم لي أو له (ذلك الجالس ورائي). ما همّ.

نجلس في المقهى. تخرق الكتابات والملصقات نظر من ينظر من الداخل للخارج أو من يراقب الداخل من الخارج. ننظر إلى اعلانات عن الحروب والفنون ملصقة على الباب. رائحة البن تشقّ أنوفنا. صوت الآلة البخارية لصنع القهوة قريب. قناني السوائل المعطّرة على الرفوف لا تتحرك من أمكنتها. فوقنا إشارة منع التدخين، وحولنا تدرّج ألوان: أحمر، برتقالي، بني. ألوان ترابية.

نجلس في المقهى مبتهجين أو مكتئبين. لا هم. نراقب سرب حمام يقطع السماء. نتابع الشمس تغرب من وراء البناء الضخم المقابل على الرصيف الآخر.

قد نسمع رصاص الابتهاج يملأ بيروت، فنحدس أن أحدهم سيظهر اليوم على الشاشة. لكننا نكمل احتساء قهوتنا. ما همّ. يصعد فيطلقون له الرصاص. يتوارى فيطلقون له الرصاص. أما نحن الجالسون فالأمر عندنا سيان، نشرب القهوة ونبتسم. نمحو همومنا في لحظات. نفكر ولا نفكر.

يخطر ببالنا كل شيء أو لا شيء. نعاني من ذلك الفراغ المصاحب لارتشافنا السوائل البنية. نبتسم أو لا نبتسم. لكننا –مؤكد- نشرب القهوة، أو نقطع قطعة من شطيرة تعيننا على جوع داهم، أو نأكل حلوى باطنها الزهري الغريب يستدعي حكاية بيت الحلوى الشيطاني الذي أكل منه الاولاد حتى أتخموا.

على عتبة المقهى كادت قطة شقراء أن تلد أطفالها. حملوها في علبة كرتونة ووضعوها على الرصيف المقابل في الشارع. أغلقوا عليها حتى انتهت من ولادتها. لعقت صغارها وهم مغمضي الأعين. ثم نامت وناموا هم ملتصقين ببطنها. نامت، ونظر إليها أحدهم قبل أن يغلق عليها الكرتونة ويدعها لمصيرها ويصعد في سيارته.

الأكيد أن كل ما سبق لم يكن خيالاً. حصل كله عام 2008. أول ذاك العام ولد مقهى مع طاولات بالقرب من أخيه الأكبر. هناك، القهوة وقوفاً. هنا، القهوة (وأكثر) جلوساً.

شارع الحمرا لا يني يصبح كالمغنطيس، والمقهى اسمه: مقهى يونس.

فجأة، ظهر خيال فوقي. لم أعد حتى نصف الرجل الذي اعتدْتُ أن أكونه. هو البارحة. لقد حلّ فجأة.

(من أغنية للبيتلز)


ـ صندوق باندورا


بيوت التنك تزنِّر المدينة. قاطنوها يأتون من بعيد. المطر يقرع السطوح، والرجل يجلس حول الطبلية الخشبية مع امرأته وأولاده. يأكلون ما تيسّر لهم من طعام. يعدّ الرجل قروشه القليلة، ما تبقى لديه بعد دفع ثمن وجبة المساء.

 

السياح والصحفيون الأجانب يملأون الفنادق، في الغرف والأروقة والترّاسات. المقاتلون في الشوارع، ثمّ بوم. بدأت الحرب. ارتدى رجل بيت التنك بّزة داكنة. سينتسب إلى حزب أو حركة، لا يعرف عنهما شيئاً، ويقتل رجلاً كل يومين. هذا سيكون معدله طيلة الأعوام القادمة. سيقاتل مع الأغنياء وضدهم. لا فرق. نهر بيروت يثمل من الدم. الجثث ودم المعارك ومطر الشتاء تكفل فيضاناً آتياً منه إلى شوارعه المحيطة به. لرصاص لا يتوقف، من البحر، من البر، من السماء.


المقاتلون يحتكرون الأرصفة ومداخل البنايات. أكثرهم مغطى الوجوه. هذا في البداية. في ما بعد سيكشفون عن وجوههم. إغفال الهوية في خضم الدم لا يعود ذا أهمية. المعارك تبدأ ولا تنتهي. من يتذكر آلاف وجوه المقاتلين؟ ضحاياهم هل يتذكرون وجوههم، حيث هم الآن؟ أين ذهبت صور وكالات الأنباء؟ أين صار هذا الذي يظهر في الصورة ملوِّحاً بسكينه في وجه الدبابة؟ تبدأ الحرب بباص، بمجزرة، برجل يقف على سطح بنايته مطلقاً رصاص رشاشه في الهواء مع صرخة مدوية، أم بغير ذلك؟ البداية للتأريخ. نحتاج تاريخاً ما لنبدأ منه الكتابة. نقول: في تاريخ كذا، بدأت الحرب. وقبل؟ ألم يكونوا يكرهون بعضهم؟ وبعد توقف الحرب، هل توقفوا عن كره بعضهم؟


التلفاز صندوق مشع نسوا إغلاقه. أضِئه، تـُخرِج منه غرباناً ووطاويط. صندوق باندورا فُتِح. كل الشرور خرجت. وحده الأمل ظل قابعاً داخل الصندوق. الحرب سائرة على الشاشة والناس والقطط اختفوا من الشوارع. ما اسم المعركة التي تعرض الآن على الشاشة؟ أي حرب هذه؟


الحرب تكمل وتنك البيوت يصمد ولا يتحول إلى حجارة.


ـ الأصبع المقطوع

 
يفكر كيف نجا من المجزرة. يفكر بالبرميل التنكي الذي اختبأ فيه ذات يوم. وقتها، رفع الغطاء قليلاً وشاهد الأشلاء تصبح ـ فعلاً ـ أشلاء. تابع رحلة الخَلق. دم، دم، دم. المجزرة مستمرة. وصوت الدعسات لا يتوقف في رأسه. صوت متضخم سيشبِّهه بدبيب النمل لو قدِّر له أن يتعرّف على ذاك الصوت. يفكر وهو في البرميل كم تتسع قلوب هؤلاء للنفايات. تساءل كيف تتحمل قلوبهم كل تلك الرائحة المثيرة للغثيان.


نجــا من المــجزرة تلك. علق بعدها عند حاجز مسلّح على الطــريق الساحــلي. نفايــات قلوبهم كـانت أقل. يملكون شيئاً من رحمة. قطعوا له أصــبعاً واحداً فقــط. اليوم، كلــما نظر إلى كفه الأيمن تذكر الحرب. كلما حمل ملعقة، شوكة، سكيناً، تجسّد الحاجز أمامه. حمّلوه الحرب ومضوا. هو بالذات، لن ينسى وجوههم.


ـ أجنحة الدجاج المتبّلة


2009. أمير الحرب يتنقل. يجول في سيارة مرسيدس سوداء زجاجها داكن. جالس على فراش المقعد الخلفي الجلدي، يتكلم من خلويه مع أمير حرب آخر، ويفكر كم يشتهي الآن أجنحة الدجاج المتبَّلة. قام صباح وأوقفوا الحرب. نظر إلى مرآة الحمّام. نظف أسنانه. فتح فاه. نظر إلى أسنانه، ثم نظفها مرة أخرى. بصق الماء الممتزج بمعجون الأسنان في المغسلة وذهب إلى مؤتمره الصحافي ليعلن التزامه بالسلم، فحصل على وزارة مكافأة على قراره الجريء هذا.


لو صعدنا برؤيتنا إلى فوق. لرأينا رجال الأمن بسياراتهم الفورد السوداء يوقفون أرتال السيارات من المتحف حتى مستديرة العدلية. من جسر الرينغ حتى التباريس، وغيـره وغيرها، تقاطعات بأكملها تغلق. للاحظنا أن سيارة الأمير تذرع شوارع، كانت خطوط تماس بين شرق وغرب. سيارات المواطنين تقف عند عتبات هذه الخطوط. عالقين في سياراتهم، يشتـمون أمير الحرب، أو ابنه أو أخاه، أو أو.. ثم ينتخبونهم بعد شهــرين. شــوارع بيروت تزفَّت، الموسم الانتخابي بدأ، والموتى ما زالوا قابعين في مقابرهم الجماعية. البارحة، اليوم، غداً. لا فرق. هذا البلد والموت صنوان.

 

“وداعاً أيها العالم العزيز”.

تخطَّ يدكَ المرتجفة على ظهر الصورة. ينادونَكَ من الخارج. تجيبهم أنكَ آتٍ. تخرج من غرفتكَ. ترَبـِّت على ظهر قطتكَ البيضاء للمرة الأخيرة فتمتنع عن الهَرْهَرْة كأنها تعاقبك. تنظر إلى كروانِكَ الذي يعاني الاكتئاب المزمن منذ موت أنثاه. تصفِّر له فلا يجيبك. تنزل درجات البيت القليلة. تحمل ابن البوّاب على كتفيكَ كإعلان حليب نيدو وتعدُه بطيارة تطير بآلة تحكم عن بعد. لا يفهم الصبي الجزء المتعلّق بالتحكم عن بعد.يريد طيارة فحسب. بسيطٌ هو في أحلامه لأنه لم يعرف بعد. ليتَه يبقى بسيطاً. ليته لا يعرف.

تنزِله عن كتفيكَ وتدخل سيارتكَ راكباً لا سائقاً منذ مدة طويلة. تلوّح لهُ من وراء زجاج النافذة وتنطلق السيارة باتجاه الطريق السريع. تسمع زيادَكَ للمرة الأخيرة، وللمرة الأولى لا تضحك. لا تعني لكَ “آكّو” و”مصاري” أي شيء يذكر. هي -لو هنا- كانت ستعديكَ ضحكاً. مع كل ضحكة تنزوي إلى الأسفل من غير أن تشعر. تضحك وتنزوي حتى تجد نفسها متقوقعةً في أسفل المقعد الأمامي. أمّا أنتَ الآن فلا تضحك. أنت تختنق بدافع من كتمان شخصيّ.

