*بمناسبة الحديث عن سوريا*


يقع فريقان ينظُران للحراكات الشعبية في الدول العربية في خطأ مماثل. ففيما يعتقد فريق أول أن النهايات السعيدة آتية لا محالة تواً بعد الانتخابات مثلاً، يغرق فريق ثانِ في مازوشية سلبية تجعل موقفه يقارب دعم النظام، وهو موقف يبنيه هذا الفريق اعتماداً على عدائيته لأحداث الغيب أكثر من عدائيته لأحداث الماضي القديم والقريب الممتد حتى الآن. الموقفان يؤمنان بحتمية الحدث الاوتوماتيكي، بكبسة الزر.

هناك فريق ثالث يعرف أن المرحلة التالية لا تعدو كونها مرحلة اكتشاف.

أطبقت الأنظمة على الرقاب لأربعين سنة أو أقل قليلاً. أوقفت الفكرة في حضور الشخص. حرمت مواطنيها من متعة اكتشاف ما حولهم. لم تترك لهم شيئاً ليكتشفوه. لقد صدَّرت لهم كل شيء بشكل موضب. فما هو معلن معلن، وسيتم اجترار كل الفاظه ومصطلحاته في السنوات العشر الأولى من الحكم الحديدي. أما ما هو مبهم ويتعلق بدواخل النظام، أو بالهوية الثقافية والدينية وربما الإثنية للمجتمع، فلا ينبغي لك معرفته.

هاكم إذاً احتمالات أحداث قد لا تودون رؤيتها قادمة، لكنها قد تحدث: لا شيء يحصل بكبسة زر. لن يختفي الفلول والشبيحة في يوم وليلة. بعض الدول ستدخل في الفوضى لأكثر من عام. ستفتعل أنظمة حروباً أهلية قد تطول. هناك دول ستخوص صراعات طائفية بل مذهبية. هناك إثنيات ستطالب بحقوقها وقد لا تحصل عليها تواً في المراحل الانتقالية.

يستثنى من هذا، أنصار الأنظمة الصريحين. هؤلاء يكونون فريقاُ يبقى مستلباً ووفياً في استلابه لحرب النظام الكونية. الحرب مع هذا الفريق تبدأ معه من فوق، لا من تحت. الحرب عندهم ضجة. مصطلحات ضخمة، اذا ما هبطت على الأرض خلفت وراءها غباراً عظماً يعمي العيون. الجماعة لدى هذا الفريق نسيج صلب ليس من المهم معرفة مكوناته. بطبيعة الحال لا يهتم هؤلاء بحال الأفراد في الجماعة، ولا بمتعة اكتشاف المجتمعات التي تعيش فيها جماعاتهم، على الأقل ليوظفوا ذلك في حربهم. فالحرب الكونية أخاذة بما فيه الكفاية ليبدو معها اكتشاف المجتمعات تفصيلاً سخيفاً وهامشياً وصوتاً يعلو فوق صوت حرب وهي تستحيل معركة وحيدة: معركة بقاء.

لكن حالة الانضباط السابقة التي فرضها النظام سرعان ما قد تزول، سيعلق هؤلاء في دوامة، ولن يستطيع البقاء فعلاً إلا أولئك الذين قدروا متعة الاكتشاف أولاً، وبدأوا بالتأسيس عليها ثانياً.

قبل أن تنقرض الديناصورات، اكتشفها أحدهم. هذا مؤكد.

هناك شيء في الضحية الخالِصة يجعلك تستقبل الحدث بارتباك، وتصير معه غير قادر على تحمل تبريرات غير إنسانية.

إذ لا يمكن لوم الضحية عن تعريفها اللاحق لاضطهاد عقود، والذي قد يقوم على أساس عرقي أو ديني. هذا رد الفعل. التركيز على التعريف اللاحق بوصفه الأساس في الحدث الحالي أو المنطلق هو بالضبط التبرير الذي يقوم به القاتل. ربما يجدر بأسئلة غير القاصدين (غير القاصدين فقط، لا أولئك المنظرين الذي يعرفون تماماً ما ينظّرون له) أن تتجه في هذا الاتجاه: من حوّل الضحية إلى ضحية أصلاً؟ من اضهدها؟ من عزلها؟ من منع انصهارها في المحيط؟ من دفعها إلى التقوقع؟ من ف تعامل معها بوصفها أقل أو بوصف حاملة أفكارها خاطئة؟ من دفعها إلى هذا التعريف أصلاً؟ (أنا ضحية مسيحيةمثلاً؟)

يكمن الفعل الأساسي -لا رد الفعل- في كيفية تحول الضحية إلى ضحية أصلاً. فمن جعل الضحية ضحية هو المسؤول الأساسي عن هذا التعريف. أما لوم الضحية فهو شبيه بالتعامل مع أي حراك قائم حالياً في أي بلد عربي بوصفه نداً لنظام حَكَم منذ أربعين سنة، والتعامل مع الاثنين كطرفين حاكمين يقترفان الاصلاح والديموقراطية كما تكميم الأفواه . والمضحك أن هذه المقاربة هنا تصدّر على أنها موضوعية“. إنه الحياد والتوازن منقلباً إلى موقف لا أخلاقي ولا إنساني، مدفوعاً ببؤس التبرير لآراء سياسية لدواعي قومية أو وطنية أو عروبية او انتهازية حالية أو سابقة. وهو حياد غريب يسبق تحول الضحية الحالية (التي يتواصَل قتلها يوميًا) طرفاً في اللعبة الساسية يمكن مساءلته عندها (بعد توقف القتل).

وهناك شيء آخر في الضحية الخالصة، يجعلك غير قادر على ممارسة تهكم صرتَ تعهده أسلوباً لك. إذ أن المسالة تصير فجأة أخلاقية في الدرجة الأولى، ومعها يقارب أي أسلوب تهكمي اللا أخلاق.

عندما تدهَس الضحية الخالصة تحت المدرعات، لا تدهس جسدياً. هذه فقط صورة مباشرة جداً، انعكاس لحظي لتراكم. كليشيه صوَري لدهس اجتماعي وسياسي استمر لعقود. هذا الدهس الملتقط في الفيديوهات، يقابله استخدامٌ اعلامي وسياسي يشارف دهس المدهوس، كالإعلان أن بقاء القاتل في بلدان أخرى يوفر الحماية المفترضة لضحية مماثلة في تلك البلدان. إن هذا الإعلان -تحديداً- يجب عكسه ليكون: “أنا، القاتل، إن سقطت، أسقطتُ الضحية معي. أنا، القاتل، أحتمي بالضحية”. إنه حبل ملفوف نحو عنق، يسهل استخدامه ما إن تبدأ سلسلة الانتحارات.

والمسألة لا تختصر فقط في الفعل السياسي. نحن إزاء تفكير اجتماعي وديني مشوه أنتج نفسه تحت سلطة القاتل. تفكير كان يعرف عن نفسه كضحية للقاتل في سني حكمه. ومع هذا التفكير، تصبح المرأة غير المحجّبة مسيحية بالضرورة، ويصير العلماني غربياً بالضرورة، والبهائي ماسونياً بالضرورة، والمعادي للوطنية الاعلانية الرخيصة صهيونياً بالضرورة، والمناقش في ترجمة الأدب العبري مطبّعاً بالضرورة، والمحارج في كيفية وتوقيت الصراع مع اسرائيل ليبرالياً بالضرورة، إلخ إلخ إلخ. وهكذا تخرج ضحية مضهدة من زمن سابق (ضحية لم تعد خالصة) لتضطهد ضحية أخرى في الزمن الحالي (ضحية ما زالت خالِصةراميةً الجميع في حلقة عنف مفرغة تتحول فيها الضحية الأولى من ضحية سابقة إلى جلاد حالي

رغم كل هذا الوضوح، تبدو الأحداث أحياناً رمادية. نحن إزاء سرعة في الأداء مفاجِئة. لعل جزءاً من هذه المفاجأة يُردّ إلى بطء أحداث سنين عجاف سابقة صارت هي في لا وعينا الإيقاع المفترض لما يجب أن تكون عليه الأحداث.

فقط لو تنتهي الأشياء بسيطةً وواسعة كما في بعض الأفلام:فجر يبزغ، أو غروب يملأ الشاشة، فيما الشخصية تمشي وسط جلبة الشارع وتتوغل في العمق تاركةً المشاهدين وراءها، فتحيد عن الضجة المستمرة حولها، وتخلق براحاً في البعيد مع نزول التيترات.

فقط لو تنتهي الأمور كذلك.


كان السائق صامتاً. التاكسي الأبيض – الذي أصرّ علي أصدقائي أن لا أركب غيره- شق جسر العباسية المزدحم. حولنا على جانبي الجسر إعلانات ضخمة منصوبة، كثيرها يتحدث عن بكرة وعن الثورة، قليلها يذكر “الآن” أو “البارحة”، لكن الروح الايجابية التي قبضت على الإعلانات في كل مكان لم تصل إلى وجه السائق الذي لم يكن يتفوه بأي كلمة، مفضلاً أن يركّز في قيادته من الكوربة إلى وسط البلد. إنه حتى لم يستخدم الزمور مرة واحدة.
عندما سألت السائق ما هذه، مشيراً إلى بناء ضخم أسفل الجسر، أجاب باقتضاب: كاتدرائية العباسية اكبر كنيسة للمسيحيين في مصر”، وواصل صمته وتابعت أغنية الراديو مقاطعها: “يا حبايب مصر، حبايبنا”.
لا أعرف لم َعددت يومها صمته عزوفاً عن الخوض في مواضيع مرتبطة بالكاثدرائية.

***

قال إيهاب القبطي في بيت عيصم أنه يعرف العمر الإفتراضي للأشياء. إذا نظر إلى خشب، عرف متى يتسوس وإذا رأى كرسي، حسب أي عام تصدأ قوائمه الحديدية. إيهاب يحدّ موهبته بالأشياء ولا يتعداها إلى تقدير عمر الأشخاص، ويستعمل كافة أساليب الإقناع وهو يتحدث عن اضطهاد الأقباط، منهمكاً في الوقت نفسه بتركيب يد الباب الخشبية ببطء متناه. إيهاب واظب على حضور اعتصامات ماسبيرو. كان ذلك في ديسمبر 2010. أظنه كان البارحة هناك أيضاً.

***

دعني أقول لكَ شيئاً. أو لعلي لا يجب أن أقول، لكني سأجازف. أعرف أن في أوقات الحزن العميق، يبدو أي كلام بذيئاً، وتنظيرياً يأتي من علو. لكني أخاف عليك من أن تعتاد حزنك حتى لا يعود حزناً تماماً مثلي. ترداد الأشياء يوصل إلى الحياد. إلى الملل. إلى اللا شعور. وأنا فعلاً خبرت كل ذلك. خبرته كله لا لأني جبار، ولا لأني ألاحق الأشياء، ولا لأني حظيت بحرب بعكسك. لا. خبرته كله لأني ولدت بالصدفة في خرم. حقل اختبار. خرم في حروبه وفي سلامه المفترَض. لعل كل المسألة تتلخص بأننا ولدنا في خروم؟ خروم صغيرة تحوي كل هذه الأشياء الموتّرة؟ كم مرة سمعت أن هذه المنطقة على كف عفريت؟ أو أن هذه المنطقة غير مستقرة؟ أو أننا نواجه مرحلة خطيرة؟ كم مرة قيل لك أن مصير العالم يتوقف على مصير الشرق الأوسط؟

***

في فيلم هليوبوليس المصري، شخص مسيحي صامت معظم الوقت. إذا تكلّم تكلم ببطء، أو تلعثم أو بصوت منخفض. الرجل الذي يدور طيلة الفيلم في المنطقة مع كلبه، لا يحتمل سوط فلاش الكاميرا على وجهه، ولا يستطيع الابتسام، ولا التواصل مع فتاة من ملّته. إنه حتى لا يستطيع أن يحظى بفيزا لمغادرة البلد نهائياً، ينهض صباحاً فلا يستطيع أن يلبس مشايته من المحاولة الأولى.. إنه، باختصار، محبَط.

***

دعنا لا ندخل في المثاليات. نحن نعرف أن الجهل منتشر. وأن من لا يشبه العامّة سيضطهد. من لا يشبه العامة في أي شيء، دينه أو رأيه تفكيره أو حتى نظرته المختلفة إلى الأساسيات. نحن كنا واثقين أن لا شيء يتم بكبسة زر، ولا زلنا نقول ذلك. هذا طبيعي. أن لا تتم الاشياء وكأنها مسيّرة، هذا طبيعي. هذا الصعب هو صكّ البراءة. كنا حتى ربما ننتظر أن يقتَل كثيرون. لكن لماذا تفاجأت أنت؟ لماذا نتفاجأ كل مرة؟ هل هو الدم يصفعني كل مرة ويرميني في حالة الذهول كما البدايات؟ هل هو الرأس المهشّم حيث أنت يعيدك إلى قصة صديق كان سيموت محاصراً بالبلطجية؟
دعني أقول لك شيئاً ولا تزعل. خوفي صغير هنا. أصغر مما قد تكترث له بكثير. وأنا بدأت أخسر تلك القشعريرة التي تسري في ساعدي كلما رأيت الدم الذي أتجنبه بالصدفة على المواقع أو على قناة تلفزيونية عابرة. أنا في خرمي هنا، بات يتلخّص خوفي بأن أفتح الجريدة غداً وأرى بعض الكتَبة ينظّرون لنظام استبدادي آخر. سيستخدمون حزنك العام العميق جداً (لأنك تعرّفه كحزن شخصي جداً)، كممسحة قيء. تماماً كما واظبوا على استخدام فلسطين منذ ولدنا على هذه الأرض. كل هذا العنف الذي استدرجَك إلى حزنك العميق سيصبح مبرراً لإراقة دماء آخرين. هؤلاء ماذا نجب أن يفعَل بهم؟ هل يجب أن يمنَع عنهم الحزن الشخصي؟ هؤلاء؟ كيف تصفهم من دون أن تتحول سوقياً؟ وما هي السوقية أمام الدم؟ هل رأيت الإصلاحات على ظهر الرجل الثمانيني؟ إصلات سياسية مئة في المئة. لعلهم كان يحاولون معالجته من تقوس ظهره؟ لعلهم كانوا يركزون على تقويم فقرة بعينها من سلسلة فقرات ظهره؟

***

في الطائرة الخارجة من القاهرة يتواصل الصوت الأنثوي المسجّل: “لفتح الحزام، إرفع المشبك إلى أعلى”. صوت يعيد إلى ذهنك صوت زوزو نبيل في بدايات ونهايات حلقات ألف وليلة التي انتهى عمرها الافتراضي منذ زمن بعيد.
هل مكتوب علينا أن تعمِّر ممسحة القيء إلى أبد الآبدين؟
وما العمر الافتراضي للمسيحيين في مصر؟
ما العمر الافتراضي لربيع العرب، أو سمِّه ما تشاء؟
بكلمات أخرى، كيف لا نخسر القشعريرة؟

نشرت القصة في مجلة “الطريق” الشهيرة التي تعاود الصدور. لمقالات أخرى نشرت في المجلة، إضغط هنا.

1

أكاد أشم الرائحة. تخرج مني. هذه رائحتي زائدةً كما لم تكن يوماً. كيف تضخّمت هكذا؟ أحاول أن أزحزح جسمي، فلا أقوى على تحريك أي طرف. تبقى الحركة فكرة. أمرٌ أرسِل ولم ينفّذ. وحده يتحرك من داخلي. أشعر به. سائل كثّ مقيت يندفع على مهل، فيبلّل جانبي والملاءة تحتي. أصوب نظري ناحيته، فلا أتبيّن لونه. الرؤية مشوّشة وأنا أفقدها ببطء. لا تستطيع عيناي اللحاق بسرعةِ ما يحدث حولي. حتى الثابت في الغرفة يصبح مشوشاً. أجرّب أن أصف لنفسي كيف وما أرى فلا أنجح، ثم سرعان ما أخسر اهتمامي بمحاولة الشرح. أبدأ بفقدان اللون. يأتيني كل شيء بألوان غريبة ثم بلونين ثم تروح الألوان وأحظى بألوان غريبة.

لكأن هذا السائل يخرج آخذاً معه كل شيء.

أحاول أن أتكلم فيصدر مني شيء يشبه الصفير. لا أفهم ما يخرج من ثغري. أشعر بحلقي جافاً. فارغاً. أشعر بما فيه، بل بكل ما في داخلي. أصبح يداً تدخل وتتحسس جوف جسمي. تقلّب ما فيه. تخرج ثم تعود لتحفر أكثر عمقاً. أرفع رأسي. للمرة الأولى أنجح في تحريك شيء فيَّ. أنظر نحو الباب. لا أعرف أنه الباب في البدء، فالألوان الغريبة قضت على قدرتي لتحديد أي شيء، والتشويش مستمر. لعلي لا أرى بل أصِل ما أعرف وأتذكر بقليل ما أرى وأحدد الأشياء؟ لا أستفيض في الشرح لنفسي. أجده يخرج إليّ من اللا رؤية، من دون أن أعرف كيف. أشعر بالجليد للمرة الأولى، ثم تنتابني حركة عنيفة. يتحرك جسمي كله بأوتوماتيكية غريبة. أرتجّ، وتتغير طريقة خروج السائل مني. لكأنني غسالة أوتوماتكية تعمل في مرحلة التنشيف. ملاحظة تحيلني إلى انتباه أخير: هل أخرجت الملابس من الغسالة لنشرها، أم أنها لا تزال تقبع هناك؟

لا أقوى على الضحك ولا حتى على الابتسام.

2

الباب موارب، يُظهر ضوءاً خافتاً وراءه. على الأرض مساحة سوداء من الظل تمتد حتى حافة السجادة العجميّة.

لم يحرك قدميه منذ ربع ساعة. جلس هناك تضربه فوضى أفكاره. سياط، سياط. ورغم كل هذا الهجوم، لم يتحرك قيد أنملة. فقط تحركت عيناه، رغم ثبات وجهه. كان مُنحني الظهر على الكنبة، يراقب ظلّ الباب يتوسع حتى كاد يلمس قدميه. ضوء الخارج الذي أخذ يخفت دقيقة إثر أخرى غيَّر من ضوء الداخل، بل وضَّحه، ومع الإيضاح أظلمت المساحة المظللة أكثر.

أخذ يحدّق في الباب ملياً. لم يغلقه. لم يغلق وراءه باباً يوماً. يترك دائماً الأبواب مفتوحة. لا، يتركها مواربة. الموارِب ليس مشرعاً. الموارب ليس مغلقاً. لا يفكر لماذا لم يغلق الباب ولا كيف همد هنا على الكنبة بلا حراك. لا يفكر حتى بالضجة الآتية من الخارج. نعم. يلاحظ خفوتها مع قدوم الليل. نعم. يحدس أن الشارع يغيِّر صوته بتتالي ساعات النهار. نعم. ينتبه لكل ذلك من مكانه، ولكنه لا يفكر. الانتباه ليس تفكيراً. الملاحظة تظهر فجأة في الرأس. تنفجر بلا تحليل مسبق. أما التفكير فيأخذ الملاحظة ويمعن فيها تشريحاً. وهو لا يفعل ذلك الآن. لا يتعدى انتباهاته إلى شرحها. يلاحظ فقط من دون أن يسائل كيف لاحظ.

يستعيد. يسترجع ما حدث كحقيقة مثبتة. يقول لتلاميذه: “الحقيقة غير النظرية، والنظرية غير الفرضية. والاثبات فقط ما يجعل النظرية حقيقة”. يرد عليه طالب لجوج: “الآراء تأتي مع إثباتات وهذه لا تجعلها حقيقة بل تبقى آراءً رغم قوة الإثباتات”. يبتسم له ناهراً مذكراً أن هذه حصة علوم. يعرف في داخله أنه معجب بالفتى، ويتيقن أنه سينتهي دارساً للعلوم السياسية.

لكن الاستعادة تبقى استعادة، وهي أيضاً غير التفكير. لقطة تبقى بكل تفاصيلها ثابتة. هو لم يتعدى على الذكرى. لم يغير شيئاً فيها. لم يضف إليها لا عواطفه المثبتة، ولا غير المثبتة.

يواصل استعاداته. تمثل أمامه لقطات من البارحة: كتف المار على الرصيف الذي خبط به صدفة، وفم الناشطة التي تحث من يقترب منها على التوقيع، وابتسامة عاملة الكاشيير في السوبرماركت. تحضره شتائم شرطي السير الواقف على التقاطع القريب والذي لا يكف عن التلويح للسيارات بالاسراع في المرور. يسمع صوتاً. هل هذا صوت صفارة الشرطي؟ أم هذا تشويش من مصدر آخر؟ يأبى أن يتمادى في طرح سؤاله، فلا يكمله حتى. لا يفكر.

