خريطة المقابر الجماعية

خريطة المقابر الجماعية

بئر الجية وثلاثة آبار أخرى

«حضرت إلى المنطقة دورية من مخفر قوى الأمن الداخلي وعناصر أمنية من الحزب التقدمي الاشتراكي وحركة أمل، وجرت اتصالات عبر قوى الأمن لإرسال فرق من الدفاع المدني لانتشال الجثث، وطال الانتظار دون وصول العناصر المطلوبة. بعد ذلك تبرع أحد المقاتلين بالنزول الى داخل البئر، وعمل على جمع الهياكل العظمية والجثث المهترئة في حرامات وتم انتشالها بواسطة الحبال، ولم يكن ممكناً فرز الهياكل العظمية التي تحولت الى عظام منفصلة، فيما جرى جمع الجماجم لوحدها للتمكن من إحصاء الضحايا. وبلغ عدد الجماجم المنتشلة 20 جمجمة. كذلك عثر المقاتلون في بلدة المغيرية على عدد غير محدد من الجثث الملقاة في 3 آبار في بلدة الجميلية وشوهدت الجثث وبعض الثياب البالية والأحذية، عائمة على الماء داخل الآبار»

(..)

..كما تبيّن أن عروسًا أحرقت بثوب الزفاف.

+++

مجدل عنجر

«روى مختار مجل عنجر شعبان العجمي والمسؤول عن الوقف الاسلامي: “في عام 1999 اتخذت دائرة الأوقاف الاسلامية قراراً بتجميل الموقع وشاهدنا تراباً يختلف عن التراب الموجود في التل ثم عثرنا على حوالي 25 جمجمة لرجال بالغين ثم اعدنا دفن الجماجم والعظام التي ظهرت وعثرنا على هيكل عظمي مكبل اليدين وما زالت بعض اللحوم بادية على جمجمته، وهيكل عظمي يرتدي بنطلوناً عسكرياً فأخبرت احد الضباط اللبنانيين ونصحني بكتم المعلومات…”»

++++

طرابلس (أبو سمرا): عظام عند مدخل القلعة.

«عثر عمّال تابعين لمديرية الآثار على مقبرة تحوي 4 جماجم وعظام متحللة أثناء قيامهم بالحفر أمس في منطقة أبي سمرا، عند مدخل قلعة طرابلس».

+++

عظام دير الشبانية: حيوانات نافقة أم مقبرة جماعية؟

«في ساحة البلدة، توقف الزوار أمام الكنيسة يسألون ويستفسرون. سريعاً يصل نايف الأعور وهو سائق جرافة المقبرة. يقول الأعور “رأيت أكياس نايلون تحوي جثثاً لحوالى 27 شخصاً ممددة ومصفوفة بانتظام وغير ذلك لا كلام عندي»

+++

كيف أماتت “الدولة” المخطوفين والمفقودين في تقرير من ثلاث صفحات:

 تقرير لجنة التحقيق للاستقصاء عن مصير المفقودين والمخطوفين

تقرير لجنة التحقيق للاستقصاء عن مصير المفقودين والمخطوفين

التقرير كاملًا على:

 http://www.memoryatwork.org/public/uploads/files/massgraves-doc-officialreport-20000725.pdf 

مصدر المقتطفات: http://www.memoryatwork.org

عزيزي السيد ضرغام،

وقعتُ صدفةً على الإعلان الذي نشرتَه في جريدة النهار.

لليالٍ ثلاث، أقامت السيدة جانيت الخوري، حرمك، في الفندق الصغير الذي أعمل فيه والكائن في منطقة الأشرفية. لا أعرف إن كانت السيدة نفسها هذه هي زوجتك (مرفق مع الإيميل صورة عن الباسبور طبعتها من نظام الكمبيوتر ). لكني أذكر أنها لم تكن تلبس وشاحًا صوفيًا أصفر لم تتخلّ عنه طيلة فترة إقامتها. لا أتذكر كثيرًا من تفاصيل ملابسها، لكني أذكر أيضًا أنها لم تكن تلبس البناطيل إطلاقاً. حافظت على ارتدائها للتنانير الطويلة الغامقة طيلة إقامتها. لا أعرف إن كانت معلومات كهذه تعني لك شيئاً أو تؤكّد أكثر هوية زوجتك.

ولقد أتيح لي أن أتبادل طراف الحديث معها في المطعم الكائن على سطح الأوتيل. فقد لفتني شرودها منذ اللحظة التي دخلت فيها المكان لتستأجر غرفة لثلاث ليالٍ. أذكر أنها في اليوم الأول، جلسَتْ في ساحة الاستقبال وحيدة، تحديدًا إلى طاولة قريبة من النافذة، وأخذت تحدق في مشاة الشارع طيلة الوقت.