زحام بيروت اختفى كأعجوبة. كأنّ المدينة تسهّل الأمور لك. تقول لكَ إذهب ولا تعد. إذهب ولا تشعر بالذنب. قلتَ أنك بدأْتَ تشعر أنك بنقصٍ في الوطنية يكاد يكون فادحاً. لا تعاقـِب باطنَك. ما الوطنية يا عزيزي؟

إذهب ولا تندم. لكن احتفظ بنقص الوطنية لنفسك. لا تصدِّره. لا تهبِّط عزائم رفاقك. ابتسِم لهم. فبعضهم سيصدِّق طبعاً تحت وطأة اللحظة، أي لحظة. وَدِّعهم وابتسِم. أنتَ وحدكَ تعلَم أنّ الوطنية إن ازدادت تحولت خانقة. تتأكد الآن لـِمَ تحاذر أن تشدَّ ربطة العنق في اللقاءات الرسميّة وتؤثر أن ترخيها. رغم ذلك، يأبى العرق إلاّ أن ينبع من هناك دوناً عن سائر مسام الجلد.

تقطع السيارة المسافة الأخيرة. تسمع الموجز الأخير. تشاهد الشحاذ الأخير، “الصّـَفـَّة” الأعجوبيّة الأخيرة بين سيارتين، الرانج “المـُلَبـْنَن” الأخير صاعداً على الرصيف القاطع للاتجاهين هارباً من زحمة سير. ترى الكثير من المازوت، ولا تشمه (فقد اعتدتَه). تلحظ الكثير من محلات بيع مستلزمات السيليولير في هذرٍِ لا يتواجد حتى في السويد، مصنِّعة النوكيا. تشمّ فرن المناقيش الأخير .

“وداعاً أيها العالم العزيز” على ظهر الصورة وهيَ في المقدمة تضحك بكريما الجاتوه على أنفها. أما أنتَ فَلَسْتَ هناك كما الآخرين.

أنت التقطْتَها وأرَّخْتَها: “يوم ما في شهر ما من عام 2005″. أضَفْتَ عبارة “العالم العزيز” على ظهرها ثمّ رَحَلْت.

لا تجلد ذاتك. لا تفعل أي شيء. عِش اللحظة كبساطة الإعلان الشهير ذاك.

أغمِضْ عينيكَ، تَرَ العالمَ العزيز في عتمة خيالِك.

1

تصعد الصورة إلى الفضاء. يوزعها قمر صناعي باتجاه من يريد استقبالها. يعاد تصديرها، وتصبح صورةً عامة يراها كل من يشاهد التلفزيون أو يقرأ الجرائد. تصير أمراً واقعاً، ومن ثمّ ماذا؟

 

ميلان كونديرا في روايته “الخلود” الصادرة عام 1990 تحدث عن الإيماغولوجيا (فلسفة الميديا). إحدى شخصيات الرواية تعلن: “تنتمي الأيديولوجيات للتاريخ، وتبدأ الإيماغولوجيا حيث ينتهي التاريخ”.

 

يمكن الأخذ بعين الاعتبار الظروف المحيطة بالكاتب التشيكي والتي جعلته يكتب ما كتب. ربما تورّط في موقع لحظي، وربما لم يفعل. فالعبارة عرضة للتأويل والنقاش المستفيض. الأكيد أنه في ذلك الوقت لم يكن ليعرف أحداث العشرين عاماً التي ستلي ما كتبه. أول ما تلى ذلك، في المنطقة هنا، حربٌ أسست لأسلوب تعاطٍ جديد في صناعة وتصدير الخبر والصورة: حرب الخليج الثانية. اليوم، وبعد ما يقرب العشرين عاماً، هل يمكن إعادة تطبيق نظرية كونديرا مع كل المتغيرات الطارئة؟ ألا يمكن القول أن الإيماغولوجيا (بعنصرها الأهم: الصورة) باتت المعين الأكبر للأيديولوجيا أو حتى للفصائل السياسية/الدينية منعدمة الأيديولوجيا؟

                                                                  

وكونديرا لم يتطرق في كتابه للإيماغولوجيا السلبية. أشار فقط للإيجابية منها. تلك المتعلقة بكمال الصورة. اليوم، يجيـَّش آلاف من الصورة الأكثر مأساوية ودمويةً. هذا لا يعني أن الحدث/المأساة وراء الصورة لم يحدث. ليس هذا موضع النقاش. الصورة هنا تدفع بعناصر إلى واجهة الحدث، وتعزل كل ما هو خلافها. إنها انتقاء في لحظة. لكن عناصره ليست على الدوام إيجابية، فقد تكون سلبية يراد منها أن تتعاطى مباشرةً مع نفسية المتلقي. هكذا يقتنع المتلقي بأنه ضحية أكثر. وهكذا يصنع رأيه المحكَم القادم.

 

2

عام 1922، تطرق والتر ليبمان بشكل أو بآخر في عمله المعنون “الرأي العام” إلى الإيماغولوجيا، وإن كان اللفظ لاحق لعمله هذا. قال ليبمان أن الناس لا يتعرفون إلى العالم إلا عبر “صور قابعة في رؤوسهم”. أشار بحكمه العام إلى طريقة تعاطي الصحفيين مع الخبر، أي خبر. يملكون صوراً في أدمغتهم ويبحثون عما يشبهها، ثم يستعينون بالتفكير النقدي لإثبات الصور القابعة في رؤوسهم، لإثبات أحكامهم المسبقة. وتباعاً ومع تتاليها وتراكمها، تؤثر الصور هذه على.. تصرفات المتلقين. هكذا كتب ليبمان. يمكن فهم آراء الرجل إذا ما تعثرنا برأي (وإن مختلَف عليه) يقول إنه.. أول من اخترع لفظ “الصحافة الموضوعية”!

 

يطالَب الإعلام/مرسِل الصورة بشكل مستمر بالتحلي بالموضوعية. دائماً، يطلَب من مرسِل الصورة أن يكون موضوعياً، لكن ماذا عن المتلقي؟ أما صار يرتكب “التهمة” ذاتها (غياب موضوعية ما)؟

 

هذه الأيام، لم يعد “الانفلاش” الإعلامي جديداً. الطفرة هذه – التي ما عادت طفرة- هل ما زالت تتوجه إلى عموم الناس لتصنع صورةً عامة، أم أن الأمر وصل إلى ستاتيكو ما لدى المتلقي؟ أما صار لكلّ جمهور تلفزيونه أو قناته؟ ألم يجنح المتلقون لقناة واحدة أو اثنتين لتثبيت ما يفكرون به في السياسة أم هم ما زالو ينتقون ويتأثرون ويتغيرون بما ينتقون؟

 

3

يقسِّم التصنيف العام الصورة إلى مجموعتين: “فنية” و”نفسية”. في الفنية منها مصدّر الصورة هو اللاعب الأكبر، في النفسية يصعد نجم المتلقي حتى يصير مشاركاً في إعادة تصدير الصورة. هو لاعب من الخارج، يقحم نفسه فجأة بعد نهاية العملية.

 

في بلد يحيا على الصورة “النفسية”، منذ نشوئه. ومع حروب صغيرة مقدسة تستولد قدسيتها من تكرار حدوثها، وإن كان يقوم بها شبان الأحياء على حدود.. أحيائهم. يصح السؤال الآن، أين المتلقي والمرسل في كل هذا؟ ألم يحصل اندماج وتواطؤ ما بين الطرفين؟

 

صورة الحرب مثالاً: مع توقف كل حرب، هناك صورة ستحيط بك من كل جانب. في إيميلك، على التلفاز، في الصفحة الأولى من جريدتك الصباحية، ومعادةً في صفحاتها الداخلية. بواب العمارة، سيفتتح معك حديثاً صباحياًً عنها. صديقك في العمل سيواصل الحديث. في طريق عودتك إلى بيتك، ستضيف المذيعة في الراديو رأيها الخاص. وآخر ما تنام عليه هو تلك الصور تحديداً تبث على أكثر من قناة تلفزيونية.

 

هنا تخرج الصورة منتصرة، سيان أكان صانعها أو متلقيها/معيد تصديرها هو من شارك في العملية هذه، أو كلاهما.

 

4

في روايته، يقول الكاتب التشيكي: “العجلات الإيماغولوجية تدور ولكن ليس لدورانها أي  تأثير على التاريخ.”

يصيب كونديرا في القسم الأول من جملته، ويخطئ في القسم الثاني.

 

فالزمن يمضي، والإيماغولوجية والسياسة يزدادان وفاقاً بل ويتبادلان الخدمات. لم تعد الأيديولوجيا بحاجة إلى قسم وانتساب مكتوب كما القرن الماضي. لم يعد الأمر “محكَماً” كما السابق. استعارت الأيديولوجيا من الإيماغولوجيا “ليونتها”، قل: تأقلمها مع كل ضغط مستجد. استعارت ما يعينها على البقاء حية وإن بشكل جديد.

 

تباعاً، “تنجح” صورة الحرب بعيداً عن القصة/المأساة التي تقف وراء التقاطها. إنها الصورة التي ستصبح عنواناً للحرب ذاتها. بل ستصبح هي الحرب! الالتباس والترابط بين الصورة وأثرها على المتلقي أعقد من أن يتم تفكيكها بسهولة في محاولة نصية. الثابت أن الإيماغولوجيا ستستمر – رغم كل النقاش المستفيض- بتقنيات جيدة. وهكذا، لن يبقى من الأيديولجيات والسياسة والحروب إلا صوراً في رؤوسنا، في لا وعينا.