في رأسه، تعدو الأفكار تماماً مثل خط سير في شارع داخلي من شوارع بيروت، إشاراته الضوئية لا تعمل. كل السيارات فيه تنطلق في الوقت نفسه على إثر إشارة ما. قال مرة لتلاميذه في حصة العلوم إنّ الخلق أشبه بـِعَدْو سير. الحيوانات المنوية تهجم كلها في اتجاه واحد. بعضها يسقط في الطريق، والبعض الآخر يتعبه اللهاث فلا يلحق بأخوته، والآخرون يصلون كلهم. يتدافعون، يجرب أكثر من واحد حظه وواحد فقط يحظى بالهدف.

لو يقدر لفتح رأسه على الطاولة وفكر كيف أفضى به الأمر إلى هذه الخاتمة. هل هي الخاتمة حقاً أم خلق جديد؟ لو استطاع أن يقنع نفسه لقال أنه الآن داخل رأسه. لقال إنّ شيئاً لم يحدث. لقال إنّ كل هذا محض تهويمات مريضة يمر بها أكثر من إنسان في نهارات عادية.

الآن فقط، بدأ يفكر. الآن فقط، اقتنع. هذه ولادته الجديدة. نهاية أولى تتبعها نهايات. هذه فكرته الوحيدة، وصل إليها أخيراً. يتمسّك بها، ويتخلى عن الملاحظات والاستعادات. يلقي السؤاله في بئر رأسه: هل من التقاهم في الطريق البارحة جرؤوا يوماً ما على فعل ما فعله هو؟ يطرح السؤال ثم سرعان ما ينتشله من البئر. فجأة، يصير أكيداً أن الأمر يتعلق به لا بالآخرين. “هذا أنت”، يبدأ يحدث نفسه. الآن فقط، وللمرة الأولى منذ ثباته هنا على هذه الكنبة، يعترف لنفسه: “أنا من ارتكبت جريمة القتل على السرير خلف ذاك الباب الموارب”.

ينظر إلى سلاح الجريمة الموضوع أمامه على المنضدة، ثمّ ومن دون أن يطبق عليه الذهول، ينهض ويتجه ناحية الباب. يشقه فقط بالقدر اليسير الذي يمكنه من الولوج إلى الداخل. لقد وصل. لا. لقد عاد. ثم، وبحركة من يده اليمنى، ومن دون أن يلتفت، يدفع الباب وراءه. يستجيب الباب (للمرة الأولى؟) استجابةً كاملة، فتنقتل وراءه مساحة الظل الممتدة حتى أطراف السجادة، ويغلق رأسه على فكرة.

3

أراه من فوق يقف عند المدخل. ينظر إلي كما لم يفعل يوماً. لا أعرف بمَ يفكر. لم أعرف يوماً، ولن أعرف الآن. أراه في خطواته متردداً ثم حازماً. من هنا، أستطيع أن أفهم الخطوات أكثر. أحاول أن أتدخل فلا أنجح. لعل هذا غير مسموح؟ أحاول مرة أخرى فأفشل من جديد. فلا أقدر في النهاية إلا على فعل وحيد. أبثّ في رأسه فكرة:

- شفت ما أحلاني أنا وميتة؟

أرى قدميه تتوقفان عن الخطو. يجمد لثوانٍ ليست قليلة. أتابعه في بعضها قبل أن أقرر الانصراف إلى فوق.

أقول لنفسي: منذ الآن، سأكتفي بالاستعادة.

أصعد الدرج الكهربائي في إحدى محطات قطارات لندن. أرى الوحوش الكبيرة في أجسادها الصغيرة.، فأهرب محدقاً في الدرجات الحديدية حتى أكاد أقع عند الدرجة الأخيرة. ترمقني الوحوش. نظراتها تقول الكثير الذي أعرفها، وتحديقها الدائم فيّ يؤكد شكوكي، لكني لا أهتم.

أرفع ما وقع من حقيبتي الرياضية، وأسوّي ربطة الوشاح الصوفي فوق الكنزة السوداء. أتذكر كم أحب هذا الوشاح، بل كم أحب كل الأوشحة الصوفية، خاصةً المخطط منها. لدي شيء ما تجاه الخطوط. في مرة، فتحْتُ خزانتي ففوجئتُ بكمّ الكنزات المخططة التي أمتلكها. خزانتي زنزانة مساجين. ضحكتُ، وقلتُ أنني فعلاً في زنزانة.

هنا، في غرفة صغيرة ملحقة بالثلاثين متر مربّع التي أسكن فيها، أعلّق حبلاً لنشر صوري المبتلّة التي أظهّرها بنفسي. جاهدتُ لأقنع صاحب المنزل بتأجيرها لي مع الاستديو حتى قبل.  عندما أفشل في تظهير إحدى الصور أو أكون ارتكبتُ خطأ عند التصوير، أجدني أمام نتائج خرافية لم أتوقعها، وأتلذذ بناتج عدساتي.

توقفتُ عن مشاهدة الأخبار منذ شهرين أو أكثر بقليل، ثم تخليت بعدها عن التلفاز. أعطيته لأصدقاء، ووضعت إناء زرع مكانه. كنت قد تحمسْتُ قليلاً خلال الثورة الماضية، ثم عدت إلى عزلتي مواصلاً الاستمناء، وبوتيرة أسرع.

في عزلتي، أنتقي أمكنة قليلة لأقضي نهاراتي فيها: عملي، سيارتي القاطعة لأمكنة جديدة، الاستديو المُستأجر، غرفة صوري، مقاهٍ معدودة اعتدتُها، وأمكنة جديدة يمكنني أن أجد فيها تفاصيل تستحق الانتباه.

البارحة، لمحْتُ تلك الفتاة في مقهاي المعتاد. كنتُ قد خرجْتُ مبكراً كعادتي لأشرب قهوة الصباح وأتابع قراءة كتاب كافكا الذي بدأْتُه الليلة الماضية.

فكرت وأنا أحدق فيها: هل أجرّها إلى عالمي فأؤذيها قليلاً؟ الأشياء المشتركة إيذاء متبادل للطرفين. هل أريد فعل ذلك فعلاً؟

غداً، أعاود رؤيتها، وربما بعد غد أيضاً. وفي اليوم الرابع سأقترب منها وأفتتح معها حديثاً غير ذي أهمية كعادة كل الأحاديث الأولى. سأسألها ما تقرأ، فتجيبني. ستعلمني (على الأغلب) بقراءتها لكتاب سخيف، فتخسر سؤالاً أوَّل معي، وتبقى رغم ذلك تملك فرصةً أخرى لتقتحم عالمي الأسود.

سنستمر في الحديث، وقد نفلح فنتحدث دائماً، أو نكتفي بعدها بإيماءات لرؤوس والابتسامات المحسوبة لأنَّ كلَيْـنا منا قد فهم أننا لسنا مناسبين لنؤذيَ بعضنا أكثر.

بعد الفشل العاطفي، قليلٌ من النبيذ جيد. سأدخل محل الكحول. أصوّر قناني النبيذ المصطفة فوق بعضها، ثم أنتقي واحدة، وأعود بها لغرفتي. سأشربها وحيداً حتى أثمل، ويغلبني النعاس، فأنام بملابسي مسنداً ظهري للسرير، ومبقياً صور الشارع أمامي على الأرضية الخشبية.

سأحلم بمحاولة انتحار أخرى لن أنفّذها، وأواصل إعتقادي أني ممن يتكلّم عن ميوله الانتحارية، ويكتفي بالقول بلا فعل. سأواصل نقدي الذاتي (يدعونه “الهانج أوفر”)، وأقنع نفسي لحظياً بأن لولا كآبتي لما تعرفْتُ على كل تلك الكتب، ولا تلك اللوحات، ولا تلك الافلام، ولا هذه الموسيقى التي أسمعها آتية من بعيد. سأكون أكيداً في تلك اللحظة أن كآبتي صنعتْني، وصنعَتْ عالمي المعزول الصغير، الذي أحبه وأكرهه بحسب مزاج اللحظة. سأقول إن عالمي هو أنا، فأدع نفسي فيه، أبنيه، أجملّه، وأهشّمه كما أرغب، على الأقل حتى الفتاة التالية.

“بصيت لروحي فجأة. تعبت من المفاجأة ونزلت دمعتي” – عبد الباسط حمودة

غاردن سيتي. سهرة رأس السنة 2009- 2010.

حُكيَ لي أن شاباً جرّب الحشيش لأول مرة فشعر بغرابة. انقلبت عنده السرعة بطءاً، والبطء سرعة. تحدّث ثم صَمَت. خاطب محدثته. “هل أتكلم كما يجب؟ أشعر أني أسرع بنصف الجملة الأول وأبطئ في النصف الثاني حد القتل”. كان يجد الأمر غريباً، أشبه بشريط صوت متلاعَب بسرعته. “ربما عليَّ أن أتوقف عن الكلام”، قال لها فردّت: إمضِ، إمضِ، “إنت جميل وإنت محشش”.

نهض مقررا أن يتجول في أرجاء المكان. لكأنه مشهد في فيلم، فكّر. البطل يمشي، يلقي نظرة على رواد السهرة، يسمع بعضاً من الصخب العادي الناتج عن المحادثات في حلقات الواقفين الصغيرة، لا يقف معهم، ويتعداهم إلى الرواق، يمشي فيه، ويبقى الرواق مضاءً. لا يحظى بمشهده الموراكامي (نسبة للمشاهد المعهودة في روايات هاروكي موراكامي ). يميل يميناً ويساراً. تتلمس يداه الحائطين. الفودكا وبيرة ستيلا والحشيش فعلوا فيه اللازم. الأغلب أن رجل الماعز لن يظهر. الأغلب أن المصعد لن يظهر له فجأة، ولن يتوقف بين طابقين على طابق جديد.

(غلاف “أرقص أرقص أرقص” لموراكامي)

يدخل الغرفة من باب أول. تستقبله موسيقى أسانسيرات، خفيفة في أذنيه رغم صخبها في الغرفة. تمسك فتاة بيديه، تحاول ترقيصه ولكن أطرافه أثقل (أو أخف) من أن تستجيب. يتركها ويبتسم لكاميرا تقترب. يتطرف في الاقتراب من عدستها. غريب. لطالما كره الكاميرات، فما الذي تغير الآن؟ لعل الحشيش يحيل الإنسان إلى آخر، أو لعله الانسان ذاته لكن الحشيش يؤكد فقط أن الثابت هو محض.. وهم؟

يخرج الشاب من باب، ويكمل السير في الرواق. يدخل باباً آخر فيجد نفسه عاد داخل الغرفة. يدور مرتين ولا يفهم كيف يعود إلى الغرفة في كل مرة فيسأل: هل المكان غرفة واحدة؟

يفلح في الوصول إلى مكان آخر بعد ربع ساعة. يقف قرب منضدة عالية، يتحدث مع الموسيقي. يصر أنه طبيب أسنان، فيصحح له الموسيقي المعلومة: “بلعب مزيكا”. يتغاضى عن جوابه ويحدثه عن أسنانه. يفتح له فمه. يريه شيئاً فيه. داخل اللاوعي وعي كامل، أو لنقل عندٌ كامل. يكتشف الشاب -من دون أن يتخلى عن عنده- أن باب الشقة مفتوح. يهرع فيغلقه ثم يعود لطبيب أسنانه. يتكرر الأمر أكثر من مرة. يقضي السهرة في إغلاق الباب كلما دخل أحدهم. ربما، في اللاوعي، يجب أن تغلق الأبواي لتمنع تسرب التفاصيل إلى الخارج.

حسناً. للشاب مفاجأة بمفعول رجعي: لقد جرب جيم كاري ذلك قبله في فيلم، وانتهى به الامر إلى تسرب كل شيء من رأسه. كل شيء.

***

تاكس كسر الملل

في بيوت مصر، ملصقات وصور.

أحمد صوّر سواقي التاكس. كل واحد منهم وقف قرب سيارته. قال لهم أن يبتسموا. فعل أكثرهم المطلوب وزاد آخرون حركاتهم. بعضهم اتكئ على سيارته (إقرأ لغة الجسد لحركة كهذه)، والبعض الأكثر وقف أمام التاكس كأنه يحميه أو يغطيه من الصورة (هل من فرق؟). ألصق أحمد الصور أفقياً على “الحوائط” في الغرفة. (يستخدم أحمد لفظ “الحوائط” في نصوصه ولا أوافقه على صحته لغوياً. لا أعرف من فينا على حق، ولن أهرع لكتاب اللغة لأثبت النظرية. أستعينبأذني، وأذني قليلاً ما تخطئ. وربما تخطئ وأكون أنا الخاسر في المعركة اللغوية، لكن لا أهتم. أنا فقط لا أرتاح “للحوائط”).

(تاكس مصر – من الانترنت)

على “الحوائط” إذن سواقي تاكس، وروبي (أحب روبي فعلياً لا هزءاً ولي في ذلك نظرية لا يتسع المكان هنا لشرحها ). هناك أيضاً إعلانات حفلات موسيقية لفرق لم أسمع بها، و ملصق ينادي بـ”كسر الملل”. البيتلز حاضرون كما العادة. وهناك ملصق آخر لفيلم مصري تجاري غبي يدعى “آخر الدنيا” بالقرب من ملصق “نادي القتال”. أما رأس غاندي بالأبيض والأسود فيعلو أرجوحة مزركشة في زاوية الغرفة.

“هنا ستنام. على هذه الكنبة”، قال لي أحمد.

***

تشطيب لوكس

على مدخل الكنيسة التي زرتها وجدت إعلاناً مذهلاً. كان اكتشافَ نهاري. “للبيع مدفن بمدينة 15 مايو. كامل التشطيب. المساحة 15 متر”. البعض لم يفهم لِمَ ذهلت آنذاك، وأنا الآن – بعد سنتين- لا أذكر سبب ذهولي. أذكر فقط أني وحين كنت أتمشى خارج مجمع الأديان ركض ولد خارجاً من مدرسته قربي. كان يغني: “الدنيا خربانة، والخلق تعبانة. شوبرا خربانة. إمبابة تعبانة”. أذكر أني عندما سألت بنفس استشراقي سياحي عما يقوله الولد، قيل لي أن هذا غناء شعبي، فلم أعلق وحافظت على ذهولي.

***

طربوش سعد

في إسكندرية، أسأل عن زيزينيا وزنقة الستات. يضحك هيثم (أحدثه على الانترنت عيصم، ويناديني علاء. يمكن النظر للموضوع على أنه مشكلة متبادلة في حرف الهاء لولا اللام التي أصبحت همزة في اسمي الأول والميم التي انقلبت فاءً في اسم عائلتي: شوفان. ). بالنسبة لعيصم، علاء شوفان “بتاع مسلسلات”. “ارحمنا يا عم. تعال نروح عند عبدو النتن”، يقول.

وراء حدائد باب سينما مغلقة ومهجورة وجدت إعلاناً يقول: “فيلمان كبيران في بروجرام واحد” وحكمت حكمي المطلق: “كبيران” في ذاك الزمن تعني إما نادية الجندي أو نبيلة عبيد.

في تجوالي ببعض شوارع الاسكندرية استعدت شوارع الحمرا الفرعية في منتصف تسعينيات القرن الماضي. كل شيء فيها مغلق وقديم. لكني فوراً اكتشفت فرقاً: هناك مبان قديمة ذات معمار جميل بعكس بنايات الحمرا البشعة. فوراً فكرت بوسط بيروت التجاري، لكني تراجعت. بنايات الاسكندرية (والقاهرة) مسكونة لكن غير معتنى بها وإذ أسفت لحظياً لإهمالها، قفز الفارق أمامي: هنا حياة يومية على مدار ساعات النهار لا في ساعات وفترات محدودة كما وسط بيروت. (اليوم أكتشف الوسط أكثر بحكم عملي المستجد في أحد مبانيه، وبعد قراءتي لنص حسن داوود في “فيزيك” بعيداً عن حكمي هذا).

على الكورنيش، يستدير تمثال سعد زغلول باتجاه البحر. قيل لي وقتها: لم يبقَ من سعد زغلول إلا جملته الشهيرة “ما فيش فايدة”. قرأت قبل أن أعبر قرب بيت الأمة أن لم يبق منه إلا ببغاء محنط هنا. ( “حكايات أمينة” لحسام فخر من ميريت ). قيل لي إن سعد بقي فقط في أسماء الميادين التي تحمل اسمه وفي أدوار لممثلين جسدوا شخصيته في مسلسلات رمضانية نفذت برداءة تامة وبتكرار غريب.

(طربوش لبنان – يؤكـَل)

لم يبق من سعد إلا الطربوش، فكرت بتطرف. ثم وجدت سيد درويش عنواناُ لمسرح وصوراً في مكتبة الاسكندرية. وجدته حاسر الرأس بلا طربوش.

لو أردت أن أستعيد الاسقاط الرحباني المباشر لقلت أن المعركة في يناير كانت مع الطربوش. لكن الفكاهة المصرية تجعل من توظيف هذا اللفظ ثقيلاً. ط-ر-ب-و-ش. فلأستبدل طرح “الطربوش” إذاً بطرح “بابا” (وأنا لا أفصح عن جديد ). “مغامرة ” يناير كانت مع مفهوم بابا “اللي بيغلط بس بنسامحه عشانا هوة بابا”. حسناً. هذا يبدو تافهاً بالمقاييس اللبنانية. نحن في لبنان حولنا الطربوش إلى رأس شوكولاتي بكريما بيضاء في داخله. نحن في بيروت نأكل الطربوش. هذا يبدو تافهاً للبنانيين كثر، لكن إكبح فرامل استنتاجاتك عزيزي القارئ. البديل الطربوشي ليس بالضرورة أفضل. النقيض ليس بالضرورة أحسن.

***

رسالة: حاجات “باضناني”

لو قدر لنا أن نشبه ما حدث بمصر بمسلسل طويل، لقلت أن “الثورة” قامت في الفترة الإعلانية!! لنقفز سنتين. بدءاً ولأنفي عن نفسي صفة النوستالجيا التي يتهمني بها كثر من أصدقائي في المحروسة، أوجه لهم هذه الرسالة:

أصدقائي في مصر، هذه مصطلحات وحاجات “باضناني”: أخلاق الميدان، مصر الجديدة، حملة النظافة، ثورات الشباب، ثورة الفيسبوك، استقرار، عجلة الانتاج، الجيش ما يعملش كدة، كفاية مظاهرات، مظاهرات فئوية (فئوية؟)، عفاف شعيب، طفولية طرح صفحتيْ “حركة السادس من ابريل”، و”كلنا خالد سعيد” على فايسبوك.

شكراً لتفهمكم. مودتي الخالصة.

علاء شوفان.

***

“الله” والغسالة

وقفت أمام “الله”. هذا ما قاله لي عيصم الذي دخل مع آخرين مركز الأمن المركزي في مدينة نصر. هل قال لي ذلك فعلاً أم أنني ألبسه هذه الجملة التهمة؟ لا أتذكر، وعيصم يستحق تهمة لذا لا لن أشغل نفسي في التذكر الدقيق لما قال. عيصم وجد صور أصدقائه في سهرة خاصة خلال تقليبه لأحد الملفات. قال لي إنّ العناوين على الملفات مفزعة وغبية. عندما شرح لي الأمر فهمت. الناقد الذي كان يراه النظام ناقداً دائماً تحول ورقة في ملف “الشيوعيين”. “نشطاء غزة” صاروا “حماس” (مثلاً). “الناشطون” أصبحوا “مدونين” بالضرورة. صدقاً، ذكرني الأمر بمسلسلات يحيى الفخراني ونور الشريف في رمضان. معركة بين طواحين الهوا الفاسد وحلقة أخيرة في العيد. كيف تحارب الكارتون؟ (أنظر ليبيا). لعلي أكون قد تذكرت أيضاً أفلام سمير الغصيني اللبنانية الثمانينية حيث الأكشن فيها مصنوع برداءة مفرطة، حيث يظهر وسط الفيلم، فجأة، مطرب ثمانيني مروجاً لأغنيته الضاربة ومعطياً الفيلم زخماً لدى طرحه في الصالات. (أنظر مايز البياع).

هذا كان الأمن؟

(ملصق فيلم “حياتك في 65 (كلمة)” )

عندما أتابع أخبار مصر، يحضرني مشهد من الفيلم الإسباني: “حياتك في65 (كلمة)” (إشتريت الدي في دي مع عيصم في بيروت). في المشهد، يجلس فيه الشاب مع حبيبته على سطح المبنى ينظران إلى الغسالة الاوتوماتيكية تدور بما فيها من ملابس. يبقيان هناك لفترة وتلعب الموسيقى التصويرية وصوت دوران الغسالة الدور الاساسي.

شخصياً، لو كانت الغسالة تتسع لي، لفتحت بابها وانضممت إلى الملابس في دورانها.