في اليوم التالي، كعادتي بعد انتهائي من عملي، صعدت إلى بار الفندق في الطابق الأخير من المبنى لأشرب مشروبي الكحولي اليومي قبل عودتي إلى المنزل، وهناك وجدتها مرتديةً الشال الصوفي ذاته.

بعد أن طلبت مشروبي المعتاد، اقتربت منها، وسألتُها إن كانت بخير، فقد بدت لي منهكة. قالت لي السيدة جانيت إنها تعبة. جسمها كله يوجعها، قالت. ثمّ قبل أن تستطرد أكثر عن أوجاع جسمها، انتقلت لتتحدث في تفاصيل غريبة عن القمر. قالت إنها عندما تشعر بالحزن الشديد تبحث عن القمر ثم تنظر إليه، وإنها اعتادت ذلك منذ صغرها. أضافت أنها ترى أشياء مرسومة على سطحه، وكان أن أشارت إليها بالبنان، وسألتني إن كنتُ أراها، والحال إنّي لم أرد أن أحرجها فأجبتها بالإيجاب. ثم بعد أن أخذت تشرح الرسوم بشكل غريب لم أفقهه، عادت وشددت أنها تشعر بالارتياح الثابت أيضًا عند النظر للقمر، فالارتياح الثابت لا يتعارض على الإطلاق مع الإغراق المفاجئ في الحزن. وقبل أن تشرح لي ما تعنيه، وجدتُها تنهي حديثها فجأة، ثمّ استأذنت مني من دون أن تسألني شيئًا عن هويتي، وخرجت من المطعم باتجاه المصعد، عائدةً على الأرجح إلى غرفتها.

للأسف، في اليوم الثالث، كنتُ مريضاً طريح الفراش (فقد أغرقت في الشراب) ولم أداوم في الأوتيل، وعندما عدتُ في اليوم الرابع، تفقدت حالة الغرفة التي كانت السيدة جانيت قد سكنتها في الأيام الثلاثة الماضية، فوجدتُها مستأجرة من قبل آخرين، وحين نظرتُ في نظام الكمبيوتر، تأكدت أنها تركت الأوتيل في اليوم الثالث.

عزيزي السيد ضرغام، هذا كل ما أعرفه. أرجو التواصل معي عوضًا عن التواصل مع إدارة الفندق، كي لا أقع في مشاكل أنا في غنى عنها.

ملاحظة: لا أرسل لك هذه المعلومات من أجل الجائزة، فأنا مرتاح ماديًا، بل من أجل جمعك بزوجتك، لسبب أنا نفسي لا أفهمه، قد يكون السبب هو نفسه الذي دعاني إلى ملاحظة حزن زوجتك الدفين، وارتكاب ذاك الحديث على سطح الفندق، ولعله السبب نفسه الذي جعلني أستفيض في بعض من التفاصيل أعلاه، قد لا تهمّك الآن.

بانتظار ردك.

- مقتطف من الرواية الجديدة (قيد الكتابة)

رأت سمكًا في بطنها.

كانت جالسة. عندما نظرت رنا، وجدت بطنها شفافًا. مملوءًا بالأسماك. أسماك ذهبية صغيرة. لم تندهش لهذه الرؤية. كأنها كانت تعرف، أو كأنّها رأتْ السمك من قبل. لمّا تفحصت جلستها أكثر، اكتشفت أنها جالسة على حصاة كبيرة. أنها في الماء، وأنها تتنفس بلا جهد. عندما فتحت فمها، لم يدخله الماء. لم يكن بطنها فقط شفافًا. كان جسمها كله. نظرت حولها، وتابعت بعينيها سربًا من أسماك مختلفة الأنواع يسبح بألفة. مدت يدها ناحيته لتلمسه فلم تستطع أن تصل إليه.

عادت بنظرها إلى بطنها. وضعت كفيها عليه. ضغطت برفق. خرجت سمكتان ذهبيّتان منه وصعدتا ثم وقفتا قبالة وجهها، قبل أن تغادرا مبتعدتين. ضغطت أكثر، صعدت أسماك أكثر. ثم من دون أن تكمل الضغط، خرج السمك كله وأحاطت بها حاجبًا عنها الرؤية، ثم لم يمضِ وقت طويل قبل أن يحملها السرب ويمشي بها.

تكلّمت رنا. أو حاولت أن تتكلم. لكنّها لم تكن قادرة على سماع صوتها. كان صوتها يضيع قبل أن يحدث.

نظرت أمامها فلم تجد إلا الماء.

ظنّت أنها في المحيط.

لم تعرف أنها في أكواريوم.