 


ينتهي كل شيء، ويبدأ من جديد، من الأول. الترهات نفسها. الأخطاء نفسها. الإعادات نفسها.
يزداد حس الملاحظة، وتضيق مساحتك الشخصية حتى تكاد لا تتسع لك.  تتوقف عن شراء الهدايا
. في سفرك المتكرر للخارج تشتري دائماً الهدايا، لكنّك قريباً ستكف عن فعل ذلك.
يضيق عالمك لكنه يتسع أكثر لعالم الكتب. تقرأ سبعة كتب في 4 أيام. تقرأ، فتندهش. هناك رواية تصف بالتحديد فصولاً من التنظيف الجسدي، كيف تنظف الشخصية أنفها أو أذنيها أو حتى قدمها، والرواية لا تقف عند هذا الحد، بل تحتوي فصلاً يصف عملية التبرّز بالتفصيل الممل.
تسوء حالتك. تنزف أكثر من دون آن يؤثِّر ذلك على وزنك. إنها غرابة العالم المَعيش. اللحم والشحم يبقيان كما هما فيما القلب ينبض أسرع واللهاث يتصاعد صوته أكثر.
ورغم كل التعب، تتعمق في النظر، ويبدو لك الناس يتكلمون لغة سريعة. أنتَ خارج الدائرة، تنظر من فوق إلى العالم الملعون. تماماً كما نظر الساحر إلى مدينة كين ساي3 مرات. وقف على الهضبة ونظر. الأخ تآمر على أخيه قبل أن يُقتَل، الفيلة هربت وهي عمياء، الأم نامت، والأب الملك غاص في مرض لا شفاء منه. وحده وحيد القرن يخلّصهم. وحدها البصلة السمراء المحروقة في باطن الأرض تنهي كل ذلك.
يبتعد الساحر منهياً الرواية، مكرراً: ما أنا إلا غبار من تراب. يلتقط جمرة، ويطفئ بها عينيه.
تغلق أنت دفة الكتاب، لتنتقل إلى آخر. يزداد ابتعادك عن العالم مع محاولتك كف النظر عن أي شخص وأي شيء.
حتى هيَ باتت تمرّ أمامك كنسمة خفيفة تلفح وجنتيك من دون أن تجبرك على الالتفات.
أنت تنزلق في الفوهة تحت الأرض، كما فعلت أليس في القصة.
كانت تنزلق “بعيداً بعيداً بعيداً”..
تماماً كما تفعل أنتَ الآن.

1

لما أكون غاضبةً، أقترف انتقاماتٍ صغيرة: حذاؤك الرياضي صارَ في الشارع.

2

لما أغضب لا أصرخ. أصمت. أُراكـِم أمراضاً مستقبليّة، فقط.

3

إذا ما ارتميا على الملاءة الموضَّبة، وسألـَتـْهُ عن الجزء الذي يفضِّله من جسدها، أهملَ وجهها من حساباتِه. هو عندها يفكر: “أنا لستُ في مقابلة عمل.. أنا لستُ في مقابلة عمل..”

4

أقل من عدد أصابع اليد الواحد: المرات التي قبّل فيها يدها بعد زواجهما.

5

تحبسه في البدء في غرفة، ثمَّ تطرده مؤقتاً من البيت. تقول أنه يفسد عليها متعة التنظيف، بِـتنظيراتهالمتكرّرة.

6

أصرَّ أن باستطاعته أن يكون رومنسياً. قال أنه سيحضِّر لها الفطور: عانى في كسر البيض، وبحث عن الملح في البراد. وبعد ثلاثين دقيقة استقرّت الصينية أمامها في السرير. كان يبتسم ، أما هي فلم تلحظ إلا ما خـلـَّفه من فوضى مطبخيّة، ستنهكها لساعاتٍ قادمة.

7

في أوقات فراغه، يقشِّر طبقة الدم المتخثر النامية فوق الجرح الجديد، قبل أن تكتمل صلابتها.

8

لغة المغازلة بينهما: خليط من اللهجة الشامية، وحكي الأطفال الغريب.

9

تهديهِ في الموعد الأول يداً، وفي الثاني خدّاً، وفي الثالث شـَفـَةً. ثم تشتري له بعد مرورعام.. الملابسَ الداخليَّة المقلـَّمة.

10

دم الأصبع الذي سالَ يوم أخبرَتْه بحملها، صارَ في حلقِ البالوعة.

11

وفي اليوم التالي، وضعـَتْ ملاءات السريرِ في الغسالة الأوتوماتيكية. أدارتـْها، وجلستْ تنظر إلى زجاجها، حيثُ الذكرى تدور وتدور و..

12

عاشتْ معه ومع سيجارته. ولما هجر المنزل، شمّتْ الرائحة.. للمرة الأولى.

13

لم يتبقَّ مما كانْ، إلا حذاءه المنسيِّ عندَ عتبةِ البابْ.

14

يفتقدُ لاءَها. يشير لسائقه إلى وجهته النهائية و يتمنى أن يجيبه بـ لا“.

15

تنازل. طرق باب بيتها، وأفصَحَ لها أخيراً: “عزَمْت. أريد ذلك الولد منكِ“. كان أصدق طلب زواج شرقيتلقته حتى ذلك الحين؛ فقد ربطه منذ البدء.. بالتناسل.

16

@#$%^& (..) ثم سافر وعاد. استلقى على الكنبة، ووضع رأسه في حجرها، كأنَّ شيئاً لم يكن؟

17

لحظة الاعتراف الأول، يضع لفظ حبيبتيبين مزدوجين. فقط .. للاحتياط.

18

يلي الصمتَ معركةُ الصراخ . يشعر بضيق الخاتم، ويصاب بنوبة حكاك مفاجئة، تحته.

19

في المصطلح الخاطئ: “العشق هو محاولة خطف حبٍّ آخر“.

20

يـُسْمِعُها نكتةً سمجة فتضحكْ. يتابع بأخرى فتبتسمْ. يبدأ بثالثة فتقول له أنْ.. يخرسْ.

21

مَنـْطـَقَ العلاقة، أنهى حباً، شرب نبيذاً، ولم ينعس.

22
الحياد غلب الحب. الحياد غلب الـ”نا” لصالح الـ”أنا”.

23
إنها الثانية والنصف صباحاً. القهوة منزوعة الكافيين توهمه باستمرار الأرق. الأرق يثقل جفنيْه من غير أن يغمضهما. ميلان كونديرا يقص حكاية جنينٍ مشؤوم، وفيركور يروي صمت البحار. أما هي، فعلى الأرجح.. نائمة؟

24
المتشائل – في كتابه- يتحاور مع الكائنات الخضراء، وهي – أمامه- تدعك خريطة القلادة الفضية بسائل منظِّف بارد.

25
تلعثم لمّا رأى صورة غيفارا العظمى خلفها على الحائط في المقهى. أراد أن يقول لها: أحبّكِ. عوضاً عن ذلك، شتم غيفارا، ولم يضحكا.

أنت وأنا

»نجَّم« المذيع. صوَّرهم وتكلَّم عنهم و»نجَّم«. هل يُلام؟ أنت الذي تكتب قصتي الآن، ألا تفعل الشيء ذاته؟ يا خطاً رفيعاً بين الاستخدام والدعم، يا خطاً رفيعاً بين المال والمهنية، من يحددك؟ من يراك؟ وأنا؟ أنا؟ (أنت من يكتب »أنا«. هل هو »أنا« فعلاً؟ أسألك أنت. أنت!) متى أتوقف عن طرح الأسئلة وأقبل بكل شيء؟ بالقتل وتغطيته؟ بالحروب المراقبة دولياً؟ (هذه أسئلة تطرحها أنت الذي تكتب). أنا، متى أتوقف عن استخدام علامة الاستفهام البائسة هذه؟ (هذا أنا، لا أنت! )

قصيدة ذكيَّة

هناك من يوزّع المنايا من وراء حدود تعبتُ في ملاحقة ترسيمها على الأرض.

»حديد، رصاص. حديد، رصاص. حديد، رصاص«. الرصاص رحمة. الرصاص ذكرى سبعينية وثمانينيّة فات أوانها. الرصاص حكايا الآباء والأجداد. يا شعراء، وسِّعوا معاجمكم. أدخِلوا ألفاظاً حديثة، حدِّثوا معلوماتكم عن الأسلحة الذكية. جدِّدوا قوافيكم. واكِبوا العصر.


الخبز
سيرمون الخبز لي عبر شاشة أو في ملعب تابع لمدرسة سكنْتُ فيه بعد نزوحي، لكني لن أمد يديَّ لأتلقفه. لا يعني لي الطحين شيئاً. سأنزوي في زاويتي وأهمهم أغنيةً قديمة، بل بالغة في القدم. ربما بموشّح لشاعر أغفل التاريخ اسمَه. هو شيء ما لا يرتبط بما يحدث. أصلاً لم يحدث شيء سوى ذلك الحدث الذي شهدتُه بعد دقائق؛ عندما ضوّت السماء وسمعتُ الصوت. حينها، رفعتُ رأسي ورأيتُ الألوان تضيء العتمة.


الفوسفور
اكتشفتُ أنني لستُ »أبيض« البشرة. تأكدت من ذلك لحظة رأيتُ البقع البيضاء ترقِّط بشرتي، فلحظت الفرق بين لون بشرتي، ولون البقع. دخل المذيع إلى المستشفى. واتجه تواً ناحيتي. أراد تصويري. أغلقتُ الستارة في وجهه. افهموني. لستُ جاهزاً لأريَ أحداً بقعي البيضاء. سأتآلف معها أولاً، أعتادها ومن ثم سأدع المذيع يستخدمها لـ»ينجِّم«. لكنني لحظة سأفعل ذلك، لن أصرخ. لا تملك حنجرتي الطاقة على الصراخ والولولة كما اعتدت أن أفعل أكثر من مرة. أكره »الديجا فو«. لكن الأمر مختلف هذه المرة. لسبب ما أظن أن هذا يحدث معي لمرة أولى ووحيدة.

قهوة
وصل الحريق عظمي. اجتاحني الأبيض. من فوق، أرى جسدي معرّياً على عشب يشرب ماءَ مطر تشبَّع بفوسفور الهواء. الآن، أنظر إلى جسدي تحت ملفوفاً بقماشة بيضاء. بعد قليل، سيأتي سائق عربة الإسعاف ليتحسّسني أمام كاميرا المذيع النجم، وسيبكي قليلاً، وقد يولول. الآن، سأرى كل ذلك من وراء شباك. سأصمت وأكتفي بمسح ندى الشباك الذي خلفه هطول المطر في الخارج.