***

“الثورة” بنت كلب

في 2010 جاء الناس إلى حفلة رأس السنة باللون الفيروزي. قالو إنه لون السنة. مضت 2010 بطيئة قاتلة. سنة تراكم ستاتيكو تسعيني وألفيني. ما لون ال2011؟ لا أعرف ولن أبحث على غوغل. في 2011، قبيل “الثورة”، أقيمت حفلة كما العادة في المكان نفسه. لم يكن الشاب المحشش هناك. للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات كسر عاداته. هذه “الثورة” استهدفته في العمق. أدارت ظهرها له عامين ولما لم يأت في المرة الثالثة، فعلتها بنت الكلب. الشتيمة جيدة وتريح.

***

“جبروت المصري” (أو ما يتعارف على تسميته بـ”أرجوحة غاندي”)

على الواجهة الزجاحية لأحد محلات الصيانة في وسط البلد بالقاهرة جملة: “المصري طول عمره معرفو بجبروته وقوته. استلم هاردك (القرص الصلب للكمبيوتر) التالف سليم بعد خمس دقائق”.

المصري القوي إذاً يصلح الهارد القديم عوضاً عن شراء القديم. عندما رأى الشاب المحشش الجملة، لم يعرف سبباً لفعل غريب كهذا. كاد أن يلوم حشيش البارحة، ثم سأل: ربما القدرة الشرائية؟ الوفاء للهارد القديم؟ البابا لا يمكن إلا أن يكون قديماً؟ أو ربما لم يحتظ المصري القوي المشهور بجبروته بهارد دسيك موازي، ويود إعادة استخراج المعلومات المحبوسة فيه؟ وهل تتأثر عجلة الانتاج بشراء هارد ديسك جديد؟

صحيح. التنظير من الخارج صعب، وغير أخلاقي. تعاملوا مع كل ما سبق كتنفيسة. تنفيسة من تفاصيل أتابعها عند أصدقائي المضافين على فايسبوك. لا أعرف. الارتياب سيد المرحلة. في الوعي واللاوعي ارتياب. الارتياب يأتي حتى مع العنف الكلامي والتأكيدات في تفاصيل معقدة لا تمشي بمنطق السبب والنتيجة أو من هو المستفيد. يعرف الأكيد منكم أن المسألة أعمق. أجزم أنكم تعرفون ولا أعرف كيف أشرح أكثر صحيح، أنا أجزم بطرح هلامي. في الوقت نفسه، تقول لي تفاصيل يومية إن الباب مفتوح بل مشرع مع النوافذ كلها. تشعرني تفاصيل أن رفاصات لا تزال تعمل. تقذف ناس خرجوا إلى داخل البيت من جديد. وهذه التفاصيل اليومية هي ما تمنعني من التوقف عن استخدام المزدوجين حول كلمة “ثورة”. ربما يجدر إغلاق الباب تماماً كما فعل المحشش؟ لست أكيداً. ربما يجدر الاحتفاظ بالذاكرة وإغلاق الباب أيضاً؟ لكن ألا يستنزف الغرق في الذاكرة الطاقة في غير مكانها؟ صدقاً لا أعرف. إنه الليمبو بين الفعل ورد الفعل. رد الفعل لا معنى له من دون فعل، والرومانسية لا تنفع. ماذا إذاً؟ إصلاح هارد ديسك قديم تالف أو الإتيان بهارد جديد؟

إنها أرجوحة غاندي. ما أجمل عدم المعرفة.

هنا، بين عائلاتنا، عادةً ما يرتَّب اجتماع عند موت شخص: في أي قبر يدفن؟ في قبر زوجته، أم قرب عظام إخوته في قبر العائلة؟ في هذه المقبرة أم تلك؟ حجم القبر؟ ممّ هو مصنوع؟ رخام أم بلاط عادي؟ نوع الخط المكتوب فوق القبر؟ نسيّج القبر بحدائد أم نتركه كما هو؟ نجعله أعلى قليلاً من المعتاد أم نبقيه على نمطه الكلاسيكي؟

هذه قرارات مصيرية تحدد وجهة الزيارات والأدعية والصلوات الآتية. الكل متأكد عند كل عيد من قبر فقيده. يأتون له بالآس، والورود والزنبق الأبيض، وفوق القبر يجلسون. بعضهم يقرأ في كتاب مقدّس والآخر ينتحب.

تماماً كما في بداية فيلم “العائد” الاسباني للمخرج الإسباني “بيدرو ألمودفار”. في المشهد الابتدائي المَلـَك: الفتيات كلهنَّ صبيحة نهار ينظفْنَ القبور. ثلاثة منهنَّ منهمكات في تنظيف قبر واحد، وأمامهنَّ كل أدوات وسوائل التنظيف اللازمة، لكن الأم الميتة ستعود لابنتَيْها في الفيلم. موتها كان خدعة.

ماذا لو كان الأمر برمته خطأ؟ ماذا لو أراد هؤلاء الموتى أن يبتعدوا فقط عنا، ونحن لا نفتأ نتقرب منهم، من صورهم ومن قبورهم؟

***

“توقف! أنتَ على وشك الدخول إلى امبراطورية الموت!”. تفاجئنا اللوحة الجدارية المعلَّقة فوق الباب المفتوح في السرداب. مضينا نمشي في دهاليز لولبية وأنفاق تحت الأرض منذ ربع ساعة. حذَّرتنا الورقة المعلقة في مدخل “كاتاكومب دي باريس” أن الزيارة غير مناسبة للأطفال وذوي القلوب الحساسة، لكننا حتى الآن لم نجد إلا بعض الجداريات التي تشرح نوع الحجر المستخدم في جدران المتاهة، أو الأبيات الشعرية التي تدور في فلك الموت.
خمسة عشرة دقيقة قبل أن نصل إلى هذا الباب المؤطر بتلك الرسالة التحذيرية.

“امبراطورية الموت”؟ ماذا يعني هذا تحديداً؟
ندخل. الصورة ما عادت أمامنا في الكتيِّب. خرجت لتتجسد وتصبح ملموسة. نحن صرنا في رواق يمتد طويلاً طويلاً والجداران اللذان نحاذر أن نلمساهما مكونان من عظام الأطراف والجماجم! هذه عظام حقيقية وضعت فوق بعضها. جزء منها يعلوه اللون الأخضر فيما اسودّت عظام أخرى وقبع بعضها الآخر من دون خدش. هنا، الجمامجم تفصل بين عظام الأطراف المرميّة فوقها أو تحتها. الجمامجم موضوعة لتشكل خطوطاً، صلباناً أو حتى قلوباً! تسري القشعريرة في الجسد ما إن نرى القلب المرسوم بالجمامجم.

نتخيّل من كان هنا يضع العظام فوق بعضها: يجزع بدايةً، ثم يعتاد العظام حد طلبه كوب شاي! يبتعد إلى الخلف بكوب الشاي الذي يحمله لينظر، ويصدر الأوامر إلى من يجمّع العظام بعضها فوق بعض. يقول له وهو يرشف من شايه الأسود: “لا. لا. قرّب تلك الجمجمة إلى اليسار. إرفع الجمجمة التالية أكثر. ضع جمجمة أخرى هنا. القلب لا يبدو واضحاً. الصليب بحاجة لجمجمة أخرى حتي يظهر أكثر. خط الجمامجم الأفقي هنا منحنٍ أكثر من اللزوم. إرفع الجمجمة قليلاً. ضع تحتها كومة من عظام الأطراف!”

هل حصل ذلك فعلاً؟ لا نعرف. هذا فقط ناتج هوس تخيلي مخيف.

في البدء، كان المشهد غريباً لكن مرحاً. ثم ومع استمرار جدران العظام يمينا و يساراً، يبدأ الشعور بالجو الضاغط رغم البرودة النسبية. لا ينقصنا إلا قطرات من الماء الرطب تسقط من سقف السرداب لتعيد سريان القشعريرة في الأجساد. الخُطى -لا إرادياً- تسرع لتنتهي من كل هذا.

الجو صامت. السياح عادة ما يكونوا صاخبين، فوضويين، يتكلمون كثيراً. لكنهم هنا محكومين برهبة المكان. الكل إمّا يتوقف لدقيقة، ويصور أو يمضي مسرعاً حتى من دون أن يلتقط صورة. يسرع، وينسى ما دفعه من تعرفة لدخول هذا المكان وما يحتِّمه عليه ذلك منطقياً من الاستفاد حد الوقت الأقصى للزيارة.

بعد هنيهة من المرور بين أكوام العظام، يمضي الفرد مسرعاً وهو يريد أن يعود إلى سطح الأرض لتنشق بعض الهواء. يمضي مبتعداً عن جدران العظام ويصعد درجاً لولبياً آخر حتى يصل لاهثاً ويقف في الخارج فوق سطح الأرض، تحت مطر سماء باريس الخفيف. يدخل صيدلية قريبة ليشتري سائلاً معقماً، يغسل به يديه من كل آثار الموت القابعة تحت، وإن لم يلمسها!

***

في نهاية رواية كل الأسماء للكاتب البرتغالي “خوسيه ساراماغو”، راعي غنم، يبدل أسماء الموتى المنتحرين على الأكفان قبل دفنهم. هكذا يضيع جسد المنتحر في قبر آخر. يأتي الأفراد ويقرأون في الكتاب المقدس فوق قبر يظنون أن فقيدهم المنتحر دفن فيه. عندما يعرف “دون خوسيه” (الشخصية الأساسية في الرواية) بذلك، يستشيط غضباً من الراعي. هو الذي يسعى طول حياته لأرشفة المعلومات المتعلقة بالموتى والأحياء، يصرخ في الراعي. يسأله كيف يسلب من هؤلاء الناس من هم ملكه؟. يجيبه الراعي ما مفاده: هؤلاء منتحرون. انتحروا لأنهم أرادوا الفرار من هؤلاء الناس تحديداً. هذا القسم أمامك، قسم منبوذ من المقبرة. قلة من الناس تزور قسم المنتحرين هذا، حتى أنّ إدارة المقبرة لا ترضى أن تدفن المنتحرين قرب الموتى الآخرين. يقومون بتصنيفهم وهم موتى. يعاملونهم كموتى ناقصين. قد يكون ما يشبه هذا التصنيف وهم أحياء هو دفعهم للانتحار. ربما. لكنّ الأكيد أنهم هربوا من هذا الصخب المحيط. ولذلك، أساعدهم فأبدل أسماءهم. يحق لهم ببعض السكينة. يحق لهم أن يهربوا من الناس الذين عرفوهم وودوا أن يهربوا منهم. هنا يمسي كل منهم أشلاءً في قبر تحت أقدام زائر أتى ليراه وهو يظن أنه يعرفه. أنا أصنع شيئاً أشبه بالمواعيد العمياء بين ميت وزائر. وحده الميت يعرف أنه لا يعرف الزائر، فيما الزائر لا يعلم مطلقاً أنه يقف أمام القبر الخاطئ. لكن هل يعرف الميت تلك الحقيقة فعلاً وهو ميت؟

يصمت “دون خوسيه”، ولما يبتعد الراعي، ينام بين القبور، ويبدل بعض الأسماء بدوره قبل أن يعود إلى بيته حيث يدور مشهد الرواية الأخير.

***

هذا في الكتاب، أما هنا، في باطن الأرض، تربض كمية مهولة من العظام العائدة لستة ملايين باريسي، تكوِّن جدراناً لسراديب مشرعة أمام الناس.

من هم هؤلاء الملايين الذين صاروا عظاماً مشرّعة بلا أسماء تحت باريس، يتفرج عليها السواح، ويلتقطون لها الصور؟ كيف أمسى هؤلاء عظاماً بلا أسماء، من دون أن يطلبوا هم ذلك؟

تصعب الإجابة على أسئلة كهذه. تضحي فقط استنكارات فات أوانها.

+++

استعادة لمقالة قديمة نشرت في جريدة السفير.



يا رجل، كم أشتاق “للفلوكة”! تعرف “الفلوكة” طبعاً! لا؟ هذا القارب الصغير الذي تجد عدداً هائلاً منه راسياً في ميناء طرابلس. أبي يملك واحداً. يؤجِّره للسياح وللزائرين. هناك، على الجهة المقابلة للميناء، تجد هذا المحل الذي يبيع “السمكة الحرّة”. أقسم أنها أطيب “سمكة حرّة” تذوقتُها في حياتي. السر في التوابل، أظنّ. من الميناء، كنا نأخذ “الفلوكة” أنا والشباب حتى جزيرة الأرانب. صدقني إن قلتُ لك أنّ الماء هناك غير الماء. سآخذك غداً إلى بحيرة قريبة من هنا. لكن لا تخدع بمائها حتى لو كانت فرنسية. كنا نستلقي على طحالب صخر تلك البقعة الطافية المسماة جزيرة، ونأكل السندويشات. ننتهي من الغداء ثم نغطس ونلهو كأطفال.

أتذكر الآن وتبدو صور المشاهد بعيدة. مضى عامان على وصولي إلى هذه المدينة الفرنسية الصغيرة. عامان! هل تصدق؟ أنا نفسي لا أصدق. كأنها البارحة! إسمع. كيف وجدتَ البيتزا؟ هل أحضر لك بعض الزيت الحار لترميَه على سطحها؟ ثق بي. يترك مذاقاً طيباً. رش رش يا رجل. أكثرتُ لك الجبنة. صاحب المحل بخيل، لكني أزيد الجبنة من عندي. كُلْ. كُلْ.

في لبنان لم أكن أخرج كثيراً من منطقة الميناء. “بيروت” حتى بالكاد وطأتُها. أعرف فقط “الكولا”. يملك هناك قريب بعيد لي محطة للبنزين، وأعرف أيضاً “برج حمود”. فيها خَلقٌ كثيرون. على الأقل كانت الحال كذلك في زيارتي الأخيرة لتلك المنطقة. لساني لا ينسى مذاق سندويشاتهم الطيبة. ياه على السندويشات يا رجل. خرجْتُ من “طرابلس” إلى هنا وأنا ابن سبعة عشرة عاماً. ولدٌ لا يعرف “بيروت” يجد نفسه فجأةً في “فرنسا”. سامح الله أمي. لم تعلمني أن ألفّ سندويشة. لمدة أسبوعين أولين بقيتُهما هنا، ظللتُ آكل سندويش جبنة من تلك المطبوخة المعلبّة. أسبوعان! هل تصدق ذلك؟ كنتُ لمّا أتصل بهم، يسألونني عأحوالي، فأقول تمام. تسألني أمي ماذا آكل، فأروح أسرد لها أسماء طبخات فرنسية قرأتُها على لوائح الطعام المنصوبة خارج المطاعم، وأنا لم أذق إلا الجبنة. كنتُ أقتصد في المال لأنه كاد ينفذ. غلاء رهيب هنا يا رجل.

قلتُ حينها إنني أريد أن “أفلفل” رزّاً. وقفتُ خلف رفيق سكني المغربي، أحاول تعلم طريقة صنع الأرزّ. الملعون لم يرد أن يعلمني. أكثر من الخطوات. يروح ويجيء ويضع إصبعه في الوعاء لتحسس الأرز ثم يضيف الماء. فعلتُ عندها مثله، ولن تصدق كيف انتهى معي الأرز في النهاية: أرزّاً بماء! صرتُ أصفي منه الماء وأحاول تجفيفه لآكله!

في أيامي الأولى، كدتُ أصدق الأفلام العربية تلك التي تروي قصص شباب يضيعون في بلاد الغربة قبل أن أجدَ هذا العمل.

لكنّ كل ذلك بات من الماضي. اليوم، صرت أشهر طباخ بين رفاقي. يقصدونني لتذوق الأطباق اللبنانية، وإن كنتُ ما زلتُ غير راض على تتبيلة “السمكة حرّة” التي تخرج من بين يدي.

اليوم، أحمد الله على عملي في محل البيتزا هذا. صحيح أن صاحبه بخيل في الطعام لكنه طيب جداً معي. يقول إنني أذكّره بابنه الذي هاجر من فرنسا مع صاحبته. طلب مني حتّى أن أدير المحل لوقت كامل لأنه يريد أن يفتح فرعاً آخر في منطقة قريبة من هنا. رفضتُ رغم تأجيل دراستي هذا العام. إفهمني. لا أستطيع أن أدرس الطب وأشتغل. هناك مواد شبيهة بمواد التاريخ والجغرافية في منهاج الطب. كمية حفظ مهولة. سقطتُ في مادتين. لا أود أن أسقط عاماً آخر. سأعلـّق دراستي لسنة. سأكون بعدها مستعداً أن أكمل دراستي بخطى واثقة. بعد العام، سأكون قد جمعتُ مبلغاً محترماً من المال، وأستطيع عندها أن أنقص من ساعات عملي لصالح دراستي. لا أريد أن أتورّط كثيراً في هذا العمل. أحتاج شهادة لا مطعم بيتزا.

ياه يا رجل! لو أنني فقط أملك “فلوكة” كبيرة قوية، تقطع المتوسط! لو ملكتُها لكنتُ أبحرتُ فيها عائداً إلى “الميناء”. سأقضي هناك مدة قصيرة فقط، وأعود إلى هنا، فأنا ـ لسبب ما ـ لا أحب ذلك المكان إلا و… أنا خارجه!

ماذا؟ أنهيتَ صحنك؟ تريد حلوى بالشوكولاتة؟

سيدُ الحرب المتجهمُ، الذي يغزوه الرصاصُ، يجعلني أفكرُ بعدد أسياد الحروب المتواجد عندنا؟ أفكر بذلك وأعرف جازمًا أنهم أكثر من أن أعدهم على أصابع يديَّ، وقدميَّ .

“خلص، قررت!”. سأكتب غدًا روايةً افتراضيةً تنقصها العاطفةُ عن المدينة الميتة.

سأهدم بيروت فيها. بيروت الغربية فقط. لا أعرف بيروت الشرقية كما أعرف الغربية. وأنا لن أكتب إلا عما أحفظه، ولا أهدم إلا الأمكنة التي تعرفها قدماي حقَّ المعرفةِ. أنا لا أنتقم مما أجهل. لا يعني المستقبل شيئًا لي في رحلة الانتقام الخاصة هذه. الماضي والحاضر، هما ما يهماني. الواحد منا ينتقم من اللا مكتمل والمكروه أو من الجميل جدًا والفتَّان. أما أنا فلا يهم، في هذه العجالة، ممَّ أو ممَّن أنتقم.

كورنيش المزرعة، المنارة، الحمراء، كليمنصو، الكولا، المتحف، رأس النبع، برج أبي حيدر، الطريق الجديدة، قصقص، بربور، البسطة، النويري، البطركية، تلة الخياط، مار الياس، صبرا، الملاَّ، الدوارات، التقاطعات، المصلبيات..
كل ما سبق سيصبح ركامًا .

وسط بيروت. لـِمَ يقصف، يُهدَم، ثم يُعادُ إعمارُه؟ ثم يقصف، يُهدَم، ويُعادُ إعمارُه؟ ثم يقصف، يُهدَم، ويُعاد إعمارُه؟ ما هذه الرتابة؟

يُهدَمُ ولمرة أخيرة فقط.

المدينةُ خرابةٌ الآن. يغلب عليها اللونان الأسودُ والرماديُّ، ولا بأس بالقليل من الأحمر، ما دام بعيدًا عن مُحيَّاي. فوق، طيور بمناقير معكوفة تحجب السماء السوداء. تكاد أسرابُها تحجب لمعات البرق حتى. تحت، جثثٌ فائضةٌ من الباطن، وقوارضُ تقتات على لحمها المُشرَّع. بعضُ أعضاء الأجساد ظاهرة والأخرى مطمورةٌ. بعضها مُتصلِّبٌ والآخر مرتخٍ. يختلف الأمر من جسد لآخر. أحمرُ الأجساد يلطِّخ لونَ الخراب الرمادي في بعض الحالات، فيظهر غريبًا قويًّا. وفي حالات أخرى، يأخذ الدم يمتزج مع الرماد والتراب والغبار حتى يصبح أسودًا بدوره.

هنا مدينةٌ مفتوحةٌ للتجريب. تُجرَّبُ الأسلحةُ هنا. تدفع الشركةُ العالميةُ قدرًا للمال يتفاوت بحسب المساحة التي تطلبها، وبحسب نوعية الأسلحة التي تريد تجربتها.

أسلحة من كل الأنواع. الخفيف، المتوسِّط والثَّـقيل.

أسلحة من كل مكان: الولايات المتحدة الأميركية، المملكة المتحدة، فرنسا، إيطاليا، الأراضي المُـقدَّسة. النيوعراق، الجمهوريات والإمارات والممالك والخلافات الدينية الناشئة حديثًا…

مرحبًا بالجميع. مدينتنا مدينتكم، وكرهنا هو كرهكم.