- مقتطف من الرواية الجديدة (قيد الكتابة)

Beirut limb invite

limbo coverالرسم لجورج عزمي

/مقطع صوتي من فصل “شبكة سلوى” من رواية “ليمبو بيروت” – صوت وإعداد: ريتا خوري/

 

 “تدعوكم دار التنوير لحضور حفل توقيع رواية “ليمبو بيروت

ل هلال شومان

(مع جنى طرابلسي وفادي عادلة)

يوم الجمعة في 14 كانون الأول 2012
في جناح الدار بمعرض بيروت الدولي للكتاب
Biel

من الخامسة حتى التاسعة مساءً

(تحتوي الرواية على رسوم لفنانين عرب هم: جنى طرابلسي، فادي عادلة، براق ريما، محمد جابر، وجورج عزمي)

(( مشروع بالدعم من آفاق (الصندوق العربي للثقافة والفنون)

صفحة الإيفنت على فايسبوك: https://www.facebook.com/events/107113652790373

***

صفحة الكتاب على موقع فايسبوك: https://www.facebook.com/BeirutLimbo 

صفحة الكتاب على موقع غود ريدز: http://www.goodreads.com/book/show/16070287

“الجثث الميتة”. توقفتُ لحظة وأنا أنظر إلى هذا اللفظ. هل من جثث ليست ميتة؟ نعم. لديّ نظرية في هذا الصدد. هناك جثث غير ميتة. الجثث التي لا تشعرك بإمكانية حملها لقصّة هي جثث ميتة. البشر يختلفون حتى في موتهم. هناك منهم من  هو خافت الإضاءة، وهناك من يسطع حتى وهو بلا روح.

 كم من الجثث وصلت في اليوم الأول؟ لم تكن  كثيرة. توزّعت على مستشفيات عدة في المنطقة. لكنّ جثة واحدة من هذه الجثث كانت بألف جثة. الجثة التي تأتي مخروقة برصاصة أو إثر حادث غير متوقّع مختلفة عن جثث الذين ماتوا بأزمة قلبية أو في عملية أو حتى بالسرطان. في حالات السرطان، وهي حالات قليلة لم أشهد الكثير منها، تكون الجثة قد وصلت نهايتها هزيلة وتعبة، وبلون يفتقد اللون. الجثّة التي تأتيك بعد عملية، تكون مقطّبة، نعم. مشوّهة، لكن أُحسِن توليفها من جديد، وقدومها قد يكون منتظرًا ضمن نسبة أعداد موتى العمليات. أمّا الجثّة التي تأتي ميتة إلى المستشفى إثر حادث عنف فتكون مختلفة. لم تأتِ فقط في غير موعدها كما سائر الموتى. أتت في غير موعدها وأتت بقصّة. أتت باستثناء. ربّما يكمن اختلافها في أنّ قدومها غير منتظر، واستثنائي؟ على الأقلّ في العام الذي نحن فيه. لا أعرف. لا أعرف إن كان منطقي محكمًا، ونظريّتي مقنعة. ليس مهمًّا. استقبال الأشياء وفهمها هو شخصانيّة مطلقة. هكذا أرى، وهكذا أعتقد، وهكذا أنا أكيد. لا أعرف كيف كان الوضع ليكون في الحرب الأهلية الماضية. هل كانت الجثة المخروقة بالرصاص لتفارق الاستثناء؟ هل كانت لتفقد قصّتها بسبب لا استثنائيتها؟

من رواية “ليمبو بيروت” | تصدر قريباً

شمع العسل

تعمل ليلاً في شركة يعمل موظفوها فيها نهاراً. الضوء ملقىً فقط فوق مكعبك، وكل ما حولك مظلم. ناطحات دبي في الخارج تتوهج بالشبابيك المضاءة كخلايا سداسية في قطع من شمع العسل. ولما تقف لتمشي في الأروقة تضيء لك مجسّات السقف الضوئية الممر أمامك، لمبة إثر أخرى. لا تنتظرها لتضيء، ولا تسرع قبل أن تشعر بك. إيقاعاكما متناغمان. إنه وهم الحداثة محتفياً بك في ليلة أخرى، تستمتع به إلى آخر لمبة تنطفئ وراءك، وأنت تبتعد.

وقت مستقطَع

الكافيتريا. تقف أمام الماكينة. تضغط على “شوكو ميلك”. الأضواء في الخارج تصل الزجاج ثم تتكسر. لا تعود متحققة. كأن المكان محظور عليها. شيء ما مرتبك. ليس فقط الضوء مختلف في الخارج عن الداخل. الصوت أيضاً. هل جربت الاستماع إلى صوت البرادات؟ صوت ماكينات القهوة؟ صوت خطواتك على الأرض؟ تكتكة المجسات الضوئية فوقك؟ الطرق السريعة أيضاً تأتي مع أصواتها الخاصة. أنت تنتبه لكل هذه الأصوات والأضواء كلما كتمت الشيء في داخلك أكثر. كلما لكمته محاولاً إرساله إلى عمق لا تستطيع أن تدركه. وأنت تنتبه لأنك عرّفت الوقت، وقلت منذ اللحظة الأولى التي خطوتَ فيها داخل هذه القاعة الفارغة أنه مجرد وقت مستقطع بين انهماكين. قلت لنفسك: “لأبدأ الانتباه إذًا”. وأنت أيضاً استقطعت من وقتك المستقطع، وانتبهتَ لهذه الفكرة للتو.