الآن يحفرون لي قبراً، في هذه الهدنة »بين رصاصين«. الآن، أسمع شاعري المفضل يخاطبني قائلاً: »أنت بنفسج القنبلة(..) أنت امتداد الياسمين«. هل خصَّني أنا بكلامه ذاك حقاً؟ نعم قال لي ذلك. أنا متيقن. هو جاري وكليمي. حظيْتُ بما تمنيته. الآن، أتخيّل البحر جفَّ، وتجاعيد الجبال ازدادت. أنتبه أنّ الطيور اختفت، والسمك مات. الآن، أرى الياسمين يزحف فوق كل الدم. تتراكض الغصون مع تلك الخاصة بثمرتيْ البرتقال والتين. تغطي الأغصان كلها الرمل المنكوش وتتصاعد حتى السماء. خلايا نباتية تستولد بعضها، وتكاد تمتص بقايا الفوسفور العالق في الهواء. تغطي كل شيء حتى لا أعود أرى شيئاً.

الآن أتوقف عن المشاهدة، أفقد البصر وأحتفظ بقليل من بصيرة يكفي لأتيقن أني متُّ.

لكن ما هم؟ ولِمَ عليَّ أن أبكي وأنوح؟ ها أنا أرشف القهوة.. مع شاعري المفضَّل!

من هذه الطريق البحرية بدأ كل شيء. محا الدخان الأسود زرقة السماء، وابتلعت الفجوة السوداء بقايا أجساد بشر ومبانٍ وحديد سيارات. من هنا مرّ من مرّ، وحدث ما حدث. سيتردد لاحقاً صخب الصراخات في الخطابات التلفزيونية. هنا سيقف تمثال بعد ثلاثة أعوام على بداية كل شيء. التماثيل تُستَحضر من كتاب تاريخ غير موحّد، وتراقب. تراقبنا.

 

هنا في وقت لاحق، سيرفع على الأكتاف طفل، وسيجول شاب بين المسلحين على دراجة نارية. على هذا الإسفلت ستمر مدرعات وقوى مكافحة شغب. فوق هذه الطريق سيرمي مجهولون قنبلة صوتية، فيفيق رجل ستيني ويتملكه الأرق ويدخن ست سجائر على الشرفة حتى طلوع الصباح. ستة فقط، لا خمسة، ولا سبعة. سجِّل هذا عندك لئلا تنسى: “ستة”!

 

تحت شرفة الرجل القابعة على تخوم المدينة، سيمسك أحدهم علماً بألوان ثلاثة، ويرفع آخر صورة ضابط، ويشتم مناضل شتيمة عنصرية، ويركض عداءون، ويتمشّى عاشقان –يتمشّيان لا يمشيان!-، ويزحف ببطء أفراد عائلة مستجدة من شارع لآخر. هنا، الهواء الملاصق لرصيف الطريق، سيحمل صدى الأخبار العاجلة، التي تُخفي الناس من الشوارع وتلزمهم البيوت ليوم أو يومين.

 

من على صخرة، على بعد دقائق من هذه النقطة مشياً، انتحر كثرٌ: طبيب ومهلوس وأخرس وشاب عادي وفتاة لم تعد تطيق لا نفسها ولا عائلتها، وأناس عاديون، فقط ملّوا الحياة. وبالابتعاد عن المد الصخري المقابل للروشة، إلى الداخل من هذه المدينة الرمادية البشعة معمارياً، لا يتوقفون عن زرع إشارات السير. يموت أحدهم، فيُزرَع تمثال، وتُخترَع مصلبية باسم جديد، وتُزرَع إشارة ضوئية. تكثر الشارات الضوئية ويخفت كل شيء آخر. الضوء البرتقالي الساطع باستمرار يَدلُّك على إشارة ضوئية غير “شغالة”.

 

تحت الإشارات إشارة تقول: “نعمل لأجلكم”. قرب الجملة، يفتح العامل بالوعة، ثم ينتقل إلى بالوعة هناك، ويتجه بعدها إلى أخرى، ويشتم وينطلق ناحية بالوعة رابعة، ثم إلى خامسة، فسادسة، حتى يصل البالوعة التي يبحث عنها، فيدفع بجسمه إلى الأسفل ليصلح العطل. وهناك -وعلى نحو فجائي- يخفت صخب المدينة.

 

يهلع العامل فيستعين براديو ترانسيستور خرج معه من الحرب الأهلية الماضية سالماً. يخرجه من جيب قميصه ويعيد بعضاً من الصوت الهادر فوق إلى تحت، في المجرور. يصلح العامل العطل، وهو يستمع إلى الخبر العاجل من مكتب التحرير، لكنه -ورغم الخبر- يبقى في الأسفل حتى إصلاح العطل كاملاً بصورة مؤقتة. ولا غضاضة في المؤقت، فهوية البلد نفسها غير ثابتة.

 

ينظر العامل إلى الأعلى من تحت، قبل أن يعود فيصعد، ويتنهد، ثم يتسلق السلم، ويستعيد الصخب المعتاد، فيهدأ.

 

يرتاح. ويمضي ماشياً مخفياً شاربه لئلا يظهر أمام شباب الجامعات غريباً من بلد فيلقى نصيبه من الصفعات والركلات، ويبصق بعضاً من دم كان يراه فقط على الشاشة. لا يكاد ينهي فكرته في رأسه  حتى يرى نفسه ماشياً بالقرب من شباب يضربون شخصاً. يقول –في رأسه- إنه عراك عادي. الآن يقول ذلك، ومساءً سيعرف أنه مرَّ بقرب خبر غير عادي مطلقاً.

 

ثم يتوقف للحظة عن التفكير كل تلك المؤثرات. يفكر أن عليه حلق شاربه اليوم قبل غداً، لكنه لن ينفِّذ خاطره هذا.. مطلقاً.

 

 

 

البارحة نبت الورد على أصابعي. تحسسته بلطف متوجساً أن أؤذيَ إحدى الوردات ثم أكملتُ نهاراً طبيعياً.. غايةً في الطبيعية!! تحاشيت أن أصافح أحداً في طريقي للعمل. اكتفيت بقراءة بعض التقارير العلمية الجافة مبتعداً عن الكمبيوتر. لا أريد أن يميت الضغط على لوحة المفاتيح إحدى الأوراق. هذا برعم ظهر للتو وتلك ورقة يزداد اخضرارها.

 

البارحة جلست أنظر إلى ورداتي تقبع على أطراف أصابعي وهي تتفتح على مرأى من ناظريَّ. شهدتُ الحياة تمشي ببط وتتطور. هي تكمل يومها وأنا أنظر. أتعب من النظر فأشيح بنظري بعيداً أو أغمض عيني فيفوتني تلوّن وردة. تباً. لا يأتي التعب إلا في أتفه الأوقات.

 

البارحة رويتُ الورد الطالع بالماء تحت الصنبور برقـّة. سألتُ قبل ذلك إن كان الماء يحتوي كيماوياً قاتلاً للنبات، فأنا أريد الحفاظ على ورودي. قفلتُ عائداً إلى غرفتي لأختلي بنفسي. تجنبتُ الأكل. لا أريد أن أمارس أي روتين يومي يقضي على هذا الورد المستجد الجميل.

 

البارحة، تكلمت مع ورودي من غير أن يسمعنا أحد. وحدها فراشة اقتربت من وحدتنا. لم أعرفها بادئ الأمر.  تذكرت “هايكو” مورتيك:

ما ظنتها زهرة ساقطة
ترفرف عائدة إلى الغصن
كانت فراشة

 

أضفتُ الفراشة إلى مستمعي حديثي. الظلام يحل في غرفتي. أضغط على زر الإضاءة بساعدي من غير أن أستخدم كفيَّ. تطير الفراشة ناحية الضوء، وتنتحر هناك على مرأى من ورودي وناظريّ.

 

أكتئب، فقد شاهدت اعداماً ذاتياً  للتو. أهرع إلى سريري. أحاول أن أنام من غير أن أتقلب. أحاول أن أبقي ورودي سالمةً.

أستيقظ صباحاً وأفاجأ بورودي قد ذبلت وانضمت إلى فراشة الليلة الماضية في أرض البقاء.

البارحة نبت الورد على أصابعي. اليوم ذبل ومات.

 

البارحة صافحتها. يبدو أن علي مصافحتها اليوم أيضاً حتى تلد أصابعي وروداً جديدة.

أخرج للمنزل متجهاً إلى ذلك المقهى الغريب حيث تجلس هي.

في إحدى صفحات الجرائد التي ألتقطها في الباص، شعر آخر  لكياروستامي:

 

تبرعمت

أزهرت

ذبلت

سقطت

ولم يرها أحد

 

بلى. رأيتها. أنا.. فقط.

في الشارع، يركض الأولاد خلف الكرة، وتركض الكرة بدورها فوق غبار الطريق. وحدها السيارة الحمراء نظيفة لمّاعة. الأولاد يتعاركون، يستدعون شتائم آبائهم ليعنِّفوا بعضهم كلامياً. يركض الأولاد، ولا تمطر عليهم السماء. هم يغتسلون فقط بغبار الطريق. (ستفرغ والداتهم الرملَ من أحذيتهم عصراً، ويضعْنَهم في البانيو مساء. سيدلقْنَ الماء على أجسادهم المغبَّرة من “طاسات” معدنية بكميات محسوبة، ويشتمن الساعة التي خُلق فيها التراب).

أجساد البنايات جرحى، خرقَها رصاص حربٍ قيل أنها توقفَتْ البارحة. (لم يتأكد الناس بعد من ذلك، حتى أجساد البنايات لم تصدِّق بعد. قارئي، لو دسَسْتَ إصبعَك في هذه الفجوة، لشعرْت بسخونة بارود البارحة).