موجز الأخبار المَحَـلِّيَّة؟ لا شيء جديداً. منذُ زمن بعيد لم يتغير شيءٌ يُذكَر، والنشراتُ تشكو من التكرار الرتيب:

حزبا الكتائب والقوات اللبنانية يعلنان استمرار عملياتهما المقاوِمة ضدَّ إسرائيل. الحزبُ القوميُّ السوريُّ الإجتماعيُّ يدعو لاحترام نهائية لبنان الكيان ويطالب بفتح ملفِّ اغتيال بشير جميل من جديد لإحالته على محكمة دولية. تيارُ المستقبل يطالب بالتحقيق في السياسات الاقتصادية منذ عام 1991 حتى عام 2005 ويطالب بالرأفة بقاتل رفيق الحريري. الحزبُ الشيوعيُّ اللبنانيُّ ينتقد في بيان للمكتب السياسيِّ من يهاجمون الهُويةَ اللبنانيةَ ويدعو لحماية السفارة الأمريكية من المندسين اللذين لا ينفكون يحاولون اقتحام السفارة، ويطالب باعتماد اللغة النيوفينيقية لغةً رسميةً أولى في البلاد. حزبُ الله يدعو لاحترام علاقات لبنان مع الدول الغربية الصديقة ويطالب بتنفيذ قرارات مجلس الأمن الأخيرة المتعلِّقة بسيادة لبنان. حركة أمل تشكل لجنات من المحامين المتحزِّبين لديها في سياق الدعاوى التي تقوم بها لملاحقة الفاسدين في الإدارات الرسمية. بقايا اليسار المنفلت من الحزب الشيوعيِّ يطالب بمعاقبة كل من تموَّل خفيةً من قبل تيار المستقبل. الحزبُ التقدميُّ الاشتراكيُّ يهاجم عائلة جنبلاط الإقطاعية، من مقره في بعلبك…

لذا، لا داعي لنشرات الأخبار. تُلغى بقرار رئاسيٍّ يصدِّق عليه مجلسُ الوزراء مجتمعًا. أصلاً مجلسُ الوزراء لم يعد موجودًا وكل الحركات والتيارات والأحزاب المذكورة سابقًا ممنوعةٌ من ممارسة نشاطاتها في المدينة الرمادية الوليدة.

هذا بلدٌ يحتاج رأسًا واحدةً. وهكذا ستكون روايتي، برأس واحدة.

عبارات الممالأة الحبية ممنوعة من التداول هنا. للتأكد قبل استخدام أيِّ عبارة، الرجاء النظر في الدليل الأصفر المتوافر بكثرة على الرفوف الزجاجية بجانبك. العقوبة تتناقص كلما ثبت أكثر مدلول العبارة السياسي، الطوائفي، المناطقي، العشائري أو العائلي.

هنا، لا مكان للحب المناسباتي. إلعبوا بعيدًا. هنا، مطرح للتنفيس عن مكنونات القلب والعقل. للمشي، الرجاء سلوك الممرات الزجاجية المارة في أرض الجثث. تستطيعون رؤية التجارب. تستطيعون أن تُحدِّقوا بالجثث، جديدها وقديمها، ولن يَراكُم أحدٌ من هناك. أنتم فقط ترونهم.

أمامك على اليمين زرreplay، وبقربه الترجمة العربية: “كي لا تنسوا أن تكرهوا”. اكبس عليه عزيزي المتنزِّه واستحضر الخناقة، المعركة، المجزرة، أو الحرب التي دارت ذات يوم في المكان الذي تطل عليه الآن في الخارج. اكبس عليه لتنهض الجثث الإلكترونية الخضراء في الخارج وتُعيد تمثيلَ الحدث المطلوب لدقيقة واحدة. الرجاء الضغط مرةً أخرى على الزر ذاته إن أردْتُم إطالة مدة الحدث العنفيِّ الأخضر.

ثمَّ ينطلق صوتٌ من أحد المُكَبِّرات المثبَّتةِ بتكرارٍ محسوبٍ بعد كلِّ مئتي متر:

“أهلاً بكم. أنتم في بيروت. الإثارة. المتعة. التشويق.”

وتتكرر الجملةُ من جديد بفارق خمس ثوانٍ عن سابقتها وبالصوت نفسه.

“أهلاً بكم. أنتم في بيروت: الإثارة، المتعة، التشويق. (..) أهلاً بكم. أنتم في بيروت: الإثارة، المتعة، التشويق. (..) أهلاً بكم. أنتم في بيروت: الإثارة، المتعة، التشويق. (..) أهلاً بكم. أنتم في بيروت: الإثارة، المتعة، التشويق. (..) أهلاً بكم. أنتم في بيروت: الإثارة، المتعة، التشويق. (..) أهلاً بكم. أنتم في بيروت: الإثارة، المتعة، التشويق. (..) أهلاً بكم. أنتم في بيروت: الإثارة، المتعة، التشويق. (..) أهلاً بكم. أنتم في بيروت: الإثارة، المتعة، التشويق. (..) أهلاً بكم. أنتم في بيروت: الإثارة، المتعة، التشويق. (..)”

عندها، أتمشَّى أنا وديالا في الممرات الزجاجية. نهرب من عبارات المُكَبِّرات المُعادة فنحشو آذاننا برقائق إلكترونية تزودنا بعبارات مُمَوْسقة من “الليل والعين” بتدرجات عدة يغنيها مغني مستشرق ذو لهجة لبنانية ركيكة، لزوم اللعب على أوتار أحاسيسنا. نتفرَّج على كلِّ ذلك، ونسمع كلَّ ذلك، ونحن نأكل الفول بالكمون أو كوزيْن من الذرة المسلوقة. ونرى أخيرًا لافتاتٍ معلقةً أعلى الممرات الزجاجية تُعلن: “الرجاء عدم اصطحاب مُثَـقَّفي المدينة البائدة، حاملي داء النوستالجيا القاتل”.

يا ليل.. يا عين.. يا ليلللي. يا ليل. يا ليلي يا عيني..

يندفع جسدٌ حيٌّ باتجاه الزجاج من الخارج ويأخذ يدق عليه، فلا نسمع شيئًا ونتابع سيرَنا. ويبقى هو في الخارج، تجحظ عيناه للحظة، تمسح يداه زجاجَ الممر وهو يتهاوى، ثم تبخُّ الطوافة فوقه الكلس الأبيض لتبعد جحافل القوارض عما بقي منه.

ثم تخفت الصورة.

تـ.. خـ .. فـ.. ت.

* إستعادة من “ما رواه النوم”، الصادر عام 2008 الذي يشبه 2009 الذي يشبه 2010 الذي ربما سيشبه 2011.

تذكرت اليوم سؤالك الاستنكاري لي قبل أسبوع: “كيف تحولت علاقتنا إلى علاقة خبرية؟”

تذكرت كيف صرتَ تسألني أسئلة مقفلة وأجيب أنا بأسئلة أكثر إقفالاً.

ثق أنَّ الأمور بيننا لا تنتهي ولا تتوقف. هي -فقط- تسقط. ولأكن أكثر صراحة: علاقتنا الآن في حالة سقوط، لكنه سقوط شديد ومريب في سرعته. قبل، كنتُ أثق دائماً أن السقوط هذا سيتوقف قبل بلوغه الأرض، تماماً ككابوسك الشهير. الآن أخاف أن أن أرتطم بالأرض، بل أن أتجاوزها حتى للأسفل.

هناك شيء ما هذه المرة مختلف عن عراكاتنا السابقة.

إسمع. فكرت. لا يجب أن تنتهي الأمور على هذا النحو. أنتَ صفقتَ باب البيت خلفك، بعد أن خرجت، وأخذ الطفل تواً يصيح بشكل جنوني من غرفته المطلية جدرانها باللون الأزرق. هرعت إليه وهمهمتُ له، وغنيتُ له بصوتي البشع -الذي لطالما أثنيتَ عليه- فنام. يقولون أن الأولاد يحبون غناء أمهاتهم، كيفما كان. ربما هذا صحيح. فكرت، وقررت: سأعود إلى منزل العائلة.

تستطيع أن تمر متى شئت لتصطحب الولد. تعرف أنني لن أمنعك عنه.

أنا الآن في السيارة في طريقي إلى منزل أهلي. لا أعرف لِمَ أخبرك كل هذا. ربما لأثبت لك أن علاقتنا، في الأزمات، تتملص من خَبَرِيّتها؟ ربما؟

لستُ واثقة.

الولد يتململ في المقعد الخلفي المخصص له. الآن، أنتبه أنها المرة الأولى التي أترك لك رسالة على المجيب الصوتي لخليويّك.

وقف هيثم في الصالة الواسعة، يتأمل ما أحاط به من أثاث: كنبات بنية، أرائك ضخمة، طاولة من الزجاج تتوسط الكنبات، وباركيه فاتح اللون يغطي الأرضية حتى باب الشرفة الألومينيوم. لمح انعكاس وجهه أمامه على زجاج النافذة التي تشرف على مقبرة السوديكو. يكاد لون الورم يختفي، أما الجرح فاندمل قبل يومين. رشف رشفة من كوبه، وشعر بالكافيين يثير في جسمه قشعريرةً استمرت لثوان.

قبل أسبوع، قالت له:

«كنتَ مخمورًا، تتلقفكَ أذرع أناس مخمورين مثلك. رقصْتَ وصرختَ ولم تفارق القنينة الخضراء والكأس يدك. وفيما كنتُ جالسةً إلى البار أنتظر صديقةً وأتابع ما يجري حولي، رأيتُك تأخذ كأسًا من على صينية مارّة. شربتَها دفعةً واحدة وأعدتَها إلى الصينية واتجهتَ نحوي. جلستَ بجانبي من دون أن تستأذن، وافتتحتَ حديثًا بدا لي في تلك اللحظة غير ذي معنى. سألتَني عن أشخاص لا أعرفهم، وتحدثتَ معي في المعادلات الرياضية، والاحتمالات، ونسبة الخطأ المقبولة في عالم الرياضيات.

ثمَّ، وقبل أن أشرع بالإجابة عن أسئلتك التي لم أفهم معظمها، شددتَ ذراعي مخترقًا كل الحشد الراقص ووجدتُني معك بعد دقائق في الشارع. لا أعرف كيف، ولا تسألني مزيدًا. أخذنا نخترق أرتال السيارات المزدحمة حول الفنادق التي توزعت على جانبي ذلك الشارع العريض، في منطقة عين المريسة. بالنسبة لمنتصف ليل، كانت الزحمة خانقة. عرفتُ في اليوم التالي أن كرنفالاً ما كان مقامًا على رصيف الكورنيش البحري القريب.

كنتَ مندفعًا تجرّني وراءك. شعرتُ بالخجل أكثر من مرة: امرأة يجرّها ولد. لا تزعل مني إن اختصرْتُ كل ما حدث تلك الليلة بهذه الجملة. هي فعلاً تعكس حقيقة ما حصل. أنا لا أذهب عادةً إلى مثل هذه الحفلات. لستُ اجتماعيةً بهذا القدر. تلك الليلة كانت استثناء. دعيتُ من قبل صديقة. أصرَّت علي، وانتهى بي الأمر مغادرةً – قبل أن أراها- معك! لكأنّ كل شيء كان يمشي وفق خطة مرسومة.

ستسألني: لماذا لم أتملَّص أو أصرخ أو أفعل أي حركة تخلصني من قبضة يدك؟ لا أعرف لِمَ طاوعتك. ربما طمأنتني طريقة تصرفك. شيء ما في داخلي كان يقول لي إنك لستَ مخيفًا. أعذرني إن كنتُ أطلق أحكامًا عليك. أنت أردتَ أن تعرف كل ما حصل، وأنا أستعيد معك كل التفاصيل.

كنتَ ضائعًا. تقول لي: «تعالي»، وتتقدم. ثم تتوقف للحظات، ناظرًا حولك كمن أضاع طريقًا وأراد إعادة استكشافها. ثم تعيد «تعالي»، وتندفع، قبل أن تتوقف لتنظر حولك من جديد.

اخترقنا صفوف السيارات بصعوبة، عدة مرات. كانت أصوات أبواقها تصم الآذان. وفي مرة، تقدم سائق معيقًا المرور بين سيارتين، فما كان منك إلا أن صعدتَ على مقدمة سيارته، ووقفتَ تغبّ ما تبقى من شراب في قنينتك الخضراء. كنتَ قد أفلتَّ يدي. ثم التفتَّ إليّ ودعوتَني بحركة من يدك. «تعالي» تحولت «اطلعي». قطعًا، لم أكن لأفعل.

جنّ جنون السائق. ترجّل وهو يشتمك ويدعوك للنزول، فلم تمتثل. أجبتَه كمن يحاور خيالاً: «إنت اطلع». اجتمع الناس للفرجة، فيما أنت مشغول بالقنينة وبدندنة أغنية مصرية قديمة لم أكن قد سمعتها قبلاً. دعاك السائق للنزول مرة أخرى. لم تجبه. لم تكن تسمعه، بل لم تكن تريد أن تسمعه. استشاط غضبًا مع تجاهلك له. صارت شتائمه أقذع. تجمّع حولكما شبّان يحولون بينكما، وأنت تنظر فلا تفهم ما يجري، حتى أخذتَ تضحك. كانت قبضة السائق الستيني أكثر إصرارًا من قدرة الشباب على الفصل بينكما، فإذا بك بين يديه، فيما الشباب يحاولون إبعاده عنك. لكمة، ولكمتان، ودم سائل على الأسفلت، كانت كافية لكي يستولي عليّ شعوران بوجهتين متضادتين: الهلع عليك والإحساس بالذنب لإذعاني لك.

بعد أن حملك الشبّان وأبعدوك عن الرجل الذي أقلع بسيارته في الطريق التي انفتحت أمامه، متابعًا السبّ، أصابني الجمود. ها أنا مع شاب ملقىً على الأرض، والدم يسيل من وجهه، فماذا أفعل؟ كنتُ كمن استيقظ لتوه على مفاجأة، بعد نوم عميق. على الفور، اتصلتُ بسائقي الذي كان على مقربة، فترك السيارة مركونة على الرصيف وأتاني مهرولاً إذ أحسّ بهلعي. تساعد هو وبعض الشبان على حملك، وتبعتُهم أنا حتى مدّدوك في المقعد الخلفي للمرسيدس. هل حدث كل هذا تلك الليلة؟ في نصف ساعة؟ عندما أستعيد ما حصل، أكاد لا أصدق أني مررتُ بكل ذلك ما إن قررتُ أن أشارك في سهرة «اجتماعية». ما الذي أتى بي إلى هذه السهرة!! لكأنني نلتُ «عقابي» على خطوتي غير الاحترازية تلك. خطر لي ذلك أكثر من مرة، أثناء نقلك إلى منزلك، لكنني لن أطيل عليك بتفاصيل خاصة بي لا تهمك.

بين صحوك وفقدان وعيك في السيارة، كنتَ تهمس بجمل غير مفهومة. «وين بيتـَك؟»، سألتُك أكثر من مرة. جاءتني إجاباتك كلماتٍ غير مترابطة، إلى أن ذكرت محل السمانة أسفل بيتك. «حافظ راس بيروت عن الغيب»، قال سائقي، موضحًا أنه يعرف ناطور تلك البناية، وسيتحقق من كونك تسكن إحدى شققها.

حاولتُ تضميد جرحك السطحي بالشاش والسبيرتو اللذين أحضرناهما من صيدلية على طريقنا، صرختَ ما إن لمس المطهّر جرحك، فتوقفتُ عن تضميدك. ظللتَ تصحو وتنام، حتى ونحن نحملك إلى شقتك في بنايتك التي لا تحوي مصعدًا ولم يصحُ ناطورها على جلبة دخولنا. ذراعك اليمنى على كتف السائق واليسرى على كتفي. درجات مكسورة كادت توقعنا أكثر من مرة، تحت ثقل وزنك. عندما وصلنا إلى الطابق الذي ذكرتَ رقمه وأنت نصف واعٍ، وجدنا شقتين. كنا أمام احتمالين، أحدهما مصيب والآخر قد يتسبّب لنا بفضيحة. دسست يدي في جيب بنطالك وأخرجت المفتاح. شيء ما قال لي إن الشقة الغربيّة هي شقتك. فباب الشقة الشرقية كان يفصح عن اهتمام عائلي: دواسة نظيفة على الأرض و«God bless our sweet home» معلقة فوق الباب. أدرت المفتاح في قفل الباب، فانفتح مظهرًا شقتك الصغيرة»…

وصفت يمنى ما حدث لهيثم وهي جالسة في شقته، على كرسي المكتب، معطيةً ظهرها لستارة النافذة. أشارت له أكثر من مرة إلى أماكن في الشقة: «هنا كدتَ تقع وأنت مغمىً عليك. وهناك، عند باب الخزانة المفتوح، رميتُ حذاءك الذي ساعدتك في خلعه. وعلى طرف هذا السرير حيث تجلس الآن، وضعَك السائق. وأنت مستلقٍ هنا، سحبتُ الخليوي من جيبك واتصلت برقمي لأحصل على رقم هاتفك. أردتُ أن أطمئن عليك لاحقًا. في اليوم التالي، كنتُ أفكر بالاتصال بك، لكنك سبقتـَني برسالتك النصية».

هل قالت له كل هذا الكلام بهذه الطريقة؟ بالطبع لا. هو يميل إلى تنظيم أفكاره، إلى إعادة تركيب ذلك المشهد المفقود من ذاكرته، وحديثها، وكل ما حدث له. هو فقط ينظِّف فوضى رأسه بالاستعادة.

تحدَّثت يمنى كثيرًا في لقائهما الأول، واكتفى هو بالاستماع. اللقاء الأول الذي بدأ صامتًا في مقهى «ليناز» آخر شارع الحمرا، انتهى بكلام كثير في شقة هيثم. فبعد سلسلة من الرسائل النصّية التي تبادلاها، هو من كرسيه في الزاوية المعزولة في مكتبة يافث، وهي من مكان ما من شقتها الواسعة في منطقة السوديكو، اتفقا على اللقاء في «ليناز». سيطر الصمت على النصف الأول من اللقاء، فاكتفى الاثنان بارتشاف القهوة وتبادل الابتسامات والأسئلة ذات الإجابات الجاهزة. وعند اقتراب اللقاء الباهت من نهايته، سألها هيثم عمَّ حدث ليلة الجمعة. السؤال الأساسي، مدعاة اللقاء، جاء في النهاية. وقفَت يمنى تدخِّن سيجارة جولواز خارج باب المقهى، لكن هيثم لم يكن ليترك اللقاء عند هذا الحد. «بيتي قريب، منشرب فنجان قهوة تاني»، قال.

وهكذا كان.

مر يومان. صارا يلتقيان ليلاً. بعد قيلولة الساعتين المعتادة التي تلي عودته من الجامعة، ينتظرها عند باب بنايته بثيابه الرياضية، وتمرّ هي بسيارتها المرسيدس التي تقودها بنفسها، فيصعد ويتجهان إلى أحد المطاعم في الحمرا، أو الأشرفية، أو الجميزة.
في اليوم الثالث، اتصلت به وطلبت منه أن يرتدي بزّة رسمية، من دون أن تفصح عن سبب لطلبها هذا. امتثل وانتظرها كالعادة، أسفل البناية. مرت واصطحبته إلى وسط البلد، إلى أحد المطاعم الفاخرة التي لم يكن هيثم ليطأها أبدًا.

أخذ النادل يستعرض أمامهما مزايا لحم «الواغيو» نصف المطهوّ، أصله التاريخي، ما يفرّقه عن لحم البقر «العادي»، وكيفية انتاجه. أصغت يمنى باهتمام، فيما أحس هيثم أنه في حصة مدرسية، أو في دورة ترويجية لمجموعة من المجوهرات «السينييه». كل هذه المحاضرة عن لحم بقر؟ عندما ملَّ مداخلة النادل المخروقة باستفسارات يمنى، سحب علبة السجائر من أمامها، أخرج سيجارة وأشعلها.

فكّر أنه سيسعل عند مجّته الأولى. كان قد فعلها مرة أو مرتين، مراهقًا، ولم يعجبه طعم السيجارة آنذاك. الآن، يعرف أن الأمر يعتمد على نوعية السيجارة نفسها. هو الذي نجا في مراهقته من عادة التدخين، مع مَن مِن أصدقائه دخِّن في تلك المحاولات اليتيمة؟ عندما حاول أن يتذكّر، وجد ألا أصدقاء له ممن يدخن معهم سجائر في حمام المدرسة، أو يتبادل وإياهم صور نساء مقتطعة من المجلات.

سألته: «شو؟ واغيو؟» فأجابها: «متل ما بدّك. واغيو، واغيو».