1:00 صباحاً

الخطوط البيضاء المقطّعة على الأرض تتصل، ثم تنقطع من جديد. للحظة، تعدو السيارات جميعها بالسرعة نفسها، وتختفي العربات المتمردة. جوليا روبرتس تشرف على الجميع بابتسامة في الواجهة الإعلانية: “الحياة حلوة”. القطار المعلق يمشي على السكة ثم يدخل محطة الوقوف المصممة من المعدن والزجاج. الضباب يغير من لون الليل، فيترك رؤوس المباني تسبح بين السحاب وتومض بالبرق. “لحظات تَ يخفف زعل”، ينتقي “الآي-فون” بعشوائية. نهار جديد بدأ للتو على طريق “الشيخ زايد”، مصحوباً بالأغنية نفسها، المنتقاة دائماً بعشوائية. سأسمّيها، بالعشوائية المفرطة نفسها، أغنية الواحدة صباحًا.

خطوط المسّاحات

الأبراج واطئة عوجاء. تكاد تنحني فوق البحيرة الاصطناعية لتشرب ثم تنهض. كيف جمّعوا الماء هنا؟ كيف رموه؟ كيف كان وكيف أصبح؟ الأبراج لا ترى بعضها. الرطوبة تحجب عنها معرفة كهذه. الأبراج تبقى واقفة وحيدة. الخطوط التي صنعتها مساحات الزجاج الأمامي لسيارتك، بعد استخدام مُرمِل خاطئ، لم ينجح أي غسيل محطة بعد بإزالته. الخطوط صنعت حدودها وبقيت. الخطوط، ربّما، لن تُمحى.
قبل أسابيع، علقت سيارتك في الرمل. نزلتَ لتجد الدواليب مطمورة بالرمل. ظهر رجل من لا مكان، ودون أن تقول له شيئًا، أخذ يدفع السيارة ويرشدك بيديه أن تضغط على دواسة الوقود، أو أن تغير من اتجاه الدواليب. عندما أخرجك، مددت يدك إليه ببعض الدراهم، وأخذها بكل اعتياد.

تتعود على هذه الحركة. يساعدونك، فتمد يدك إلى جيبك. يحملون لك الأكياس، فتمد يدك إلى جيبك. يفعلون لك أي شيء فتمد يدك إلى جيبك. حتى إنك لو قررتَ، في لحظة صفاء، أن تتوقف عن طلب مساعدتهم، تصبح في نظرهم، ونظر نفسك، شريراً. أنت تهشّم “السيستم”. نظرة واحدة منهم تجعلك تمد يدك ثانيةً إلى جيبك. ثم تصير تزايد على التعرفة المعتادة، فأنت تظنّ أنك بذلك تصير إنسانًا جيّدًا أكثر. أنت قُدّر لك أن تحيا في عائلة متوسطة الحال، وتحمل معك كل ذنوب الطبقة الوسطى، وتشعر أنك بحاجة دائمة أن تمد يدك إلى جيبك. حتى إنهم عندما يستخدمون كلمة “مستر”، ستضطر أن تكثر من استخدام “ثانك يو”، مردفةً بـ”ثانك يو فيري ماتش”، بحسب بشاشة وجوههم. لا يمكنك أن تقنعهم بأن لا يستخدموا “مستر”. هذا سيكلفك العناء والوقت من غير جدوى، وأنت لستَ في مسلسل “رحلة أبو العلا البشري”.

الأبراج علب مستطيلة تقف مقسمة بالشبابيك. الشبابيك تصير أضواء في الليل. تلك المعتمة منها لا تراها، لكنك تعرف أنها هناك. تقدّر أماكن الشبابيك المعتمة برؤيتك لأماكن الشبابيك المضاءة المتفرقة. هذه تدلك إلى تلك. الأبراج قد تلمحها واطئة، لكن الرمل لا يتحرك تحتها، حتى أنك لم ترَ أحدًا يدوس على رمل غير الشطآن حافيًا، وهذا تظنه غريباً في بلد يحفل بالرمال. الرمل يطير فقط في الهواء، يجبرك أحيانًا على إغماض عينيك، ويحدد خطوط المساحات على زجاج سيارتك الأمامي للأبد.

(دبي)

 

+++
نشرَ هذا النص في شباب السفير

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 4,793 other followers