في البناية، جارة لا تطيق وجه زوجها العجوز، فتشتمه وتشتم أمه. في فسحات الأدراج، نسوة البناية يطبخْنَ اللوبياء بزيت في وعاء لم يخلَق أكبر منه في تاريخ التكافل الإجتماعي، قاعه أسود من كثرة الإستعمال. وتحت البناية، صفٌّ من الرجال يبتاع الخبز أو “يزقّ” غالونات الـ10 والـ20 ليتراً.

نحن الآن في طريقنا إلى شقة مغلقة من شقق البناية. (قارئي، حاذر وأنت تخطو فوق الركام. لا تـَدُسْ هنا). الشقة لم تفتح أبوابها منذ توقفت النار، النوافذ أغلقت بقطع من الخشب البنّي. مَن فيها لم يعرفوا بعد أن كل شيء انتهى. (إنه شيء أشبه بما حدث للبطلة في الفيلم الألماني “وداعاً لينين”). داخل الشقة، خاطفٌ بذقن بيضاء يربِّت على أكتاف صِبـْيَته. يقبل بناته على خدودهنّ وهو يجلسهنَّ في حجره. وقد استطاع أن يفعل ذلك كله وهو يقشِّر ليمونة برتقالية ليقدمها إلى ضيفه المخطوف. أما مساعد الخاطف المثليّ فيقضي أوقات فراغه بلعب “عسكر وحرامية” مع مخطوفه. يلحق به، فيهرب الآخر منه.

هم لا يعرفون أنَّ شيئاً ما قد حدث وانتهى، أو أنّهم لا يعترفون بحدوث الشيء الذي حدث، أو أنهم لا يأخذونه على محمل الجد.

على الدرج، خارج الشقة، امرأة تنطلق إلى الشارع لتنضم إلى صديقاتها اللواتي يطالبْنَ بأقربائهن المفقودين. هذه المرأة لا تعلم الآن أنها ستضع صورة زوجها المخطوف ذاته مع صديقاتها على كراسي قاعة نقابة الصحافيين بعد 15 عاماً من الآن. ستبقى تنتظر عودة زوجها في زمن آتٍ سينعم به الناس الآخرون بجنّة “التغاضي”، ويسمّونه “تسامحاً”. إنه التغاضي الذي يجعل خدوداً يسرى تتواجد دائماً لتتلقى الصفعات التالية. ومع التغاضي المحسوب، يتقزَّم العنف الفعلي ليصير كلاماً و”بعبعة”.

وفي مكان ما، في شقة أخرى من البناية نفسها، مقاتل سيصبح مقاتلاً “سابقاً” عمّا قريب. المقاتل يأبى أن يتغاضى. يصرخ وهو يضرب جبهته في الحائط سيء الدهان. يبكي أمجاد حربٍ ظنَّ أنها انتهت. لا يعرف المقاتل أنه وبعد أقل من عقدين سيعود ليتفحَّص سلاحه المضبوب على “التتخيتة”، وسيفكّر ويقول: “يا للمهزلة”.

في شقة مجاورة أخيرة، سيموت أحد العجزة الذي لم يتحرّك قياماً عن كرسيه المدولب لأيام. العجوز وجّه كرسيه ناحية الشباك حيث ظنّ أنّ باستطاعته رؤية السماء، ولم يخلع معطفه، ولم يسرق الأولاد ما في جيوب معطفه هذا من حلوى، بعكس الفيلم الأجنبي.

في الخارج، على حدود المدينة، في المكان الواسع المطلَق، حيث يجب أن تنتهي المشاهد الأخيرة من الأفلام، جدار خطَّ أحدهم عليه العبارة التالية: “أنظروا ماذا فعلت بنا الشرعية”.

(*) خليط من أحاديث أصدقاء وأقرباء وإعادة استحضار لمشاهد سينمائية من سلسلة أفلام لبنانية أنتجت خلال العقدين الماضيين وتعارف على تسميتها باسم سلسلة أفلام الحرب.

لعمر وردة. بل باقة زهر، وإن استنفدت العبارة معناها وصارت كيتشاً .

 

فارع الطول الذي يلبس نظارةً غريبة يتواجد دائماً على طاولة خارجية من طاولات المقهى القابع في شارع جانبي متفرع من الحمراء. ومن الخارج حيث هو، يقف ويلوّح بيديه لمن على الكنبة في الداخل،. فإن لم يرد، قام من مكانه وكاد يدق بأصابعه على الزجاج ليلفت النظر، و.. يبتسم.

 

عمر الباسم، يطبع كتباً ويكتب مقالات ويحضِّر تقارير تلفزيونية، يتجول في مدينة سكنى بحماقة الشباب “الجامعيين” حاملي الشهادات، مؤسسي الحروب القادمة.

 

هكذا، نجد أنفسنا فجأة في مدينة  يثقلها غباء مراهق، وجهل أحمق، و.. ركلات.

 

هكذا نأسف ونكمل، ونيأس فنصمت، ونترك ولا نعود. ولا عزاء لبلد يرى سكانه في صور آباء باهتة لأناس تلفزيونيين (تلفزيونيين فقط!)..  أمثلة!

 

هذه ليست مقالة ولا نص ولا تحليل. هذا لا شيء. بعضٌ من أسى يرفض إلا أن يتكمّش بنا. هذا هديلٌ ليمام حزين يُرى متسكعاً في السماء من نافذة غرفة بمستشفى -أي مستشفى- في بيروت.

 

أسراب اليمام تكثر في سماء المدينة.

 

قم. لوِّح لها يا عمر.

 

 

the cover of the novel

/لنسخة مكبرة من الغلاف، إضغط على الصورة أعلاه/

عن دار ملامح

(extract)

تصميم الغلاف إهداء: أحمد عبد الله
رسوم غرافيتي الوجوه لـِ: حامد سنّو

كل رسوم الغرافيتي المستخدَمة في الغلاف موجودة فعلياً في جوار الجامعة الأميركية في بيروت

[ ذاكرٌ يا ترى سورَنا الأخضرَ، حيث كانت تفيءُ الطيورْ

يومها حبنا كان في حينا، قصةَ الوردِ لحنَ الزهورْ ]


اليوم، مررتُ قرب محل الورد ذاته. هل تذكره؟ ذلك القابع تحت المستشفى في موقع استثنائي. يشتري منه مريدو المرضي الباقات ويدخلون إلى مدخل المستشفى الشهير. وقفتُ عند الناصية وتذكرتُ باقتك الأولى. أتيتَ مع أمك حينها. دخلتَ غرفتي بالمستشفى على استحياء فيما أمك تقوم بكل الخطوات “الاستباقية”: تؤهَّل بأمي، وتقدمك إليها ثم تستفيض في شرح مؤهلاتك العلمية. كنتُ أنا قد كرهتُ الزوار على كثرتهم. شتمتُ اغماءاتي المتكرر والوزن الكثير الذي فقدتُه وأفضى بي إلى مثل تلك الحال. هناك في سريري كنتُ أنظر إلى يمام المستشفى يحط عند عتبة شباكي ويطير منتفضاً كلما علا صوتي أمي أو أمك. (لا. لا أسب والدتك سراً بتسميتها “أمك” ولا أحتفظ بالشتيمة التي تسبق كلمة “أمك” في داخلي. كل ما في الأمر أن لفظ “والدتكَ” فضفاض قليلاً على تصرفات “أمك”. لـِمَ تضحك الآن؟؟)

 ذاكرٌ يا تـُرى شعريَ الأشقرَ، و الشريطَ و شالَ الحريرْ]

حين خبأْتَ في سمعيَ المرهفِ، هـَمّ سرِّ كفيضِ العبيرْ ]


كنتِ هناك في سريِرك تنظرين إلى الخارج. إلامَ كنتِ تنظرين؟؟ إلى اليمام؟ يملك اليمام صوتاً مأساوياً يشعرك بكتمان الحقائق. يحيلك إلى تذكر الإحباط الذي نحاول التملص منه دائماً.
الحقيقة أنني كنتُ في موقف لا أحسَد عليه. أوصلتُ أمي للمنطقة فأبـَتْ إلا أن تصطحبني معها. لم أكن في وارد أن أفتعل مشكلاً فقد خرجتُ من مشكلي الأخير معها بأقل الأضرار الممكنة دقائق قبل زيارتنا. آثرتُ بلع الموس. ابتعتُ الباقة. ولما وطأتُ باب الغرفة عرفتُ أنني بتُّ جزءاً من ملعوب نسائي حضرتاه بالتوازي “أمك” و”أمي”. (ولتكن شتيمة، لا يهمني). لكنَّك كنتِ فقط تنظرين لليمام إلي يسارك عند عتبة النافذة. لم أتبيـَّن وجهك. كنتِ تديرينه (هل كنتِ تصطنعين النوم؟؟) فقط شعركِ الأشقر لفتني. لطالما لفتني الشعر الأشقر. تقول لي أمي أن ريقي كان يسرح خارجي فمي كلما جلستُ قبالة شقراء في صغري. (لـِمَ تضحكين؟ فعلاً حصل!). المهم أنني تجاوزتُ الموضوع مع الاستشقار المستجد الذي غزا شوارع بيروت.