سألها إن كان قد ردّد اسمًا ما وهو مخمور ليلة العراك، فأجابته بأنها روت ما تذكره من تفاصيل، مضيفةً أنه تكلَّم كثيرًا وهلوس ومن الاستحالة بمكان أن تتذكر كل ما قاله. أخبرته، بما يشبه حركة التعاضد بين ضائعين، أنها سكرت مرة واحدة ضمن شلّة أصدقاء، وألقت قصيدة أندلسية لـ«ابن زيدون». «أضحى التنائي، أتعرفها؟»، قالت، فأجاب بالنفي.

- مقطع من رواية «نابوليتانا» الصادرة عن «دار الآداب» و«محترف كيف تكتب رواية»، وتوقـَّع في معرض بيروت العربي الدولي للكتاب الأربعاء 15 كانون الأول بين الساعة الخامسة والثامنة مساءً



حضوركم يشرفني

Event on Facebook available on this link.

أيقظني كلامكِ لما لمحتـُه مكتوباً في الكتاب الذي نفيتُه على رف المكتبة في خيار مازوشي أكرره دائماً. أعلنتِ كتابةً أنكِ “في مقهى رصيف في شارع الحمرا، تتلصصين على المشاة وعلى المتجر المستحدَث الذي يبيع السلعة التقليدية بـ”نصف سعر الأصلية” وأنك “تشربين فنجان قهوة مرة”، لو شربتُه أنا “لاقشعر” له بدني كله.

استخدمتِ هذا اللفظ تحديداً: “إقشعرّ”.

***

صفحتان، ثم: “أضفتُ السكر إلى فنجان القهوة الثالث. أحتاج أن أتوقف عن شرب القهوة. والسكَّر لطالما نجح في إبعادي عنها حتى.. الظهيرة”.

لذيذٌ هذا الكتاب بتعليقاتِك.

***

الكاتب يحاول أن يبنيَ شخصياته وأنتِ: “أقف أمام “ملك البطاطا”. فايتة اشتري سندويشة”.

تذكرين البطاطا على هامش صفحات رواية، أحداثها تجنح بالشخصيات نحو مصائر دامية! وأنتِ، وبثقةِ غير القارئة لهذا الكتاب على الأرجح، تكملين بملاحظاتكِ: “أحتاج أن أشمّ عطرك الشهير الذي كنتُ أكرهه، ومنعتـُك أكثر من مرة من استخدامه. تعرف؟ أصبحتُ أحبه. كان يشبه رائحة البطيخ”.

الشخصية الأولى أصيبت بالسل، الأخرى خُطِفَتْ، والعقدة تجنح للتعقيد.

***

في الهامش تكمل العبارات: “لن تصدِّق. اليوم، دخلتُ دكان العطور الشهير آخر الحمراء، ورحتُ أطلب من البائعة أن تدعني أشم العطور “الرجاليّة” الأكثر انتشاراً. لم أعرف ماذا أقول لها. أريد عطر البطيخ؟ جعلتـُها تنزِل جميع القوارير من الرفوف ولم أجد غايتي. ساعدَتـْني في البدء لظنها أنها تتعامل مع زبونة “دفـّيعة”. لكني لم أجد الرائحة وخرجْت. كرهـَتـْني طبعاً. لا يهمّني. أنا في الباص الآن. أقطع الشارع المنحدر الذي يوصل الحمراء بالكورنيش. ما اسمه؟ كاراكاس؟”

***

في الرواية من جديد: مع الخاطفين. حوار الضحية والجلاد المتكرر. لِمَ يلجأ الروائيون والسينمائيون دوماً إلى مثل ذلك الحوار المضحك؟ غريب. الرؤوس تُقطَع يومياً من دون سابق إنذار في التقارير وعلى المواقع “الجهاديّة”. تَطبَّع المشهد، ولم يتوقف الجلاد في الكتب عن الشرح المستفيض لضحيته قبل قيامه بالأمر. وبدورها، تفنِّد الضحية لقاتلها المفترَض كل حديثه قبل أن يقتلها أو تتخلص هي منه!

***

في هامشٍ آخر: “فقدْتُ كاتب عمودي الصباحي منذ سنة. لم أغيّر الجريدة. فقدتُ كاتب العمود الثاني منذ ستة أشهر. غيّرت الجريدة. فقدتُ كاتبي المفضّل في جريدتي الجديدة منذ أسبوع. سأشرب القهوة بلا مصاحبة لأي ترويسة صحفيّة. ذاهبة للجامعة. حزينة أنا اليوم. أكرهكَ أيضاً. تحمّلني”.

باتت الرواية سخيفة، لكنّ تعليقاتكِ تستمر. يبدو أنكِ مللتِ من الكتاب أسرع مني فبدأت برصّ يومياتِك في هامش صفحاته.

***

قفزة إلى ما في الهامش الأخير: “دخلتُ اليوم البيت. وقبل أن أخلع ذلك الحذاء البني الذي تكرهه (“معليش، ولا يهمّك. أنا بْحبّو”)، شمَمْتُ رائحتكَ. حسبْـتـُكَ تختبئ في إحدى الزوايا لتفاجئني طامحاً في شتيمة معهودة مني. خطواتي البطيئة الحذِرة أوصلتني إلى الصالون حيث وجدتُ أختي تأكل.. البطيخ! أنا أبكي الآن، وأنا أكرهكَ”.

***

أغلق الكتاب وأشم ساعدي حيث تستظلّ بعضاً من رائحة جسدي. أركز. ماذا؟ بطيخ؟ أشم ثانيةً. فعلاً، بطيخ! هذه الرائحة من الكتاب أم من ساعدي؟

“أنا أملك رائحة البطيخ وأنتِ تأسرين ما تبقّى من كآبة تسعينيات شارع الحمرا. أشعر أنّ الشارع سيتجاهل أي حربٍ قادمة ويستمرّ في كآبته. سيتجاهل محلات الأحذية والمطاعم والمقاهي، ويكتئب أكثر. وسنبقى نحن نكتب الوهم عنه. عذرنا –ربما- أننا نحتاج شارعاً واحداً فقط، لا أكثر. وهذا الشارع –ربما- مثلنا. يمرّ قرب المأساة، فيكتئب، ويتابع حياته. في المأساة يكمل. يستقبل الاعلانات كلها ولا يتأفف. يترك المسلحين المثيرين للغثيان يمشون على أرصفته ولا يتذمر. الشارع مثلنا ونحن مثل الشارع، وهذا لا علاقة له بهراء الوجه-الفاضل-الذي-يجب-أن-تكون-مدينتنا-عليه. فات وقت الهراء، التلفاز والصحف تصدّر لي الأجوبة، وأنا لا أبارح مكاني، أطرح الأسئلة. تعرفين؟ عندما أرى الشوارع هنا، أتيقن أن الحمرا مجرد زاروب من زواريبنا. زاروب تتفرع منه زورايب، تتفرع منه زواريب. نحن نرقي الزاروب لأننا ننق له وينق لنا. نوهمه بالأحسن، ويوهمنا بالأحسن.

ما الأحسن؟ ما المأساة؟ ما الأحسن!؟”

أمسح بكفّيَّ شعري وصولاً إلى رقبتي في حركة سريعة، أرفع القلم للحظة، ثم أنهي الكتابة في هامش إحدى صفحات الكتاب. أقطع الطريق في هذه القرية الانكليزية الباردة، وأدخل المبنى لأعيده لكِ. وتحت واجهة المحل التي تحوي كلمتي: “Post office”، أؤمن بأنّ للبطيخ الكئيب رائحة.

في مجارير بيروت يا هلال، يسبح أكثر من كائن غريب. هل تتصور كل هذه الأسلحة والمواد المشعة التي لا نعرف عنها الكثير؟ لقد طمرتها الميليشيات المتناحرة خلال ثمانينيات القرن الماضي، بالقرب من مصبات المجارير في البحر. فكِّر في إمكانية اختلاط المياه المالحة بالمجارير. مدّ واحد من البحر كفيل بأن يُدخل بعضاً من هذا الماء المالح المشعّ إلى الفتحات تحت اليابسة. هناك أيضاً مواد غريبة عجيبة طمرها المقاتلون في اليابسة، فوق العظام واللحم المدمّى لضحاياهم. كلُّ طمر عظام أعدائه، وفوقها نفاياته وأسلحته. سياراتنا تمشي فوق أسفلت يحوي أجساداً وأسلحة ونفايات. هل تتصور مادة مشعّة، فوق لحم وعظم، ومع ديدان وحشرات قرب منزل لكائنات غير معروفة؟ هل تتصور هذه الكائنات تأكل أو تلمس مواد كهذه؟ إنّ هذا لا يمكن إلا أن يحدث تشوهات وطفرات خَلْقيّة قادمة في جنس الكائنات غير المعروفة هذه. لا تضحك. أنا لا أخترع شيئاً. كل هذه الفرضيات سبق أن كتبها وصوَّرها سينمائيون غيري.

والآن ماذا؟ أرغب بجعة محلية الصنع. ربما ألمازة. (هل هناك غيرها؟) أملك عدة قناني من تلك الخاصة بالإصدار الخامس والسبعين في براد المطبخ. يا زلمي، أكثر ما أحب فعله لدى شربي قنينة البيرة هو نزع الملصقات عنها. الآن، وأنا أنظر إلى الإصدار الخاص الخامس والسبعين من القنينة أوقف نفسي عن ذلك الفعل وأنتبه. هذه صور قديمة على البيرة. أنا أشرب قنينة مماثلة للتي كان يشربها آباؤنا. أشعر أني أمام تاريخ.. في قنينة. إشرب، إشرب. سنشرب من هذه القناني الخضراء، ونرميها على الشاطئ. سنتخيّل كائنات مخاطرة غريبة تهرع لشرب ما تبقى من جعة.

“نتخيل”؟ هل استخدمت الفعل الصحيح؟

أعرف أنك ستفرغ كل هذه التسجيلات فيما بعد. أنك ستعيد كتابة أحاديثنا مرة أخرى، بطريقتك الأدبية. وهذه المرة، ستضيف علامات الوقف في أمكنتها المناسبة، بعكسي. ستعيد وتؤخّر، وقد تمزج بين كلامي، وقصص الكائنات، وتتلاعب زمنياً بكل هذا. أعرف. أعرف أنك ستحذف الكثير، وقد تضحك عندما تعيد الاستماع لأحاديثنا. وستظن أني أكذب. وقد أكون كذبت عليك في مطارح أساسية من الحكاية فقط لدواعي التجميل وشدشدة الحبكة. لكن عذري أنّ تاريخاً وخيالاً (؟) كهذا لا يجب أن يخرج في حكاية مرتخية سقيمة نثقلها بدواعي الحكمة التي ستضيفها أنت غالباً على الحكاية أيها الكاتب الكلاسيكي حدَّ الملل.

تضحك؟

إسمع. قصدت، سجِّل. أنا لا أعرف مثلك أن أكتب رواية. لا أعرف كيف أصيغ كلماتي على نحو صحيح. أرتكب الكثير من الأخطاء الإملائية والقواعديّة. لا أعرف مثلاً كيفية استخدام الحركات ولا أدوات الوقف. أترك كل الكلمات تسبح بلا حركات، وأستعيض عن أدوات الوقف جميعها بالنقاط. هل تتخيل نقطة مكان علامة استفهام وتعجب؟ هل تتخيل فاصلة بدل نقطة؟ هل تتصور كل تلك اللا مبالاة الظاهرة في النص؟ يا هلال، أنا لا أكتب رواية. أنا فقط أعصر ذاكرتي لك. لم أفلح يوماً في كتابة يوميات، فكيف أكتب رواية؟ أنا فقط أتذكر لك ومعك.

عندما رأيتُ المسلحين يدخلون الشارع، ويصلون قرب المقهى، ركضْتُ لأختبئ في مبنى قريب. لم أعرف أنّهم سيتجهون لهذا المبنى تحديداً.

(الآن)

الآن، أروي كل شيء للمرة الأولى. أكلِّم نفسي، وأثبِّت المشاهد في عقلي. أحاول استعادة التفاصيل كي أفرّغها على الشاشة. الآن، أستعيد كل ما حدث. لكن هل يعني هذا بالضرورة أني نجوت؟ ماذا لو كتبتُ كل هذا بعد إصابتي بعاهة؟ بترت يدي أو رجلي، أو أصبت في قدمي مثلاً أو تركت رصاصة ما ندبةً لن تُمحى على جزء حميم من جسد؟ ثم ماذا لو كان غيري يصوغ الآن بلساني، وماذا لو كان يضيف أجزاءً متخيَّلة؟ وماذا لو كنت أكتب ما حدث من حيث أتواجد في حياتي الأخرى؟

(نحن لا نذكر أسماء الأموات)

تحدَّث بالعامية طبعاً. لكني سأجعله يتكلم الفصحى. “إن في ذلك إستلاب أكثر”، أفكر ولا أضحك.

قال: “إنهم يهربون كالعصافير”. ضحك، وبانت أسنانه. كانت بيضاء.

ربَّت على كتف زميله الصغير في السن مستطرداً: “أنت لم تكن في تلك الحرب. ما نفعله اليوم لعب ولاد. تمرين.”

جلس على تنكة خضراء كتب عليها “البقرة الحلوب”.

“أنا لا أنتقم من موتاي. من ذهب قد ذهب. أنا فقط اشتقت”.

“ما هذا؟ ألا ننتقم لشهدائنا إذاً؟” سأل صغير السن.

“انسَ الأموات. لا تذكر أسماءهم.” أجاب، ثم قام يتمشى.

“نحن لا نذكر الأموات، على الأقل ليس الآن، وليس هنا. أنظر هذه الآر بي جي. تلمّسها. يا الله ما أجمل ملمسها. سبحانك يا الله. سبحان العقل البشري”، أضاف، واقترب أكثر من حيث أختبئ.

(أنا خائف)

لديَّ اعتراف. كدْتُ أن أبوِّل على نفسي وأنا أرى المسلَّح يقترب من حيث أختبئ.

لديَّ اعتراف. خفت على كل الأشياء التي سأفوّتها ما إن يقترب ذلك المسلّح مني، ويشدني من ياقة قميصي، ويرفع بوجهه فوهة الكلاشينكوف، ويصرخ، فأتأتئ، فيصرخ، فأتأتئ، وأبوّل على نفسي، ومن ثم يعقد حاجبيه أكثر، ويطلق النار طارشاً ما في دماغي من دم ونخاع على الحائط.

بقي الكثير لأفعله. الروايات التي لم أقرأها والحب الذي لم أجربه بعد والطعام الذي لم أتذوقه، والمدن التي لم أزرها، وأفكاري الفانتازمية التي كنت أشتغل عليها مع محللي النفسي ولم أضعها موضع التنفيذ قط، واللغة اليابانية التي لم أتعلمها بعد، والأولاد الذين كلما ابتسموا في وجهي ألتفت بعيداً عنهم ولا أعانقهم.

لو رأيتُ ولداً الآن، لعانقته. لا. لبقبشتُه. لا. لحملتُه على كتفي ودرتُ به يضربني الهذر. أريد أن أشرب ماءً. لا. أريد قنينة بيرة خضراء اللون لأضعها أمامي وآخذ أشربها، ثم أمزق الملصقات عليها شيئاً فشيئا من دون أن أنزعها كلياً، وأنا أتابع الشرب!

أغمض عينيَّ، أعقد أصابعي. آخذ أتمتم بأرقام متعاقبة، وأنا أنتظر. سواد. صمت. صوت خطوات تقترب. 21، 22، 23… عليَّ أن أحلم.

(حلمت: أنا وهي على الدراجة النارية)

على دراجة نارية واحدة إنطلقنا. أنا في المقدمة وهي خلفي. أنا أقود وهي تشبك ذراعيها حول خصري. ساعداها يضغطان على بطني أكثر عند كل منعطف. تطير الدراجة فوق الخراب. لا نرى المسلّحين، لكننا نشمّ روائحهم المختلطة بالبارود ودهان الشعارات الطازج على الحيطان.

تحفر الدراجة طريقها بين قوافل الجرذان والحشرات، تفسح الحيوانات الطريق لنا، وتقفز الدراجة فوق المطبات الرملية وبقايا الخشب والدواليب المشتعلة.

هنا، وقف مسلّح قبل قليل. أستطيع رؤية آثار جزمته المغروسة في بقايا الطين.

من هنا، مرَّ بعض الفارين. أرى بقايا سندويش قد يكون سقط من طفل، ولا أستطيع تبين محتواه.

المحيط صامت إلا من همهماتي، وهمهماتها. المحيط صامتٌ، صامت.

ثم تتكلم هي فجأة. تسخر من ذاك الفيلم الشهير وهي تتمسَّك بي جزعة. “أنا ملكة العالم”، تصرخ. تضحك بهستيريا وأرافقها الضحك.

يتعالى الضحك الهستيري فنتأكد من تعاظم الصوت أنَّ أحداً غيرنا يشاركنا القهقهات. في تلك اللحظة، يمر مسلّح في سيارة دفع رباعي بالقرب منا، ويطلق النار في الهواء ابتهاجاً، ويصرخ. ثم يأتي آخرون من الجانب الآخر في سيارات أخرى. نصير في منطقة عصابات. يتباطأ المشهد عندي، وتتعاظم ضحكات المسلَّحين حتى تستولي على كل الأصوات. أرى الرصاصات تفرّ من المشط فارغة وتتناثر على الطريق حولنا من دون أن تصدر أي صوت.

ثم تعود الحياة إلى سرعتها الطبيعية بعد ثوان ما إن يتخطونا. أجدها تتمسك بي أكثر، أطمئنها أن المسلّحين جزء من لا وعيي، لكني أعرف أن الحلم انتهى، فلا أتمادى، وأفقش بإصبعي يديَّ اليمنى، ليختفيَ كل شيء.

(فلنلمّ الرصاصات)

نظرَتْ إليّ الفتاة. مدَّت يدها، وقالت لي: “راحوا… اضهار”.

توقعقتُ في زاويتي لدقيقة، أتلمّس أجزاء من جسدي. تفحَّصتُ كل جسمي بالنظر، ثم باللمس الكثيف، ونظرتُ إليها. بدورها، بادلتني النظرات. تحرّكت قليلاً ناحيتها مستجيباً، فأعماني الضوء وراءها. كنت كلما تقدمت، أحسست أن عمايَ يزداد، لكني واصلت الخطى حتى وجدت نفسي في الخارج.

كان الشارع فارغاً من الناس. وحدها الفتاة كانت هناك. تنحني، تلمّ رصاصة، تضعها في كفها، وتباشر عيناها البحث عن رصاصة أخرى على رصيف مقابل.

سمعْتُ صوتاً من بيت أرضي كنت أتكئ إلى شباكه: “فلّوا؟”، سأل الصوت.

من النافذة، بانت لي عجوز في السرير. أغلب الظن أنها مقعدة، فكرت. سريرها تحت النافذة. مقدمته تحت النافذة، طرفه الآخر في اتجاه الحائط. رأسها لجهة النافذة، ورجلاها ناحية الحائط المواجه.

“إيه ، فلّو يا.. إمي. فلّو.”، أجبتها.

سمعْتُ صراخاً، حولْتُ نظري  إلى الشارع من دون أن أتحرك، لأجد الفتاة إياها تهلِّل بجنون فوق بقايا الرصيف، مع مواصلة جمعها للرصاصات المرمية. فكّرت: هل ستضع تلك الرصاصات في ألبوم، تذيِّلها بأقوال لبعض الكتاب أو بمقتطفات من الشعر المجهول؟

تغيرت صورة الفتاة عندي. لم تعد تلك التي مدّت لي يدها قبل قليل. تحولت أمامي  فجأة إلى زومبي ميت يمشي ويقتات من البقايا. ماذا حصل؟ ولماذا تبتهج؟ هل هي مع أحد أطراف النزاع، أم أنها فقط جنّت لمدة محدودة؟ لا أجد أجوبة لأسئلتي، ولا يساعدني تحديقها الصامت فيّ، قبل أن تتابع طريقها كأنَّ شيئاً لم يحدث.

كان وابل الأسئلة يمطر رأسي بصداع مستحكم: كم بقيتُ محتجزاً في ذاك المكان؟ ليلة؟ أكثر؟ أقل؟

انتبهتُ، وأنا واقف، أن بنطالي يلتصق بفخذي الأيمن. أحنيتُ نظري. وجدت القماش في ذلك المطرح أكثر دكونة. لقد بولتُ على نفسي خلال نومي. هل حصل ذلك لحظة مر المسلّح بجانب دراجتي؟

خطوتُ خطوتين، واتجهت ناحية بيت العجوز.

(في بيت المرأة العجوز)

دلتني بإصبعها إلى الغاز. فتحتُ الخزائن فوق المجلى. وجدْتُ لها ظرفَيْ حساء من هذا الذي يذوب سريعاً في الماء. حضرْتُ لها حساءً. بكيتُ من غير أن أعرف السبب، لكني تفاديتُ أن يسقط دمعي في الوعاء. استغرق تحضير الحساء عشر دقائق. سكبتُه في صحن غميق، ووضعته على صينية مع ملعقة ورجعتُ به إلى سرير العجوز. شكرتني وطلبت مني أن أضعه على الطاولة المدولبة المخصَّصة وأن أقربها ناحيتها. فعلت، وهممتُ أن أرفع الملعقة إلى فمها، لكنها أخذتها مني وأخذت تأكل بنفسها.