[ وَ بَعـْدُ تـرامـَت حكايا، و أثقلَ روضي السمرْ

تـُحدِّث عنه الصبايا، يجئ إليه القمرْ ]


فلما استدرتُ ناحيتك رأيتُكَ في كرسيكَ مضطرباً خارج سياق الزيارة، ابتسمت. وأنا قلما أبتسم من دون سبب. شعرتُ بالراحة. أنتَ ابتسمتَ بدورك قبل أن توقع القهوة على حجركَ وتزداد اضطراباً. اتسعـَت ابتسامتي. قلتَ حينها: “منيح اللي القهوة حلوة” (!!)، فيما سارعت “والدتانا” (نعم بين مزدوجين) إلى تأكيد أن “كب القهوة خير”. كانت أمك تحاول أن ترمم صورتك أمامي فيما أمي تستبسل لمتابعة الملعوب النسائي. ما لم يعرفاه أنني وقعتُ في غرامِك في تلك اللحظة. كلما أنظر إليك أستذكرك تقول: “منيح اللي القهوة حلوة”؛ جملة بلا معنى تؤرخ اللحظة! بعدها تحدثنا في الكثير من الأمور، وبعد رحيلك شممتُ رائحة الورد الذي أحضرته. مختلفةً كانت الرائحة عن باقي الباقات التي امتلأت بها غرفتي.
(ما زلتَ عائداً في آخر الشهر، أليس كذلك؟؟)


[ ذاكرٌ يا تـُـرى وعدكَ المقمرَ، بالرجوعِ و قطفِ الورودْ

أم تـُراه مضى حبنا و انقضى، موسما مفرداً لا يعودْ ]


أجل أنا عائد. سأحضر لكِ باقةً من “البياع” ذاته أم تريدين باقةً من بعض الصِبية الذين يتواجدون في مستديرات شوارع بيروت؟ أعلم أنك تحبين ذلك الصبي الأسمر الذي يبيع الورود عند مستديرة الأونيسكو (ولولا عمره الصغير لأبلغتُ عنه الشرطة). سأفتش عنه، أدفع له بقشيشاً وأطل منه إيصال الباقة حى عتبة بيتك.

 

أما زال اليمام يملك ذات النغمة الآسرة الحزينة عند عتبة شباكك؟؟

ترجمة غير حرفية لإحدى تدوينات جيج، بداعي الملل والإعجاب، مع بعض الإضافات والحذف، دون إذنه، عله لا يمانع.

يطوف الحليب من الوعاء على النار، يلحق الأولاد بالقطار، وتصعد السيارة التل. تنعكس صورة برج إفل في الباب المعدني البارد، وتفرغ صالة السينما الفارغة بعد العرض الأخير. الرجل موصل البيتزا يغطس في مسبح الفيلا، والأب يعود من عالم الأموات، فيما الرجل العجوز الذي تخلّى عن كل شيء يقود الدراجة النارية مع وعاء الزهر في يده، ويستسلم أخيراً لرقصته المجنونة. كل شيء يستحيل أخضر ولا يبدو أن أحداً يهتم. شوارع تايباي تظهر من وراء عدسة برتقالية، وهو يدوس العظام بحذائه. الألعاب النارية تستمر فوق نهر السين، وهي تستمر تقول بالطريقة نفسها: “ألم تفهم بعد؟ أنا فقط مثل هذا العالم حولك، لا أتغير”. تخلع للحظة حجابها، ويظل القلب الدامي مرمياً فوق الثلج الأبيض النقي. الرجل العجوز النحيف متواجد دائماً في الجوار يراقب، والفتاة الأفريقية في الدكان المزدحم تنحني مرة أخرى فوق سطح الماء. المطر يهطل داخل البيت. وهناك، في مكان ما، من يحصل على الحلوى السحرية وينقذ الفتاة الصغيرة، أما أنا فأقفز فرحاً فوق السرير وترميني دائماً رفاصاته إلى الأعلى. دائماً إلى الأعلى. غريب. هو حينها يكون يريها نقطة وراء الأشجار ويسمع نفسه يقول: “من هناك جئتُ أنا”، ولا تزيد الاستدارات في خصلات شعرها عندها، ولا تقل. الناس في مترو الأنفاق متجمعون، القطار قربهم يمر، وفي الخارج، قبل سنوات، شابلن وجين كلي يدوسان بإصرار في بقع المطر المتجمعة، فيطرطشان كل الفراغ المحيط بهما. الرجل الصغير يتابع حديثه بكلمات مقلوبة، والأمواج تتكسّر على الصخور بينما هم ينتظرون القارب. وصوت ماسحات زجاج السيارات يستمر، فيما الأولاد يسرقون معطف العجوز بعد موته. أما هو، فيغطس إلى الأعماق هناك ليجدها تنتظره. وأنا أبقى أنظر إليها وألاحظ الطريقة التي تصبُّ فيها الشاي لي. أحدس لحظتها أنها ميتة فعلاً، وأتذكّرالطريقة التي ركضت بها في الشارع في ذاك الصباح الباكر، وكيف استدارت ناحيتي وابتسمت وكيف توقف العالم لحظتها. أتذكر وألاحظ كل ذلك، وأعرف أنه أصعب من أن أستطيع تحمله، أصعب من أن أستطيع تحمله.

Lsiten to Li beirut, by Radiodervish

(Vocals: Palestinian Nabil Salameh)

(other streaming audios by Radiodervish)

إنّ أرنباً أبيض يخرج من قبعة الساحر. ولأنه أرنب ضخم، فإنَّ جلسة السحر هذه، ستحتاج إلى مليارات السنين. وكل أطفال البشر يولدون على طرف الشعرات الدقيقة في فروته، مما يجعلهم يدهشون، مباشرةً، من جلسة الشعوذة المستحيلة. ولكنهم يكبرون ويغرقون أكثر في فروة الأرنب. حيث يمكثون، ويشعرون بالراحة بحيث لا يعودون أبداً إلى امتلاك شجاعة تسلق الشعرة.

جوستين غاردر في روايته “عالم صوفي”

يحدث أحياناً أن تنهض في الصباح كَسِلاً، أو مريضاً وتبقى لربع ساعة (أقل أو أكثر قليلاً) في سريرك. تنظر إلى السقف أو إلى فوضى الغرفة، أو تلحظ الغبار الذي التصق باللمبة وشريطها المدلّى من السقف. تفكّر أنك ستمسح هذا الغبار اليوم، ولا تفعل.

وتنهض بعد الوقت ذاك. تنظر خلال خروجك من الغرفة إلى الثياب المكدّسة قوق شنطة السفر (ستضبّها غداً، آمَل). تتركها وتنتقل إلى المطبخ.

تحضّر كوباً من قهوةٍ منزوعة الكافيين. تعود إلى كنبتك (المفضّلة؟ لا لم تقرر بعد). تجلسُ تتفرّج على إعادات رتيبة لحلقات مسلسل رمضاني، أو سيتكوم حفظته غيباً. تضحك أكثر ممّا ضحكْتَ قبلاً، من دون أن تعرف السبب.

يحدث أن تبقى ببيجامتك، وتشعر بثقل رأسك وتتحول عيناك لطابتيْن ثقيلتيْن. (قررت: أنت في بداية مرض، لا كسل.) تحاول أن تقرأ لجوستين غاردر ولا تفلح في تخطي قسم “فروة الأرنب”. الطابتان تزدادان ثقلاً، والرأس يحاط بصوت يشبه أصوات السيارت الهادرة والمارة بالقرب من رجل لا يتحرك: فوووف. فوووف. (هذا، لا شك، رشح قاتل يستولي على مناعة جسمك).

تدع الكتاب، لتنتقل إلى بحث سريع على الانترنت: فتاوى رمضانية. مسلسلات. سوزان تميم. الدويقة. قنابل. انهيار الأسهم. تفاهمات. مصالحات. افطارات. حوار وطني. شتائم غير وطنية (بتاتاً، لكن ملطَّفة قياساً باعوام ثلاثة مرّت).

تفكِّر: هل أنت منهمك داخل الفروة أم تتنقل على أطراف الشعرات البيضاء؟

يحدث بعض الأيام أن تخرج إلى الشرفة بلباس بيجاما قطني الملمس، وتنظر إلى أشجار الصنوبر الخضراء دائماً (التي لم تلتهمها النيران في الصيف الذي ما زال يلفظ أنفاساً أخيرة). تشعر فعلاً بلمسة الهواء الباردة وأنت تلمح الغيوم السوداء القادمة من فوق البحر باتجاه بيروت عشوائية البناء. تقول: اقترب مطر الخريف (أم هذه غيوم مازوت عاظـَمَتْ من أشكال غيوم البحر؟). تضيف متيقناً: ستنتظر الغيوم إلى الغد. هكذا تبوح أشكالها. تشعر بمسام جلدك الناتئة من ريح بدت لكَ باردة، وتسمع أحداً من التلفاز المضاء في الغرفة الجانبية، يتكلم، ويتكلم، ويتكلم..

تدخل وتغلق الباب وراءك. تقف أمام التلفاز. تتنقل بين القنوات التلفزيونية. تنتقي قناةً للطرب، لتجد أم كلثوم تغني عن ربع ساعةٍ أخير في علاقة عاطفية ما، على الأرجح لم تحدث إلا في خيال كاتبها.

ولا يرنُّ خليويُّك.

” كيف تخبرني أنـَّك وحيد وأنَّ الشمس لا تشرق لك؟ دعني أقدْكَ يداً بيد داخل شوارع لندن. سأريكَ شيئاً لأجعلك تغيِّر رأيك.”

من أغنية لـ”رالف ماك تـِلْ”

***

طابق ثانٍ وجناحان

في الطابق الثاني من الباص، تجلس. لحظةَ تعلو، تمتلك عالماً متخلياً وتتضخم لديك المقاييس. تخاف استدارات الباص. تتأكد لثوانٍ أنه سيرتطم بالسيارة القادمة قبل أن يخيب توقعك. وأنتَ في الأعلى، لا تثق بالسائق. لا زلْتَ لا تعرف الكثيرهنا. لا زلْتَ تخطئ وتفتح باب السائق الأمامي الأيمن في سيارة رفيقك. لا زلْتَ تنظر للجهة الخاطئة من الشارع. لا تعرف كيف يبدأ نهارك وكيف ينتهي. لا تعرف حتّى إن حلّ الصيف أو انتهى الشتاء. فالشمس لا زالت حاضرة مع الريح الباردة، والحمام الأوروبي الوقِح يتـَناتـَش بقايا شطيرة في وسط الشارع غير آبه لرذاذٍ صيفيّ، أو لباصٍ قادم إلاّ في اللحظة الأخيرة. الشطيرة تستحق فعلَ المخاطرة إن وُجِدَ الجناحان.

***

عرب في المكان

هنا مساحة لاختلاط أجساد غريبة لا يجمعها إلاّ المكان. السعودي يتحدّث عن فعل التلاعب الموسمي بالأسهم السعودية من أشخاص معروفين بالإسم. الأردني يخبِرُ عن أمه المريضة بالمرض القاتل وعن فقدانه للكثير من شعر مقدمة رأسه وابيضاض جانبيه لحظةَ زارها. أما الفلسطيني، فيستفيض لتأكيد أنّ العلاقات الداخلية الفلسطينية أعقد من التعميم المنصِف، ولا يتوانى عن توزيع الهامبرغر المجاني، دعوات العشاء، دعوات لصالونات الحلاقة، والواقيات الذكرية المجانية لإلهاء طلاب الجامعة عن المحاضرة الإسرائيلية مساء هذا اليوم.

***

اندماج

في مطاعم البيتزا السريعة، ملصقات لتجمعات إسلامية، لحفلات الأناشيد القادمة لعماد رامي، ولحلقات نقاش عن انتشار الأسلحة بين أيدي المراهقين. قرب الملصَقات تمر المحجبات الباكستانيات وهنّ يلبسْنَ “النص كم” ببساطة ويرافقْنَ المنقّبات حتى الجامعات. في الجامعات، المسلمون مجتمعان: سني وشيعي. ينأيان بأنفسهما عن أيّ موقف داعمٍ واضح لأيّ قضية يمكن أن يوسمهم بالإرهاب. يحاولان الاندماج بالمجتمع الانكليزي. ينجحان ببطءٍ مجتمعـَيْن، وينجحان أسرع لمّا ينفصلا.

***

صينيون في مكان بديل

الصينيون في انكلترة. انكلترة كبديل عن مكان لم يصلوه: أميركا. يجهدون في تعلم الانكليزية. ينجحون ويفشلون. أحدهم لا زال يـُشعـِر زميله الانكليزي بأنه يختنق كلما تحدَّث اللغة. أما الانكليزي فلا يزال يخطئ بدوره في توقع عمر مخاطبِه الصيني. تباعاً، تستعيد الذاكرة نظريّة مفادها أنّ الصينيين يتأخـّرون ليهرمون.

***

قلقيلية

المستشفى. يدخل الطبيب. لبانته تسبقه وتخفف من وَطْء بذلته الرسمية على المرضى. يضحك وهو يعلك اللبانة. يسأل عن مكان الولادة. “بيروت”. يبتسم. يقول أنه ذهب إلى إسرائيل وعاش في قلقيلية. “هل تعرف قلقيلية؟”، يسأل. “مكان رائع”، لا ينتظر الإجابة. يود أيضاً الذهاب إلى لبنان وسوريا لولا “الأختام الإسرائيلية على جوازه”. يضيف أن تلك الأختام لم تمنعه من دخول الأردن. ينظر إلى ملف المريض، يضحك ضحكته الرتيبة ويعيد علك لبانته بإصرار ويلتفت قبل أن يرحل قائلاً: “من يدري؟ قد تراني في لبنان قريباً”.

***

بريد إلكتروني

تفتح البريد الالكتروني وتجدُ أنك اخترْتَ لتربح جوائز وهمية من دون أن تعرف. لا يزال بنك أفريقيا الجنوبية يعلمكَ بالمبلغ المليوني الذي ورثته على حين غرّة، أو بالشخص المجهول الذي يحتاج لمساعدة طبيّة عاجلة ويسأل انسانيتكَ أن تمنحه إياها. لا تزال حتّى تتلقى إعلان القوات اللبنانية الالكتروني الذي يزدان بصورة لراقصة تركية يدعونَك فيه لليلة “شرقية” راقصة في تولوز بجنوب فرنسا.

***

في حقيبة واحدة

تـُترَك أنفاق المشاة المنخفضة عن الأرض لمن يطأها بلا أدنى اهتمام. تهمَل لترقدَ فيها روائح غريبة من بول الكلاب وعرق عمل النهار، فتعرِّف هويتها. يجلس الشحاذ في باحة تقاطع الأنفاق على المقعد الحجري. لا يتكلم. لا يستجدي. يقرأ فقط في كتاب بلـِّلَتْ صفحاته ثم تركت وحدها لتجف فتعاظم حجمها. وصل الآن إلى الصفحات الأخيرة. يرفع نظره لحظةَ يترك أحدهم قطعة معدنية واحدة أو اثنتين. يشكره. يتابع القراءة للحظات ثم ينبِّش عن شيء ما في حقيبته البنـّيّة الرثـّة. هو يحمل بيته في حقيبة واحدة.

***

سُكْرٌ يتقيّد بالإشارات الضوئية

ليل نهاية الأسبوع. تكاد السيارة أن تدهس قاطع الطريق غير الآبه للإشارات الضوئية. يتراجع في اللحظة المناسبة، يزفر تنهيدة النجاة. تقترب إحدى الفتيات التي خرجت للتو من سهرة نهاية أسبوعها.

“أنظر إلى الإشارات الضوئية. أنظر! تأتون من آخر العالم ولاتفقهون معنى الإشارات. لم تنظر إليّ هكذا؟ هل تظنّ أنني سكرانة. مخطئ. مخطئ ومعتوه أيضاً.”

تعود إلى رفيقاتها. يبتعدْنَ وهي تكمل بترنّح: “الغبي يظنني مخمورة.”

***

رحيل

لحظة الرحيل يعاد بناء ما تراكـَم، ويتم تجميع ما تبعثر. لا يُشعَر بالمكان إلاّ عندما يـُترَك. تتضخم المقاييس للحظة كما في الطابق الثاني للباص، وتقفز للعين تفاصيل صغيرة ليسَتْ جديدة لكنّها لا تفقد طزاجتها وكأنّها خبِّئَت للحظات الأخيرة. يهطل الرذاذ دائماً بلا إعلان مسبق. في مدن بريطانيا الشتويـّةِ الصّفة أيام الصيف، “يحمل المطر قليلاً من الشفقة والمواساة لبطل منسيّ آخر وعالم لا يكترث”. تختم الأغنية.

يجلس بملابسه الداخلية وحيداً في زاوية من غرفته المظلمة. ضوى برق كهربائي منذ لحظات. كان عائداً لينهي نهاره كما دائماً في عزلته الاختيارية. لمس بأصابعه المتعبة أزرار الكهرباء فلمع الطرف الأيمن من الغرفة ثم حلّ الظلام. وجدها فرصة ليزيد من اعتكافه الاجتماعي. خلع ملابسه، أدار التدفئة الحرارية، ثم جلس هناك. صمت لثوانٍ، لدقائق. تنهد. قام ونظر إلى الرفوف الخشبية. ألبوم الصور مستقر إلى اليسار. كادت يده تمتد لترفعه من مكانه لكنها تضامنت مع خياره المازوشي. تذكر أيضاً أن يطفئ المحمول. ثم عاد إلى كرسيه المدفّأ.

نظر إلى السقف. اكتشف أنه يحب أسقف البيوت خاصةً في الظلام. ترسم عيناه هناك أشياءً حدثت أو لم.. تحدث. أشياء صغيرة تحرك “الستاتيكو” الآني. تذكّر أنها ليست المرة الأولى التي ينظر فيها إلى الأسقف. كثيراً ما كان يستلقي في سريره لينام فينتهي به الأمر ناظراً إلى فوق ومتأملاً. تشخص عيناه للحظات ثم يثقل جفناه ويروح في نوم عميق.

يستذكر جدته. تقسِّم مراحل حياتها بحسب الأحداث السياسية الأشهر. لا تعلم متى ولدت. تعلم أنها شهدت في صغرها المجاعة وتعرفت إلى الجراد. بعدها سمعت في مراهقتها أن رجالاً حبسوا في قلعة ما وأن الفوضى عمّت فجأة ثم استتب الوضع وعاد الناس ليترحموا على “الفرنساويي” ثم دبت ثورة أخرى ثم أخمدت وفي أثناء ذلك ظهر ذلك الكاريزماتي التي أحبته. ثم كادت تتزوج من آخر لكن تنحي الكاريزماتي وامتداد “الجـَفـْلة” إلى شوارع بيروت لم يكتفِ فقط بإرجاء زواجها لأيام بل قدم لها زوجاً بجبهةٍ جريحة من فعل ضرب الرأس بالحائط. قدم لها بداية بائسة لزواج. كرهت لحظتها ذلك الكاريزماتي الآتي / الباقي / المتنحي / العائد. ثم عادت فأحبته يوم رحل. وكيف لا تحب الراحلين لحظة رحيلهم؟

التفتت إلى زواجها فجربت أن تحمل ولم تنجح. ولما حملت أسقطت الجنين مرة ومرتين وثلاث. وذات مرة، ذهبت إلى الشاطئ القريب من بيتها الجنوبي وجعلت تغسل ملاءات السرير البيضاء فاستحال زبد البحر أحمر. فجلست تبكي ولم تحاول مرة أخرى. إختارت أن تعتني بأولاد زوجها وتفننت في زرع قصب السكر في حديقتها الصغيرة. ثم ظهر شخص أسمر آخر يشد على الحروف المنطوقة ويتهدّج بإيمان كلما خطب. قيل بعدها أنه ذهب إلى قيـّمي اللا مكان بـ”شجاعة”. “شجاعة” امتدت معه إلى خطاب كلـَّفها الطبخة المحروقة الأولى ونظرة العتب الأولى من زوجها أبي اولاده.

وماذا بعد؟ احترقت الطبخة وخرجت القضية المطرودة من بلد لبلد لتستقر هنا ثم اشتعل حريق آخر قريباً منها. وبات غصن الزيتون مركوناً قرب الكلاشينكوف وظل ناس القضية يأكلون الصعتر الطيب ولا شيء غير الصعتر. ثم قتل الأسمر المؤمن ودخل الجنود الآتين من لا مكانهم الأراضي المحيطة بها. كانوا كثر. بعضهم جهد في تكلم العربية فخرجت من فاهه هجينة لئيمة. استعارت جدته لئمهم ولم تمتنع عن أداء دور مربية أولاد الزوج. هكذا كانت تردح لجنود اللا مكان لحظة يطأون سقف دارها أو يسرقون قصب السكر من حديقتها.