“ليش كنت عم تبكي يا ابني؟”، سألتني وهي تنظر إلى وجهي.

لم أجب.

توقفَت عن الأكل. طلبت مني أن أفتح الخزانة، فنفذتُ رغبتها. أشارت إليَّ أن أسحب بنطلوناً وقميصاً. فعلت وعدتُ ناحيتها بهما.

“هاو تياب ابني قبل ما يقتلوه. فيك تلبسهن”، قالت.

“فوت تحمم، وغير تيابك”، تابعت مؤكدة وهي تشير لي إلى الحمام.

(كلما اتسعت البقعة)

وقفتُ أمام المرآة. لم أرَ إلا الهالات التي أحاطت بعينيّ. بدا منظري مريعاً. أنا نفسي جفلتُ لرؤية كهذه. خطر لي أني كبرْتُ فجأة. فجأة؟ في دقائق خمس؟

صرت أرى ما بقي من القميص مجعلكاً أكثر. وجدتُ المرآة تتسّخ أمام ناظري. لمحتُ قرون استشعار الصراصير تخرج من فجوة البالوعة في زاوية الحمام. حدّقتُ بقطع البويا المتساقطة في سقف الحمام، وبالبانيو الأبيض المصفرّ، وبالستارة النايلون الرطبة، وتابعتُ سرب النمل الماشي على المعجون الذي يغلق الفجوات في الخط الفاصل بين بلاط الأرضية وبويا الحائط.

صار المالح يسيل من عيني، وأنا أنظر إلى الملابس التي علقتها لدى دخولي الحمام. بدأ الأمر برؤيتي لبقعة دم واحدة في وسط الثياب الداكنة، وما لبثت الثياب أن تلوّنت بكاملها. ثم أخذت تقطر دماً سرعان ما وجد طريقه إلى فجوة البالوعة القريبة قرب قدمي.

(“سيجارة 8″)

“الله يرضى عليك”، قالت لي العجوز. أومأُتُ بابتسامة مصطنعة، ولم أجب لفترة، قبل أن أتركها معلناً: “لازم روح هلأ يا ستي. برجع بمرق عليكي بتطمن”.

خرجت ثم سرت وحيداً إلى الرصيف المقابل. كنت كلما مشيتُ أكثر، ثقل رأسي أكثر، حتى وصلت إلى دكان السمانة، ودخلتُه لأشتري علبة مارلبورو أبيض لايت، وتابعتُ الصعود ناحية شقتي.

وهناك، على الشرفة، مججتُ مجة واحدة من سيجارتي الثامنة (في حياتي كلها). دونتً على دفتري القديم ذي الصفحات الفارغة تاريخ اليوم وعبارة “سيجارة 8″.  ثم وضعت الدفتر جانباً، مججت مجة ثانية من السيجارة، ثم ألقيتُها سريعاً في الشارع، ووجدت نفسي أهرع لكرسي الحمام لأفرغ ما في جوفي. تقيأتُ قليلَ ما أكلتُه عند العجوز ذاك النهار، وبعض العصارات.

ثم جلست. فكرت بسيجارتي التاسعة، بتقيؤي المقبل، وبها، وابتسمْتُ.

(الساعِد المنظار)

قلتُ لها: “سآتيكِ بزغلولة!”

نظرتُ إلى السماء، ورأيتُ أسراب الحمام تحوم فوق بيروت. “يا حمام يا مروح بلدك متهني”، سكبت السماعات في أذنيّ. زغاليل، زغاليل فوقي، والأغنية تتابع طنينها في رأسي، حتى كدتُ أرى زغلولةً تهبط على باطن كفي لتلتهم حبّاً لا أعرف من أين أتى.

مرت أسابيع: صرت أنتقل كما الطائر الذي يلحق الفتات على سطوح البنايات. حفظتُ أصوات صفرات كشاشي الحمام. أبو أحمد الكشاش صار يشتمني من البناية المجاورة.

أعرف أني ذات يوم سأعيش قرب الحمام الجاثم على أحد السطوح هنا، وسأنظر إلى تحت، حيث تحترق المدينة من دون توقف، فلا أحرك ساكناً، بل أدخن سيجارة. ما يكون رقم تلك السيجارة عندها؟ وهل أكون اعتدت التدخين فلا أعود أتقيأ؟ وستكون هي معي في تلك اللحظة، تهتم بزغلولتها؟

سأقول لها: أنظري إلى المدينة من هنا. أمد ذراعها وأنا أحضنها من الخلف، فأتحكم بالاتجاه الذي يشير إليه ساعدها الممدود. ذراعانا ستعملان كمنظار. أضغط على ساعدها متجهاً للجهة الأخرى. ندور نصف استدارة. ساعدي وساعدها يصيران واحداً. ندور ببطء وأقول لها:

“انظري. هنا سيقتل الشيعة والسنة بعضهم ذات يوم. وهنا سيذبح المسيحيون بعضهم. وهنا في هذه البيوت الفقيرة الواطئة، حول الأبراج، سيتعارك العمال الأجانب ويقطعون أوردة أعناق بعضهم بالسكاكين لتحصيل أموال بعضهم القليلة أصلاً. سترين بعدها غيماً من الدخان الأسود هنا، وهنا، وهناك، وأيضاً هنا. الحريق تحت، والغيم يصعد نحو السماء ويمشي ببطء حتى يغطي المدينة بأكملها. ثم ستمطر فوقنا مطراً صيفياً غريباً. فتغسل بعض الحرائق من دون أن تخمد أكثرها، وتذهب بدم الشارع إلى مجاريره”.

لن تنطق بكلمة. ستغمض عينيها أحياناً، وتنظر مباشرةً في عيني أحياناً أخرى، لكنها لن تنظر قط إلى حيث يؤشَّر ساعدانا. لكأن المحيط لا يعنيها، أو لكأنها تخاف هذا الارتفاع فتتجاهله. لكأنها لا ترى البيوت وأسلاك الكهرباء تغزو الارتفاع الذي يفصلنا عن البيوت.

أنظر إليها، ثم أنظر وراءها. في أفق المشهد أرى سلسلة الجبال الغربية، وأكتشف أن الثلج لم يذب بعد.

(الأحداث)

لديّ مقابلة تلفزيونية بعد ساعة. فيها، سأقرأ قصتي القصيرة الجديدة رغم أني لم أنه تأليفها بعد. لا بأس، قلت. سأتابع كتابتها على الطريق. ظللت لساعة أكتب مقاطع غير مترابطة لم تضف كثيراً للقصة الأم. بدت المقاطع انعكاساً لارتباكي الشخصي الذي تفاقم عندما اختفت هي من الشقة من دون أن تترك أثراً. بعد محاولات، قررت أن أتوقف عن الكتابة، ضببتُ كمبيوتري الصغير جداً في الحقيبة وترجلتُ من السرفيس ماشياً باتجاه مبنى القناة. بقي رأسي ضاجاً بالتفاصيل. فوجئت بالجرذان تهطل من معطفي. ركضتُ وتابعتُ افراغ الحمولة بلا اهتمام. نظرت إلي الجرذان قبل أن تمضي كأنها تشكرني على تحريرها. خيَّل إليّ أن وجوهها تشبه وجوه أناس أعرفهم. عندما وصلت الاستديو وجلست على الكرسي أمام المذيع خيَّل إلي أنه يمتلك رأس أحد الجرذان إياها.

فكرتُ أني لست جاهزاً. عزمت أنه لو سألني عن الأحداث لتجاهلت سؤاله، ولو استدرجني إلى موقف وطني رخيص لأبَيْت مجاراته. كنت أكرر في عقلي أن الأمر ممل، ولا يستحق، ومعاد، ويحصل كل عام. هذه أحداث فقط. ليست حرباً. أخذت أقنع نفسي أن الأحداث هي المدينة واقفةً عند الحافة، تقفز فينطلق العداد وتتراكم آملاً في صناعة حرب، وفي كل مرة تفشل في صناعة الحرب إياها كما فشلت دائماً في كل الأشياء فيما عدا الانتظار. أكدتُ لنفسي وأنا أشرب من كوب الماء التي وضعه أمامي العامل أنّ الأحداث لعب ولاد، واثبات هويات. أنها حتى لو كانت حرباً حقاً، فهي لا تستحق مني التعليق. ألا يكفي أني أكتب عنها كل يوم؟  لحظتها خطر لي: ألا يجدر بيّ أن أتوقف عن كتابتها، وأن أشرع بكتابة شيء هلامي يسرقه المراهقون من على رفوف المكتبات؟

تباً، كيف أوقف كل هذا التتالي في الأفكار؟ كيف أوقف فيض الخيال هذا؟  متى تتوقف الجرذان عن الهطول من معطفي؟ هل أكون تحولت إلى جرذ في شاشات المشاهدين؟ ابتسم لي رأس الجرذ قربي وبدأ مقدمته. من مقعدي، لم أسمع من مقدمته إلا كلمة واحدة تتكرر بلا توقف. كلمة كبيرة لا أذكرها الآن. حاولتُ تلمس وجهي لأتأكد إن كان لا يزال على حاله، ثم فكرت بها، وبحياتي الدائرية المقفلة. هل تشاهدني الآن؟ هل ستفكر كما قرائي المجهولين لحظة يلتقون بي وجهاً لوجه للمرة الأولى؟ هل ستقول من مكانها على الكنبة: “لم أحسبك هكذا”؟

رأيت المذيع ينحني مربتاً على ساعدي سائلاً: “هل أنت بخير؟”.

أومأت مبتسماً بالإيجاب. أعاد الجرذ طرح السؤال، فارتكبتُ كعادتي الإجابة الوطنية الرخيصة ذاتها.

كارتون في الطائرة

“رسم الكارتون كان يرضيني أكثر، عندما كنتُ أكره عملي النهاري”.

أنظر إلى العبارة المخطوطة على قفا حذائي، وأتذكر أني اشتريت هذا الحذاء البني العادي جداً من أجل هذه العبارة تحديداً، رغم أن أحداً لن ينتبه لها إلا بعد التدقيق في قفا إحدى الفردتين.

الكل حولي نائم. فلأعيد الكتابة: باستثناء الرجل الأميركي الضخم الذي يجلس إلى يساري، فـ”الكل” فعلاً مستغرق في النوم.

استيقظت للتو، ولسبب ما، رفعتُ رجلي اليسرى ووضعتها على رجلي اليمنى. اعتذرت من جاري الضخم لأن ركبتي اليسرى لمست جانبه الأيمن، لكنه لم يرد. كان مشغولاً. يلعب التنس بترقيص أنامله على شاشة الآي-باد خاصته، وكدت أنا أعود برأسي إلى الوراء ما إن قذف غريمه في الشاشة الطابة ناحيته للمرة الأولى. خُيِّل لي أن الطابة ستخرج من الزجاج الأملس، وتستقر في  فمي خالقةً جواً من الإحراج، ما بْيـِفْهَم.

ربما لا يجدر بي استخدام هذا المصطلح قبل أن أشرح دلالته، لكني سأغامر، وأعود إلى شرح “ما بيفهم” لاحقاً، وقد لا أشرحه البتة، لكني أحسب أن القارئ العربي الذي لا يفقه بعض التراكيب اللغوية المحلية، سيتحمل بعضاً من الغموض اللغوي العابر الذي لن يخلق لديه تلبكاً معوياً.

الواضح من المقطع أعلاه أني لا أصادق الكرات. لكن، ولسخافة الصدف، فإن عبارات مفترق الطرق في حياتي غالباً ما احتوت على “طابات”.

فأنا لا زلتُُ أذكر تلك العبارة التي لا تزال تؤرقني حتى الآن: “الكرة في ملعبك”.

إذ قطعتُ صلاتي مع صديق لأنه جزم لي: “قرر، الكرة بملعبك”. إخترت أن أترك له ملعبي، وتالياً الطابة.

واختفيت عن حبيبة، وأنا دائماً ما أختفي، لحظة قالت لي: “الطابة عندك، حبيبي”.

ما هذا الملعب الذي لا يتواجد أحدٌ، إلا أنا، فيه؟

ربما أحمّل الأمور ما لا تحتمل، ولعلي أحظى بلحظات مغرِقة في التحليل الزائد غير المنطقي في السماء فوق المحيط (أي محيط هذا؟)، وأنا في طريقي إلى وادي السيليكون في سان خوسيه بكاليفورنيا.

لكنَّ المؤكد أن القصة ليست هنا، وربما ليس من قصة أصلاً. ورغم ذلك، فأني أعدكم بمحاولة البحث عن واحدة. إحساس ما يقول لي إن الحكايا كثيرة، وإنها لا تنتهي، وبعكس الرأي السائد، لا تكرر نفسها. وأنا لحظة أخط إحساسي هذا في عبارة على شاشة الكمبيوتر، أميل إلى فكرة أن القصص قد تكون مخبوءة في مكان ما، وربما يجدر عليّ التدقيق أكثر، لأخطّ بعدها القصة في مكانٍ أكثر عرضاً للعامة.

(يضحكني لفظ “العامة”).

فقد تكون القصة –مثلاً- تلم الغبارعلى قفا حذاء، من دون أن ينتبه لها أحد.

“ما بيفهم”. فعلاً، ما بيفهم.

التدوين في الزمن الحقيقي

مضى شهر قبل بدئي بالكتابة. كانت الفكرة السابقة تتلخص بكتابة يوميات عن وادي السيليكون الذي سأعيش فيه وأعمل في إحدى شركاته، وأن أقوم بكتابة هذه اليوميات يوماً إثر يوم.  شيء يشبه سطور “تويتر”  وغيرها من الكتابة في الزمن الحقيقي.

هكذا تترجَم العبارة إلى العربية  حرفياً وبعيداً عن التوضيب.Real time blogging تصبح: “التدوين في الزمن الحقيقي”.

بعد إعادة تفكير، أتذكر أني لطالما ظننت، بل ووثقت، أن الزمن الحقيقي غير مضبوط الإيقاع، وأنه يسرع ويبطئ بحسب استقبالنا لأحداثه، أو لا أحداثه. لكنني أصلاً أبحث عن قصتي. بعبارة أخرى، أنا أبحث عن إيقاعي الخاص، فهل أضيف إلى ضياعي هذا، تجريبية وخراب الزمن الحقيقي؟

لعلي لستُ أصلاً في هذا الزمن الحقيقي أصلاً لأدوّن عنه؟ مجدداً، من أين أبدأ؟

سأغامر وأبدأ من أكثر الزوايا تقليدية، من الزمن اللاحقيقي الذي كان لعقود، على ما يبدو، حقيقياً؟

RT @hilalchouman في البدء كانت رقاقة

هكذا أعاد أحد أصدقائي توترة أحد رسائلي على موقع تويتر. أصل العبارة كما هو معروف لدى كثيرين، هو: “في البدء كانت الكلمة”.

وعلى سيرة الكلمة، الرئيس الروسي ميدفيديف كان البارحة هنا، في الوادي. زار مكاتب شركة “تويتر”، وأنشأ حسابه الخاص على الموقع الشهير، و”زقزق” للمرة الأولى: “مرحباً! أنا على تويتر، وهذه رسالتي الأولى”، كتب بالروسية.

وأنا إذ أفكر، وأقرأ أكوام الأوراق المبعثرة حولي، أحلم فيها بذلك المجتمع السيبيري الكامل الذي يحصل فيه مستخدموه على هويات محددة تعرّف عنهم، بذلك المجتمع السيبيري الذي يعرِّف فيه الفرد عن نفسه بنفسه بعيداً عن تعريفات المجتمعات الطاغية، والأفكار الدينية الاقصائية والوطانويات الرديئة.

شهيق، زفير. في الأعلى بقايا من أفكار التربية الحسنة التي حظيت بها كشاب نشأ في عائلة لبنانية متوسطة الحال حاولت قدر الإمكان إبعاد ابنها عن عنف الحرب وعاداتها.

شهيق، زفير. المأساة واستعطاف القارئ لا تنفع. عليَّ فعلاً أن أتوقف عن الإغراق في حملة كليشيهات تشبه تصاريح المتسابقات في الجولة النهائية من احتفالات ملكات الجمال حول العالم.

فلأعد للموضوع الأساس: ما هو وادي السيليكون؟

باختصار، يقول أحدهم على الانترنت معرفاً: “وادي السيليكون، هو المكان الوحيد على الأرض الذي لا يجرب أن يبحث عن طريقة تجعله وادياً للسيليكون”.

وأعتقد، أعزائي القراء، أنكم تستطيعون استخدام العبارة أعلاه لتعرّفوا لأولادكم “الثقة” في جملة.

مسؤولية أمام الباب الحديدي الأسود

فلأبدأ من اللحظة التي وصلت إليها إلى المبنى الذي من المفترض أن أقيم فيه لستة أشهر قادمة. وقفتُ عند باب المدخل الحديدي الأسود. تركت الشنطتين، لأخرج المفتاح من المظروف الذي أُعطيَ لي ووضعته سابقاً في جيبي. ضغطت على زر المصعد. وقعت شنطة، فهرعتُ لأوقفها متذكراً أنها تحوي بعض الأشياء الزجاجية داخلها. أسندتُها إلى الباب الحديدي، وفيما أنا أخرِج المظروف، نظرتُ إلى الإعلان البلاستيكي المعلق على الباب:

توخَّ دائماً أن تغلـِق الباب وراءك

قد تحمي حياة طفل

لعلي وقفت فاغر الفم. لا أذكر.  تحت العبارة، خُطَّ بالأحمر جمل تذكر قانونيْن أميركيين لن أوردها هنا لسببين:

- أولاً: أنا لا أتذكرها.

- ثانياً، ذكر الجمل سيضيف 70 إلى مئة كلمة إضافية إلى هذا النص، وسيعاظم ذلك –مؤكد- من ملل القارئ.

لم أنتبه للزمن الذي مر في وقفتي تلك إلا عندما سمعت صوت جرس المصعد. التفتُّ لأجد بابه الجرار يغلَق، فأسرعتُ لأعيد فتحه، لكن الأوان كان قد فات. طلبتُ المصعَد مرة ثانية، لكن هذه المرة حضَّرتُ شنطتيَّ بالقرب من الباب، وأخرجت المفتاح معيداً المظروف إلى جيبي.

كنت أنتظر مديراً ظهري للمصعد، ومواجهاً للباب الحديدي. تلقائياً، أخذت أعيد قراءة الجمل في الإعلان مرةً بعد مرة، حتى شعرت أني مستهدَف. مستهدَف فعلاً. لا يعقَل أن يأتي الأميركان بـفيلم “راحت الطفلة، راحت”  لبين آفلك ليستقبلني عند باب بيتي الذي ما زلت لم أطأه بعد يعني.

وهكذا، تقدمت إلى الباب الحديدي. فتحتُه، ودفعتُه برفق من دون أن أغلقه، ثمّ تراجعت ناظراً إليه. كان المصعد قد وصل. وضعت حقيبتيَّ داخله، ودخلت. أخذت أنظر من الداخل إلى الباب الأسود غير المغلَق حتى غطى باب المصعَد كل شيء.

لم أفكر في الطفل الذي سيُخطَف أو يغتَصَب. لقد تصرفتُ تماماً كأي لبناني يتخذ موقفاً في السياسة نكايةً في غريمه في الفريق الآخر، وابتسمتُ إذا ثبتُّ هويتي في بلد غريب.

الطريق إلى غرفتي تمر بماوطوزو

ليست استعارة لعبارة عرفات الشهيرة: “الطريق إلى القدس تمر بجونية”. لستُ أهتم أصلاً بمثل هذا الهلوسة السياسية اللغوية التي تنافست مع العبث الفعلي في الحرب اللبنانية، لكن الطريق إلى غرفتي تمر فعلاً بماوطوزو. وماوطوزو هي البارك الخضراء المجانبة للمبنى الذي أسكن فيه. والمبنى الذي أسكن فيه جزء من مبانٍ كثيرة متشابهة، بل ملاصقة، تقع ضمن “مجتمع” ريدوودز. وريدوودز كغيره من مجتمعات أخرى يقع ضمن مجمّع يدعى “نورث بارك”، ونورث بارك يقع في وادي السيليكون، بالقرب من الكثير من الشركات كـ “سيسكو” وأنالوغ ديفايسز”.