وكان أن اختفى ابن زوجها ليظهر في صفوف حركة شارعية اسلامية تجاهد ضد نصارى ما بعد المتحف. ثم أدار ظهره للنصارى وانهمك في قتاله ضد الشيعة وقـُزِّمـَت هوية الحركة من الإسلامية للسنية. لحظتها، لم تكن جدته لتكترث بالمشاريع الإعمارية المعلقة الطائرة بين دول القرار والتي تريد بناء البلد قبل أن ينتهي فعل الخراب فيه. نزلت إلى بيروت لتعيد ابن زوجها وهو كذلك فعل لكنه كان قليل الهمة بعكسها. وجدت ابنـ”ـها” قد بدّل الحركة ولم يبدّل السلاح، ولم تفلح في إعادته. استمرت لسنوات قبل أن يتوقف كل شيء فجأة كأن شيئاً لم يكن.

عاد إليها ابن زوجها سليماً لكن محبطاً وعاطلاً عن العمل. وبدأت سنوات اللا زمان واللا مكان. مهّد لها أحدهم وقد أصبح بعدها شهيداً على الشاشات الجديدة الإخبارية التي ستدمنها في آخر أيامها مقعدة بسرطان العظم. اختلطت عليها الأمور بادئ ذي بدء مع بداية سنوات الرماد: ابن زوجها مصاب يقضي أيامه في المنزل كئيباً، وأحد “الشهداء” المستقبليين يترك قيـِّمي اللا مكان ويستدير ليبدأ أم معاركه في الجهة الأخرى، أما غصن الزيتون فقد عاد من منفاه كئيباً كما لم يكن من قبل مصاباً بطفيليات نادرة. وعادت القضية المطرودة لتنام في أحضان قيـِّمي اللا مكان، فتضخمت جيوب البعض كما خلال سنوات الخراب. أما الشعب فبقي مطروداً يعيش على الصعتر.

ثم ماذا؟ أضاعت جدته هنا “التـَوْرَخـَة”. تقول أن سكوناً حلَّ قطعه جنازات واغتيالات بدت لها عادية قياساً بما مرّت به. لحظة تملك منها ذلك المرض وتم نقلها إلى المستشفى، طلبت من سائقي عربة الإسعاف أن يتوقفوا في البقعة الجديدة المعاد إعمارها ويخرجوها قليلاً لتنظر فقط. عبثاً كانت تفتش عن شوارع شعبية كانت تتسوق فيها قبل اندلاع الحرب. قالت أن المكان بات غريباً عليها ثم أضافت أن لا مشكلة فهي ذاهبة وربما يتواءم من هو أصغر منها معه. عادت إلى سيارة الإسعاف واتجهت إلى غرفة ستقضي فيها بقية عمرها. هناك، ستعيد عقد الصداقة مع التلفاز الذي هجرته منذ سنوات الخراب.

في الشاشة سيسقط البرجان. في الشاشة ستتعرف إلى الملتحين. في الشاشة، ستتعرف على الغبي صاحب الحركات “الوجهيّة” الغريبة. هناك، سيُحاصر صاحب زيتون الشاشة المقلوع عنوةً.. ثم يموت أيضاً.. في الشاشة. ثم تنام لتصحو على هزّة. تسألهم عمّا حدث فيقال أنه انفجار، فلا تكترث قبل أن تشاهد الشاشة، ثم تصدق. ترى الأرض المحروقة وتبدأ أيامها الأخيرة لتتحول الشاشة بعدها واحةً لأناس كرهتهم في السابق فعادوا وطلوا أمامها وكأنهم لا يريدون تركها تهنأ بأيامها الأخيرة.

تختلط عليها الأمور، البعض يتحدث عن “أولاً” و”آخراً”، تنظر إلى السقف تستذكر صديق أمسياتها الحربيـّة رياض شرارة وتبتسم. ثم تغلق عينيها، وتبتسم. ثم تسمع أزيز الطائرات، فــ.. تبتسم. ثم تـُبنى كاريزما شخص آخر، ولا تملك إلا أن.. تبتسم.

وهو أيضاً. ينظر الآن إلى السقف الأسود (لعله السقف ذاته؟)، ويتهدل جفناه. ينتقل بملابسه الداخلية – التي قد تبدو غريبة لجدته – إلى سريره. يستلقي كعادته هناك ثم يعيد النظر فيراها تبتسم فوق وتنتهك بكل محبة عزلته.

ثم يغلق عينيه، وينتظر أن يأتيه يوم ينظر فيه إلى الشاشة و.. يبتسم.

صاحب السحنة السمراء يخرج سريعاً من بيته متجهاً إلى عمله. ينسى إطفاء التلفاز. جيفارا البديري تتلو رسالة الصباح. يصعد الباص. ينظر إليه السائق نظرةً غريبة ثم يتأمل بطاقته لدقيقة قبل أن يسمح له بالصعود. ما هَمّ. البارحة، وجدوا قنبلة تحت أحد مقاعد محطة الباصات وسحنته باتت دليل شبهة.

صاحب السحنة السمراء يشعر بكآبة مزمنة، ينتظر نهار عمله أن ينتهي كي يعود إلى بيته سالماً. يمر في أحد الشوارع فيتذكر “مار الياس” وذلك المحل “الآرتيزانا” الذي كان يقف أمام واجهته ويقول:
“من هنا سأشتري لها أول هدية معلنة بعد طوفان الهدايا المجهولة التي وصلت عتبة بيتها. بس لو تقبل.”

هي لم تقبل ومحل “الآرتيزانا” لم يغلق أبوابه كما في نهاية فيلم رومانسي رتيب. ازدانت واجهته ببضائع جديدة واحتلّت عشبة الماريجوانا تطريزات معظم الحقائب المعروضة.

ما هذه الرائحة؟ تبدو كرائحة “الآرتيزانا” التي صمدت تحت حصار لم ينته. أين هي الآن ،يسأل. يهرع لكتابة رسالة الكترونية لصديقتها. تقول له أنها ما زالت هناك مع صاحبها القذر. يعاملها باستخفاف كما دائماً وهي ما زالت تحبه في علاقة أشبه ما يكون بالآرتيزانا الرتيبة.

يمسح وجهه براحتي كفيه وينظر إلى ما ظهر من انعكاس وجهه على شاشة الكمبيوتر السوداء. لـَمْ ينتبه لسحنته قبل ذلك. كان يعيش بين آخرين يشبهونه. هنا بدا نافراً،غريباً. هنا بات وحيداً.

يمر بساحة فيتذكر وسط بيروت. هنا مسرح وتلك سينما. ينتبه أن المسرح والسينما لم يكونا يوماً جزءاً من هوية وسط بيروت الجديدة. لا مسرح ولا سينما هناك. فقط شظايا تظاهرات ثقافية من حينٍ لآخر في خطوةٍ أشبه برشوى من البنائين لمرتادي الساحة. السياحة الجديدة تعني جنس وأكل. الجديد ليس بثقافة خشبية. براغماتيةٌ هذه السياحة لدرجة مستفزة. تغيـِّر لونها الثقافي بتغير الأحداث.

يكمل طريقه ويمر قرب صالون تجميل. يدخل . يحتاج لإعادة تأهيل تخفي شبهة سحنته السمراء.

ينظر إلى المرآة بعد محاولة إعادة التأهيل. لا يعرف نفسه. ينقد العامل مبلغاً ويخرج. يجتاز الشارع إلى محطة الباص. يفاجأ بسمرٍ آخرين فعلوا مثله وأعادوا تأهيل انفسهم. ينظر إلى أحدهم ويتذكر أنه رأى هذا المظهر قبل دقائق خمس في مرآة ما.

يصل الباص. يصعد الباص. يعيد السائق التفرس في ملامحه. يدخل ويجلس قرب النافذة.
لـِمَ قالت لا؟ يعيد نبش أوراق زمن مر. يعيد إيهام نفسه أن الفرصة ما زالت سانحة.

يتوقف الباص وتصعد عجوز تأبى أن تتكلم إلا بصوت مرتفع.
لـِمَ جنّ عند معرفته بقصفٍ طال محيط بيتها الجديد؟ لـِمَ ما زال يفكر فيها أساساً؟ ما هذا الهراء الفكري الذي يلفّه هذه الأيام؟

يتوقف الباص ويصعد مراهق يعلن مثليةً صريحةً تؤكدها ملابسه وحركاته.
لـِمَ يفتقد الصراحة مع أسراره الدفينة. لـِمَ يصر على عدم إشراكها مع أحد؟ أَلـِيَحتفظ بأملٍ هو أبعد ما يكون عن المنال؟

يتوقف الباص ويصعد طفل وامرأة. الطفل يبتسم بسبب وبلا أي سبب في وجهه.
لـِمَ ينظر إليه الطفل ويبتسم. من أين يأتي بتلك الإبتسامة؟

ما همّ. عليه ان يعالج تداعيات اكتئابٍ بدأ. العلاج كما تربى عليه يتمثل بتأجيل الموضوع كما دائماً وفي حالات متطرفة يبدو اللجوء إلى البتر الاحمال الأنجع. لِيـَكن صريحاً مع ذاته: لـِمَ يجلد نفسه إذا كانت الخاتمة المفترضة تقول أنه سيعود إلى هناك ويحظى بـ “عذراء” انتقتها له أمه؟

يصل بيته. ينظر إلى المرآة. يدخل الحمام ويزيل مظهره الجديد كـَمـَنْ ينتقم من لحظة ضعف. يستلقي على سريره وحيداً كما دائماً .

في التلفاز، جيفارا البديري كما تركها عند خروجه: تقف ببذتها العسكرية وتعلن بصوتها المخنوق آخر الأخبار من أرض الحلم.
جميلةٌ هي جيفارا البديري وغريبٌ هو صوتها. تماماً كغرابة اسم جيفارا لامرأة.

الصفحة التالية »