لمَ أشعر أني أغني أغنية إرشادية مباشِرة التفاصيل، وموجهة للصغار دون سن العاشرة؟ ربما لأني أستصعب عادةً شرح الجغرافيا؟

فلأستعن بالرسم إذاً. هاكم خريطتي اليومية المعتادة:

(يتبع، وقد لا يتبع)

كان يمكن أن تمدّ يدك لتلتقط الكوب الذي أخذ يسقط على الأرض بطيئاً كسلحفاة، لكنك لم تفعل. جثم سائل القهوة البني للحظات في الهواء. تمدد، قشط ببطء، ثم انفجر بسرعة أشلاءً على أرض المطبخ.

بدا الحدث مشابهاً للأشرطة الدعائية التي تحضرها في الاستديو الصغير. تُقدِّم اللحظة وتؤخِّرها ألف مرة، وقد تلغيها رغم الإعادات. يحدث أن أمر في الغرفة وراء كرسيّك، فأحفظ تلك الثانية، وتقبع في رأسي حتى تأتيني في أحلامي. فأرى لأسبوع قادم مثلاً إنساناً ينزل الرصيف ثم يعود بجسده إلى الوراء، ويخيل لي عندما أخرج من البيت أن الشارع يحوي روبوتات تتحرك بإمرة أحدهم في مكان ما.

كان يمكن أن تركض من حيث أنت، وتفعل إحدى حركاتك البهلوانية الوثيرة، وتأتي بشيء (فأنتَ دائماً ما تأتيني بأشياء غريبة) لتلتقط به الفنجان ومافيه قبل أن يصل البلاط. لكنّك لم تحرك ساكناً، بل أكاد أقول أنك عزمتَ أن تبقى حيث أنت، وأنا بدوري لم أهتم لعدم حراكك، فشرعتُ أنظف الأرضية على الفور.

طبيعي أن تصل إحدى نثرات الزجاج إلى قدمي اليسرى، فتترك نقطة دم واحدة تنقلب بعد ثوانٍ إلى كرة حمراء صغيرة تنفلش فوق أوردة قدمي الخضراء الظاهرة. يحصل هذا دائماً: أوقع الكوب، فتصاب قدمي، قدمي اليسرى تحديداً. هذه إعادة ليست جزءاً من أشرطتك الدعائية. هذه إعادة حقيقية لطالما اعتدت عليها، حتى بدأت أعتقد أنّ قدمي لن تأبه بأي نثرة زجاج قادمة ولن تُخرِج أي نقطة دم أخرى.

بعد تنظيف سريع للقدم، أتابع مسح البلاط، فأجمع كل شيء في زواية واحدة ثم أرميه في سلة القمامة. يطيب لي بعدها أن أحضِّر كوباً آخر ربما انتقاماً من الحدث المكرَّر. أضع الركوة على النار، وأضيف ما يلزم من بن وسكر ما إن تغلي المياه. لا أسألكَ إن كنتَ تود مشاركتي الشراب، فأنا أعرف أنك لن تجيبني لا بلا، ولا بنعم.

تغلي الماء ثلاث مرات. تصعد القشوة البنية إلى السطح ثلاث مرات، قبل أن تنكسر وتبين ما تحتها من سائل. أصب القهوة في فنجان مماثل (مماثل تماماً، بالنقوش ذاتها، ربما لأكمل انتقامي)، وأروح إلى الكنبة لأجلس قبالتك. أنظر إليك وتنظر إلي من دون أن نتكلم. أرفع فنجاني ناحيتك وأكاد أرفق حركتي بـ”بصحتك” (كما تفعل أنت دائماً مع أي شراب في كوب كحولياً كان أم غير كحولي)، لكني أتراجع، وأعيد الفنجان ناحية شفتيّ.

منذ أسبوع، تحيطني باهتمامك أكثر. تفتح لي الباب، وتقول: “تفضلي”. تقودني إلى الدرج الذي وضعت فيها المفاتيح بعد أن أكون قد استنفذتُ ساعة في البحث عنها وبدأت أشعر باليأس. تشير لي لآلة التحكم التي وقعت تحت الكنبة ما إن أجلس لمشاهدة التلفاز.

منذ أسبوع، اعتدتُ أن أكلمك أكثر، وأعتدتُ أن تجيبني على الفور. أما اليوم فتقبع صامتاً لا تجيب ولا تسأل.

أعرف الآن أنك صرتَ تفصيلاً جامداً في صورة معلقة على جدار، زاويتها العلوية اليسرى يغطيها شريط أسود. ولحظة أتيقن من هذا، أشعر بالدم ينساب من داخلي.

اليوم، يعاودني الطمث للمرة الأولى منذ موتك.

.. وهو إذ جلس على القمة ينظر من فوق إلى أضواء المدينة، أخذ يفكر. ما الذي أتى به إلى هذا المكان؟ ومن هم هولاء الناس الذين يجلسون على السور الحجري ويتركون أرجلهم لهواء الوادي السحيق تحتهم؟ ولِمَ يستلقي هذا الشاب النحيف على غطاء محرك السيارة ناظراً إلى نجمة الدب القطبي؟

كانت قهقهات الشباب تعلو في فعل جماعي عفوي، ثم تموت تاركةً مكانها للصمت. لكأن الضحكات احتاجت إلى ذلك الصمت لتولَد من جديد، أكثر علوّاً.

نظر إلى يمينه، فوجد أحد الشبان يقف على السور، معطياً ظهره لأصحابه، وفارداً ذراعيه. أطلق الشاب صرخة واحدة، ولم يقفز. بقي في مكانه متبِعاً صرخته الأولى بأخرى أكثر كتماناً. خُيِّل إليه أنه الشخص الوحيد الذي سمع صرختيْ الشاب. لعله كان يهمس، أو يحدث نفسه، أو يكلّم الأضواء.

لم يقطع تفكيره هذا إلا قهقهة جماعية أخرى. لكن يده المستريحة على حقيبته الصغيرة، عبّدت طريق خطواته التالية، وأشغلته عن متابعة أفعال الشباب.

فتح الحقيبة، مخرجاً منها آلة التصوير. أنذرتْه شاشتها بنفاذ قريب للبطارية، لكنه لم يأبه، وأخذ يصوِّر كيفما اتفق. حرّك الكاميرا يميناً ويساراً، رقّصها دائرياً، هزّها للأعلى والأسفل، ثم نظر إلى الصوَر.

لم تظهر المدينة على الشاشة. كانت الأضواء فقط، ترسم أشكالاً غريبة بألوان أغرب. لكأن المدينة صدَّرت حكاياتها في رقصات الضوء. فكَّر لحظةَ ألمّ ذلك الخاطر به، كم أنّ فكرة المدينة باتت مجترّة. كتبها أخرون، وشرشحوها حتى القتل. لكن أي الأفكار لم تقتَل؟ أيها لم تلمَس؟ قرر أن يتوقف عن فيض أفكاره السلبية غير المجدي. لا هذا المكان ولا الزمان لنقاش كهذا مع نفسه. سيقتنع الآن أن المدينة هنا غير، أنها تنبسط يميناً ويساراً كما عجينة البيتزا تحت شوبك والدته في مطبخها وراء المحيط، أن الضوء يرسمها، يخطّ شوارعها والجسرين المعلّقين والبنايات الشاهقة والواطئة والطرقات السريعة التي تقطّعها أقساماً وتحيلها جثة مضاءة ليعاينها هو بنظره.

حدَّق في رقصات الضوء على شاشته أكثر. وجد تفاصيل لم ينتبه لها في السابق. عرف كم أنه صديق جيد وحبيب فاشل. عثر على الطفلة القادمة جديداً إلى هذا العالم ترقص. شمّ رائحة المياه الغريبة التي يسقون بها المساحات الخضراء قرب منزله. سمع رنة القطار المقتضبة وهو يكمل طريقه من دون أن يتوقف. أنصت لرائحة القهوة كما دائماً، تدخل من أذنيه وتخرج من أنفه، فيرتعش من أخمص قدميه حتى رأسه. لمح هزة السرير، وحصار الموسيقى في أذنيه، وبقايا كلمات الأغاني الفاشلة الموجودة بين دفتَيْ دفتر سرقه من مكان عمله.

رأى كل ذلك. كان من الممكن أن يرى ويفقه أكثر، لكن تقدّمه البطيء بين جمع الشباب الواقف والذي ازداد عددهم باضطراد، شغله بخاطر وجده لحظتَها أكثر خطورة. شعر فجأة أنه بات يعرف كل من حوله. بل يعرفهم منذ زمن. لعله تعرف عليهم في حياة سابقة، قال. كاد أن يستغرق في أفكاره عن ألفة الوجوه حوله، إلا أنّ الصوت من ورائه أعلمه أن الجميع ينتظره في السيارة للرحيل.

أطلق تنهيدة طويلة سمعها هو وحده. لولا يد صديقه التي هبطت على كتفه، لظنّ أنه ميتٌ فعلاً، وأن كل ما استولى عليه قبل قليل كان محض فعل استعادة في حياةٍ لاحقة.


تصدر قريباً رواية “نابوليتانا” لهلال شومان عن “دار الآداب” و-”محترف كيف تكتب رواية”. الرواية نتاج الدورة الأولى من الورشة التي أقامها المحترف لكتابة الرواية في 2009-2010 تحت إدارة نجوى بركات.

/لصورة أكبر من الغلاف، أنقر على الصورة أعلاه/

 

قد يبسط الشاب كفيه على الزجاج الذي يفصله عن الطاولات في الخارج، ويُلصق أنفه على الواجهة نفسها، تاركاً بخار ماء وراءه سيختفي بعد ثوانٍ. وقد ترد الفتاة المعنية بحركته من مكانها تحت الشمس، فتلوِّح بكفها اليمنى مفادة إشارة الجنون، وتبقي سيجارتها المولعة في الكف االيسرى، ما ينبئ باحترافيتها التدخينية. وربما يصدف التصاق قطة برِجل طفل يبلغ من الأعوام ثلاثاً، فينظر إليها للحظة قبل أن يكتشف ماهيتها، وينفجر في نوبة بكاء، ما سيجعل أمه المطلّقة تهرع ناحيته، لتحمله وتحاول تهدئته.

من المحتمل أيضاً أن تخجل القطة من نفسها، فتختبئ تحت سيارة لم تتزحزح من مكانها منذ سنوات حتى هرم حديدها، قبل أن تطل برأسها للحظة من الأسفل محاولةً استراق النظر إلى ما آلت إليه الأمور في الأعلى. ومن الممكن أن تنسى القطة الموضوع بكامله، ويمكن عندها عذرها على لا مبالاتها بإلقاء اللوم على ذاكرتها القصيرة التي تحِّدثها باستمرار بشمّ الأشياء والأشخاص. في تلك الحال، ستفضِّل أن تتابع حياتها وتنهمك في رحلتها في المجتمع السفلي لقطط الحي، فتؤنب صديقتها السوداء، وتغوي ذاك الأشقر، وتخمش آخر سميناً لأنها مزاجها ليس “رائعاً”.

ولتستعيد مزاجها اللعوب، ولأن الممنوع مرغوب، تعود صديقتنا فتثب من القسطل الداخلي قرب الموتور إلى الأسفلت مرة أخرى، وتصعد من الفجوة أسفل المقعد الخلفي إلى داخل السيارة، لتجد نفسها تراقب من جديد –لكن على مستوى أعلى- خارج وداخل المقهى.

قد يكون الطفل هدأ، وصارا من تعارفا عبر الزجاج في مرحلة الحوار الصامت المدعَّم بجمل انكليزية مقتضبة مكتوبة بأحرف كبيرة على أوراق صفراء، عبر الزجاج الفاصل نفسه. لكن القطة لن تأبه لهذيْن التفصيلين، بل ستتجه بنظرها ناحية شاب آخر يجلس إلى طاولة قريبة، ينظر في فنجانه، ويحرك الملعقة باتجاه دوران عقارب الساعة.

لن تعرف القطة ما يدور في ذهن الشاب. سَيَكون يتساءل لمَ لا يحرك القهوة بعكس اتجاه دوران عقارب الساعة كما يظن أن بقية الناس تفعل. ستراه يقلب الفنجان عند الانتهاء من شربه، لكنها لن تفهم أنه ينتظر خريطة البن لتثبت في الداخل، وأنه يحاول قراءتها كما كانت أمه الميتة من أسبوعين لتفعل وتعقب: “ثلاث إشارات، بعد ثلاثة أيام، بعد ثلاثة أسابع، شهور أو أعوام، فالتحديد صعب يا ابني، وتفاصيل الأشياء يجب أن تكون دائماً عامّة مبهَمة، تحمي ولا تؤذي، وتبشِّر دائماً بالأمل”.

في هذه اللحظة، ستلاحق القطة بعينيها متسولة صغيرة تبيع أوراق اليانصيب بضعف ثمنها، تلتصق بالشاب. سيصرف الشاب الصغيرة، بعد أن يشتري منها ورقة يثق مسبقاً أنه لن يربحها، ويتابع الغرق في لحظته السحرية.

قد تتحرك المضائق البنية في الفنجان أمام ناظريه، وتستدير ملتويةً حتى ترسم المشهد كاملاً. ربما يراها، أو يتخيل أنه رآها، فيبتسم ابتسامة صبيحة أحد كسول. هو الوحيد الذي سيكتشف أنه والجميع مرسومون في فنجان قهوة، وأنهم يدورون مع عقارب الساعة. سيفكِّر أن هذا التزامن المكاني منطقي، إذ إنّ من المحتمل أن تكون التفاصيل السابقة من نسج خياله أمامه على شاشة الكمبيوتر، أو هي في أحسن الحالات محض تجميعات من أيام كثيرة غير متعاقبة لا من يوم واحد، فهو على الأرجح لا يعرف كيف تحدِّث القطط بعضها وتراقب وتفقه – أو لا تفقه- ما تراه، وأغلب الظن أنه يعيش -وببساطة شديدة- نهاراً عادياً جداً لا يتضمن أي حدث، غير قراءته وقراءة غيره لهذه القصة منشورةً في الجريدة.

تنتظر قطار ظهيرة الأحد. تنتابها رعشة على أثر نسماتٍ هبـَّت، ثم لا تلبث أن تفاجئها ريح فتحمل نفايات الأرض حولها.

“الحياة تقاطعات من خيبات الأمل الجميلة” (هكذا بدأ حديثه معها ذات مرة). “قصصها تنتهي عند نقطة ما” (هكذا أردف). “الأجزاء الثانية تواجه فشلاً ذريعاً كما في السينما إلا في ما ندر”، (أفاضَ يتفلسف ممرِّراً أصابعه في خصلات شعره). “تذهب القصص ويبقى أبطالها، لكنهم يبقون متعبين” (حكّ ذقنه غير الحليقة عند هذه الجملة). “في تعبِهم وخفوتِهم يتذكرون كل ما مضى، كل الوجوه، ويلاحظون أشياءهم المهمَلة المتناثرة في زوايا بيوتهم” (نفث الدخان في الفراغ الذي يفصله عنها).

يعبر طيفه رأسها لدقائق، قبل أن تطرده، فيحل مكانه مرضاها الخمسينيون دائمو التأفف.

هذا يرضى عنها صباحاً ويشتمها مساءً. تلك تحدثها عن أولادها الذين هجروها بمحبةِ التي ترفض الاعتراف بالحقيقة. وذلك يأبى أن يأخذ الدواء. يريد أن يتحسن ما إن يبلع الحبة. بالنسبة له، فترة الإختبار هي يوم واحد لا غير وبعدها يبدأ عصيانه الصحي.

عند كل ظهيرة، كانت تخرج من غرفة الطوارئ. تبلع رئتاها هواءً منعشاً (لم تعد تتذكر كم تكره رائحة الداخل إلا عندما تتنشق هواء الخارج). كانت تُخرِج سيجارة من جيبها (رغم كونها حذرت أحد مرضاها من خطورة التدخين للتو)، وتنتبه: من أعطاها هذه السيجارة، وكيف صمدت في جيب ردائها الأبيض من دون أن تتلف؟

تمج منها وهي تمشي. تتوقف، وتنفث دخاناً، ثم تعاود خطوها. تتجه إلى “الإستاد” القريب الفارغ من اللاعبين، وتجلس على أحد مقاعده البلاستيكية الصفراء.

كانت خلوات “الإستاد” دائماً ما تـُقطَع بأغنية. يطل “نيسان” فيروز فجأة في عز صقيع أميركا، وتعود هي إلى بيروت فجأة. تلتفت فتراه هناك يسمعها الأغنية من خلويّه. هو “نيسانها”، واستراحة غدائهما غالباً ما تطول قبل أن يعودا إلى عمليهما، هي إلى مرضاها، وهو إلى مكتبه.

بعدها، تتخيل ما يحدث معه: ربما يقرِّعه مديره للحظات قبل أن يلحظ هدوءه الغريب وابتسامته. فهو يعلم أنّ موظَّفه مغرمٌ بإحداهنَّ. وبدوره، يستعيد المدير ما حدث معه شخصياً قبل ثلاثين عاماً مع تلك الغريبة الرائعة التي أصبحت فيما بعد زوجته. سيصرف موظفه إلى مكتبه، ويطلب منه أن لا يتأخر مرة أخرى. وما إن يغلق الباب، حتى يهاتف المدير زوجته مطمئناً.

يطلع كل ذلك منها الآن وهي تنتظر القطار. من داخلها يطلع. من أماكن ظنت أنها نسيتها، أو أغلقت عليها جيداً. كذب ظنها. لم تنجح في محو الأشياء. ها هي تنتظره أن يصل. كم مضى على عدم وصوله؟ يوم يومان؟ أسبوع؟ شهر؟ أكثر؟ هل هذه أغنية ؟ هل ينقص هذا الانتظار الشتاء؟  ألا يلائم الخريف، أم ماذا؟

كل أحد، تطيِّر الريح النفايات المهمَلة على أرض المحطة، ويتابع القطار طريقه من دونها. من دونه. تبقى هي جالسة على المقعد، وترقص النفايات حولها، فتحزن للحظات. للحظات فقط. فهي تعلم أنها لا تزال تحتفظ بعينيها العسليتين و”نيسانها الذي لا يخفت أبداً”. هكذا قال لها مرة، وهي استغربت لحظةَ أسرَّ لها بهذه الملاحظة، ولم يمنعها استغرابها عن تصديقه.

تصدقه دائماً، حتى لو لم يأتِ. ربما لذلك، لم تعد تستغرب عدم وصوله. هي توقن أنه سيطل فجأة كما دائماً، ولذا تعود تنتظر، كل أحد، على المقعد الخشبي ذاته.

هي تنتظر المفاجأة، فقط.

البارحة، صَحَوْتُ مثقلَة العينـَيْن. نَظَرْتُ إلى المرآة ورَميْتُ ماء كفَّيّ على وجهي. بعد قليل، سأتجه إلى خزانته. سأفتحها، وأتفرّس بما بقي فيها من ملابس.

لطالما عشِقَ ربطات العنق الكلاسيكية. يذهب لمحل صديقه، يتعارك معه في السياسة، ثم «يُفلـّي» الرزمة الجديدة من ربطات العنق. بعدها، يستقبل الزبائن كصاحب أصيل للمحل: «تلك الكرافات جميلة. تليق بالأزرق الداكن. تلك شبابية، راحت أيامها. إسمع منّي. لا. دَعـْكَ من ربطات العنق أحاديـّة اللون، موضة آنية ستزول بعد شهر. أنظر. هذه رائعة. قرِّبها من ياقة قميصك. جميل. ستلبسها لعامين، بل لثلاثة. ستشتريها طبعاً. لا؟».

يضحك صديقه ويدعوه أن يعمل معه، فيجيبه: «خليني هيك، بـِشْرَب قهوة، بـِتـْفَرَّج، وبـْساعِد بس».

***

غداً أو بعد غدٍ، سأبتسِم. سأمسح ما بقيَ من ماءٍ على وجهي بالمنشفة. ولحظةَ أمرّ في الرواق، سأتوقّف وأنظر إلى كـَنَبَتِه. هنا كان يـَجْلـس، ويـُجْلـِس كل صغير في حجره، مخبِّئهم في عباءته المصنوعة من صوف الجمل. كلهم أحبوا تلك اللعبة.

كل الأطفال، الأقرباء والغرباء، حظوا بأسماء حركية منه إلا أنا. هذا «مامو». تلك «سيسي». ابن صديقه هو «المفكّر».
جميعهم ما عداي. أنا بقيتُ بلا استعراض حب. فقط في لحظات معدودة، صدف أن ناداني باسمٍ بديل لحظوي ظهر لي مرتبطاً بسعادة غير مألوفة، بلحظات تَجَلّي كانت قليلة بيننا. وفي كل مرة، لم يكن الاسم ليصمد.

غداً أو بعد غد، حين أستعيد الموضوع بـِرُمَّـتِه، سأبتسِم وأعلم أني حظيتُ بشيء لم يألفه الأطفال الأقرباء الغرباء: لحظات الاستثناء، جمالها في قلّتها.

***

أذكر كيف كان الزمن يمر سريعاً. تغير جسدي، واحتجتُ وقتاً لأتعرّف عليه، واكتسبْتُ معه ملكة تغيير وجهة الحوار. عندما كان يسألني عن تفاصيل حياتي الخاصّة، كنت أغيّر الموضوع، وأفكر: «هذا ليس هو». أنا اعتدتُ فقط على كلامه في السياسة: يسخر من آراء ذلكَ الرقراقة، ومن بـَلادَة الثاني ومن عرق جبهةِ الثالث، ومن شَعر الرابع غير القابل لفعل التمشيط، ومن عربيّة الخامس التي تلفظ أنفاسها مع الإصرار الفاشل على استخدامها. أنا كنت دائماً أتسلّح بالصمت عندما لا أوافقه الرأي، أو حين كان يلمّح لي قائلاً: «إنتي ضيعَتي البوصلة يا بابا». مع مرور الوقت، اكتسبت الملَكَة. صرتُ أغيّر الموضوع حين يشرِف على الحدّة. أعلم أنـَّه كان يعلم. أقول له مثلاً على الهاتف أني أرى كلباً على الرصيف خارج الباص، ألبسَـتْهُ صاحبته كنزةً صوفية، فلا يضحَك، فأفكّر: «الموضوع جديّ ويحتاج لتداركٍ «عاطفيّ» عاجِل».

***

يزعل، فيصمت لأيام. أُرسَل إليه بمهمة خاصة. «صالحيه»، تقول لي الماما. «بس هوّي مش زعلان منّي»، أستغرب. «مش مهم، صالحيه».

أمر قرب كنبته. أعانقه من الخلف وأقبله على عنقه. يلتزم الصمت ولا يخضع للابتزاز العاطفي. يعلَم أني «مـُرْسَلة». فقبلاتي له موسمية قليلة، وقبلته على جَبْهَتِي لم أعْتـَدْها رغم تكرارها. يجبرني على تقريب رأسي بيدٍ ضاغطة على عنقي في الخلف، ومرة تلو مرة، تخفّ مقاومتي أكثر، أستسلم لفعلِ إرضاء.

***

البارحة في نومي، حلمْتُ به. شعرَتُ باختناقٍ، صرتُ ألهث، وحام وجهه فوقي طيلة الحلم. كان يردد: «ما زلتِ جميلة». استيقظْتُ منزعجةًً من دون أن أعرف فوراً تفاصيل الحلم. وظللتُ هكذا حتى الظهر، حين ضربَتْني لمحة من الحلم، ومن ثم صورة ثانية، وثالثة، حتى جمعتُ ما ظننتُ أني رأيت، وأعلنتُ وحدي في الغرفة بصوت عالٍ: «لقد انضمَمْتَ الآن إلى شخوص أحلامي الغرائبيّة».

***

الخزانة مفتوحة. اليوم، أنظر صامتةً وأفكر: هل أستطيع أن أستعين بتفاصيل حياتِه الخاصة من جديد؟ «الكرافات» تلك، معشوقته ذات الألوان الصاخبة، هل يحق لي أن أربطها على ياقة قميص زوجي مثلاً؟ أم يجب عليّ أن أبقيها في الخزانة لزمنٍ احتفاء لا ينتهي؟

بتُّ أخاف أكثر فترة الصمت بعد أن كنتُ أعدّها ترفاً. ربما أخاف أن أنسى الكلام وأتقنَ أكثر الكتابة. أنا التي لطالما فتشتُ عن جملة تختصر ذلك كله ولم أفلح. أنا، التي كنتُ حين لا أهتم، ألجأ إلى الحياد الذي شعرْتُ به تجاهه لأعوامٍ طوال، وأبرِّر كل ما أفعله بذلك اللا شعور المبطـَّن الذي لا أفهمه. أنا لا أستطيع أن أعاود فعل ذلك الآن. صحيح أن الحياد يعظم في حضرة الغياب الطويل. لكني اليوم خسِرْتُ حتى الغياب. أصبَحْتُ قريبة منه من غير أن أدري كيف، وصخب مشاعري غير المفهوم لا يساعدني على الإطلاق.

أنا التي تود أن تخلق سعادة من لا شيء، أفتش عن شيءٍ ما يوفر لي ذلك الشعور. كل صبيحة يومٍ أبحث. واليوم، أعاود التفتيتش عن جملة تريحني، فأتجه إلى الزاوية وأدير الراديو. أطرد الوشوشة وأحاول أن أحصل على أغنيةٍ نقية. إذاعتي المفضَّلة تبث أغنيةً وطنية. أنا لطالما كرهتُ الأغاني الوطنية، الآن ودائماً وأبداً. هو كان يحبها، ولا أدري إن كان لا يزال يفعل، حيث هو. من أغنية وطنية إلى أخرى، تشعّ جملة واحدة تشفع لدقائق من النفاق اللحظوي الذي أرى أن أوانه فات. أحصل على جملتي صافيةً، كما ينبغي لها أن تكون، ويظهر سعيد عقل مصيباً ولو لمرّة:

«أجملُ التاريخ كان غداً».

تحتجزين في شقتك الصغيرة، شنطة كحلية اللون متضخمة، وملابس على ظهر الكرسي. تتجوّل الشنطة – بما فيها – من الكنبة إلى الكرسي الخشبي، ومن الكرسي الخشبي إلى الطاولة، ومن الطاولة تعود إلى ذراع الكرسي. يفتَح سحاّبها ويغلَق. أنا متيقِّن من ذلك. أكاد حتى أسمع صوت السحّاب إلى هنا، على بعد أميال من ساحة الكونكورد.

البارحة، أخبرتِني على الهاتف ضاحكة أنكِ أوصيتِ «اللفاية» أن تترك الأغراض على حالها على الكرسي، لكنَّك عدتِ مساءً لتجدي أنّ «البنت» قد تركت الشنطة كما هي، وأخذت الثياب التي الموجودة خارجها، غسلتها (على الأرجح بمسحوق ذي بلورات زرقاء تنظف أكثر)، وعلقتها داخل خزانة ملابسكِ. أفصحتِ عن الحادثة وأطلقتِ ضحكتكِ العالية تالياً.

هذا كله لغو. أنا ببساطة أحتاج ملابسي، ودعيني أبني موقفاً دفاعياً أشرح لكِ فيه لا أهمية احتفاظكِ بأشيائي:

أولاً: حذائي الرسمي الأسود موضوع داخل كيس نايلون لتجنب اختلاط رائحته. وأحذَركِ، لا تهديداً، بل خوفاً عليكِ، أن تفتحي الكيس. وهو على أي حال من قياس 43، ولن تستفيدي منه شخصياً بشيء، ثمّ إن الموضة النسائية لم تبلغ بعد حد استخدام أحذية رجالية مع ملابس رسمية لنهار عمل.

ثانياً: قنينة العطر التي رششتُ منها عندما زرتِك فيها، ليست «يوني – سكس». وأظنّكِ تعرفين هذا الآن، لأني مصمم على فكرة أنك أخرجتِها من الشنطة وتنشقتِ ما فيها، وليس في هذا عيب، فهو محض فضول نسائي عادي (أعرف اننا سنتخانق على هذا التوصيف قريباً).

ثالثاً: هناك حزامي البني العريض، الذي اشتريته من فترة قريبة، تحديداً منذ بدأت أضع قمصاني التي ألبسها تحت البناطيل لا فوقها بناء على نصيحتكِ. أحضرتُ الحزام معي خطأ. كانت غلطة مميتة. لكن فلنحلل الموضوع: فضلاً عن أنكِ ترينه جميلاً علي، بمَ ستستفيدين منه أنتِ يا عزيزتي؟

رابعاً: فرشاة الأسنان التي اشتريتُها لأنظف بها أسناني قبل ذلك اللقاء الحدث الذي تخلله كاميرات تلفزيون كثيرة، ولم أستخدمها وما زالت لم تفتَح. حسناً. سأثبت لك أني آدمي، ولا ألهث وراء شجار مفتَعَل. تستطعين الاحتفاظ بالفرشاة، وأستطيع شراء أخرى.

أعيدي لي ملابسي! بعد هذه الجملة المحذِّرة، لا أظنكِ ستحتفظين بثيابي أكثر. فأنا على يقين أنكِ لن تتحملي علامة تعجب جديدة مني أو جملة انكليزية صارخة كل أحرف كلماتها كبيرة. أعرف أنكِ لن تعرضي علاقتنا لمثل هذه الوطأة من العنف اللغوي. صح؟

أعلم أن الأمر لا يحتاج لكل هذا التحليل، لكنك تعرفينني، أحب المرافعات والألعاب. فماذا لو اجتمع الاثنان؟ مرافعة في لعبة: نص لن يضركِ، ومؤكد لن يضرني في شيء؟

طبعاً، أميل إلى الاعتقاد أن انشغالكِ في عملكِ، في أوراقكِ؛ وانشغالي في عملي، في شاشتي، هما ما يمنعاننا من لقاء بسيط لتقدمي لكِ الرهينة، وأعاهدكِ بالمناسبة (فيما لو حصل هذا اللقاء) أني سأستلمها من دون أن أطالب بأدنى اعتذار.

لكن الوقت يركض. وأنت تعلمين أنّ موعد سفري يقترب. حتى إني لم أعد أجد وقتاً للانتظار. ورغم معرفتنا بطيران الساعات، لم ننجح حتى الآن في اللقاء، لتبادل قُبل الوجنات الاجتماعية أولاً، ولنتخانق في السياسة ثانياً، ولأسرق بعضاً من سجائرك ثالثاً، ولتعلميني بإضافة شخصية جديدة إلى قائمة «الحبّ، الحبّ» خاصتكِ رابعاً. وللمناسبة، لمن لا يعرف، فإن هذه القائمة تضم شخصيات فاعلة اجتماعياً وثقافياً تراهم هي أمثلة عليا (مع أني ميال للاعتقاد أنكِ لا تؤمنين بالمثال الأعلى، لكن ما علينا).

اسمعي. وجدتُ حلاً. هناك بطل محلي، يلبس بذلة صفراء اللون، وأظن – والعليم أعلم – أن معطفه الطائر كحلي اللون، تماماً كشنطتي المحتجزة، والأرجح أني سأكتب عنه في روايتي التالية. البطل يدعى «ليبوس»، وهو بطل دعائي بالمناسبة لشبكة البريد المحلي. رأسه – كما تحضرني صورته الآن – مكعّب، وهو دائماً متغضن الحاجبين. لا تنسي أنّ البطل يجب عليه أن يشعر بالمسؤولية في أدنى تعبير حركي أو وجهي.

لمَ لا ترسلين ملابسي مع ليبوس؟ توجهي إلى أقرب مركز بريد، وأودعي الأغراض في طرد. ستكون فرصة لنختبر مدى فاعلية بريدنا المحلي؟ بسيطة، لا؟

الآن، لأهدّي النفوس، سأسرق لكِ شيئاً من روايتي المكتوبة (التي لم تقرأيها بعد)، وأجعل «ليبوس» يظهر في كادر من قصة مصورة أو ربما في إعلان ترويجي، طائراً. من فمه، يخرج سهم يشير إلى فقرة يود الإعلان/ القصة الإيحاء بأنه يقولها. الجملة تبسيطية، كليشيه، كيتش، ولا يمنع كل ذلك أنها حقيقية.

في الرسم يقول « ليبوس»: «ما أجمل الصداقة».

عدَّلت من ربطة حزامها. أطفأت شعلة النار البرتقالية بإصبعيها. لمست الجدار الملوَّن وهي تمشي، ثم جلست. مسَّدت على ظهر الفراشة القابعة على الزاوية اليمنى من مكتبها، فنامت وتوقف جناحاها عن الرفرفة. ستشرع الآن في كتابة قصة جديدة عن قزم، وستبدأها بالآتي:

«طرد القزم الذبابة التي استقرَّت بين شعيرات أذنه اليسرى بكتفه. نظر إلى ضلعه الأيسر، فرأى احمراراً. أحسَّ بقلبه ينبض حتى بان خارج جسده ورديّاً صغيراً كحبة تفّاحة ناضجة جميلة حدَّ النبذ، جميلة حدَّ الاعتقاد أنها تفاحة مسمومة حضرتها زوجة أب لأميرة بريئة، أو شيطان لنبي.
نبض قلبه لمّا تكلَّم معها. لكنه فرح أنه فاتحها وتخلّى عن صمته.
أجابته بطلب وحيد، بدا له، للوهلة الأولى، مخيفاً. قالت: «إذهب إلى هناك وعد إليَّ حيّاً بشيء يستخدمه أولئك الغرباء».

نظَرَتْ إلى خارج النافذة. كان الغيم البنفسجي قد بدأ يتسلل داخل غرفتها. بان قمرا الكوكب جليَّيْن في الخلفية. أحدهما أعظم من الآخر. أغلقت النافذة. فهي لا تريد لجدران بيتها الورقي الملوَّنة أن تتبلل وتشيخ باكراً.
تابعت كتابتها:

«تدحرج قلب القزم أمامه وهو يمشي. أمسكه بيده وأعاده إلى موضعه. وصله بالشريان مرة أخرى وعاد يسمع نبضه. وضعه في مكانه، وأنَّبه. قال إنهما سيصلان سويةً لهناك. لا يجب أن يسبق أحدٌ الآخر، قال. حدّث قلبه كما اعتاد أن يقرّع قزماً شقيقاًَ أتمَّ أسبوعه الأول ونجا من حادثة من غير أن تفترسه حشرة، ثم تابع مشيه».

أدارت الموسيقى. ثبَّتت النغمات الموسيقية جيِّداً في الهواء. هذا هواء لا لون له.

«وطأ القزم الأرض السوداء. تنقل بين البرك الحمراء اللزجة بخفة. (بعضها بان آسناً فتحوّل لونه إلى الأسود) صرخ فرحاً. أودّ أن أعيش هنا! قال».

توقفت. حدَّقت في فراشتها النائمة على زاوية المكتب اليمنى. لقد ملَّت الكتابة. ستتابع غداً. وضعت الريشة في قطعة الخشب المقعَّرة وعزمت أن تتوقف عند هذا الحد من قصتها. اليوم، ستترك قزمها – كتلة الشعر الخضراء هذه – في الأرض السوداء يحاول أن يعيش. يحق لها ذلك. أليست بجنيَّة كاتـبة؟

وكان أن استيقظت الفراشة على صوت جلبة تفكيرها، فطارت أمامها في فضاء الغرفة.

اسكندر حبش – عن السفير

لم تكن زميلتنا رشا الأطرش، وحدها، من شعر بالفرح مساء أمس، إذ نحن أيضا شعرنا به، وأحسسنا معها بكل تلك المتع التي تعتري الكائن، حين يرى كتابه الأول بين يديه، مطبوعاً، بعد شهور طويلة من الكتابة ومصارعة الكلمات والحروف. ليست المسألة أيضاً مسألة كتاب، إذ نجد – نحن الذين أمضينا عمراً في «السفير» – أن عائلة كتّابها، يزدادون كل عام، وأنهم، بدورهم، يخطون دربهم، الذي علينا أن نفسح له مكانة، مثلما ستفسح رقعة الأدب، مكانة لهم أيضاً.

هي روايتها الأولى، بعنوان «صابون»، ولدت من محترف «كيف تكتب رواية»، الذي بدأ أعماله منذ سنة، مع بدء «فعاليات بيروت عاصمة عالمية للكتاب». يومها تقدّمت الروائية نجوى بركات مع دار الساقي، بفكرة هذا المشروع الهادف إلى تشجيع الأقلام الشابة على الكتابة الروائية. تم قبول الفكرة من قبل المنسقية العامة لبيروت عاصمة عالمية، ليشترك فيه متدربون، وصل منهم إلى المرحلة النهائية ثلاثة أشخاص هم رشا الأطرش وهلال شومان ورنا نجار، وبما أنه في كل مسابقة لا بدّ أن يكون هناك فائز، تم اختيار اسم واحد: رشا الأطرش. بيد أن الدار أعلنت، ونظراً إلى جودة الكتب الثلاثة، أنها ستطبع الروايتين الأخريين خلال سنة بدءاً من تاريخ أمس. بمعنى آخر، ولد نهار البارحة ثلاثة روائيين شبّان في لبنان. روائيون جدد يأتون إلى الكتابة، بكل ما يحملون من أحلام وأفكار، وربما بكل ما يحملون من وعي مغاير. في أيّ حال، هي أشياء سنكتشفها تدريجاً وتباعاً، وسنفرد لها حصتها بالتأكيد.

الإعلان عن اسم الفائز في هذا المحترف، جاء عبر احتفال أقامته دار الساقي في صالة سينما متروبوليس، في سنتر صوفيل ببيروت، وقد بدأ بكلمة ترحيبية قصيرة من رانيا المعلم، مسؤولة النشر في الدار، ليتحدّث بعدها رشيد الجلخ (عضو مجلس بلدية بيروت وعضو هيئة بيروت عاصمة عالمية للكتاب) الذي أبدى اعتزازه بهذا المشروع وبدوره، مثلما تحدّث عن عملية استنهاض المجتمع عبر مختلف النشاطات التي شهدتها العاصمة خلال هذه السنة المنصرمة.

أما الروائية نجوى بركات، المسؤولة عن المحترف فقد تحدثت عن تجربتها مع المشاركين، وقالت «عملت على تقاسم لغتي مع آخرين، لأني أرى في الكتابة شيئاً من الحرفة، وإن لم تكن ذلك فقط، وشيئاً من الأصول وإن كانت تعصى عليها، وشيئاً من الكيمياء وإن كانت في الأصل خيمياء أقرب إلى السحر منها إلى المعادلات والأوزان والحسابات».

بعد ذلك، تحدّث المشاركون باختصار، كل عن تجربته في هذا المحترف، وقد أجمعوا على تميّزها كما ركزوا على الجانب الإنساني فيها. ليعلن أخيراً أندريه غاسبار مدير دار الساقي عن فوز رواية «صابون» للزميلة الأطرش، وعن نية الدار نشر الكتابين الآخرين.

حول هذه التجربة، كانت «السفير» قد طلبت من المشاركين أن يتحدثوا إليها. أولى الكلمات كانت لمديرة المحترف نجوى بركات التي قالت: «أعتقد أن هذا المشروع هو من أقرب المشاريع إلى فكرية وروحية بيروت عاصمة عالمية للكتاب، أضف إلى ذلك أنه نُفذ تماماً كما قدّم». وأضافت بركات إن المحترف «أنتج أكثر من المتوقع وهذا ما سنراه لاحقاً بعد الإعلان عن الرواية الفائزة».

الزميلة رشا الأطرش وجدت: «لا يشبه محترف «كيف تكتب رواية» أي تجربة خضتها من قبل. لقد كان مشغلاً كتابياً وذاتياً ونفسياً حقيقياً، لم أخرج منه بالرواية التي كنت أحلم في إنجازها طوال العامين الماضيين وحسب، بل كان أيضاً لحظة تأمل طويلة، مقترنة بالكثير من الدأب والأناة، وامتدت قرابة عشرة أشهر». وأضافت قائلة: «لطالما فكرت في أن كتابة الروائية تستلزم ما هو أكثر من الموهبة، ومن «قدسية» الوحي والفكرة الأصيلة، على الأهمية الكبيرة للمكوّنات هذه في توليف عمل أدبي يجمع المعنى والصدق بين ثنايا شخصيات وحبكة وأحداث ولغة. كنت أدرك أن في الأمر أكثر من أن يكون لديك ما تقوله، فتجيد قوله في رواية. لا بدّ من حرفة بالطبع. لكن هذه الأخيرة ظلت، بالنسبة إليّ، قيمة عائمة، إلى أن صارت منهجية على طاولة المقهى، حيث كنت ألتقي نجوى بركات كل بضعة أسابيع. ذاك التفاعل العملي مع نجوى، والذي لم يغفل، في الوقت نفسه، مزاج الكاتب (ة) واللمسة الفردية على عناصر رواية تخرج من القلب والعقل».

وختمت الأطرش حديثها بالقول: «بوضع اليد اختبرت أن الرواية بناء. طبقات تعلو فوق بعضها بعضاً، وكل طبقة تكمل الثانية وتكتمل بها. والأسلوب هو النقش الذي يجعل نصّاً بعينه لوجدان دون سواه. هل يجوز لي أن أقول إني أحببت النتيجة النهائية، روايتي الأولى التي احتضنتها دار الساقي بمحبة؟ لعل هذا ما أشعر به. أما ما أنا متأكدة منه فهو أني افتتنت بالعملية برمّتها، بمراحلها وقلقها وتراكماتها التي أفضت في النهاية إلى كتاب يقف على رف المكتبة. التجربة لم تنته. أحلم الآن بالرواية الثانية».

أما هلال شومان، المشترك الآخر والذي ستطبع روايته قريباً فقال: «كان الخوف السابق للانضمام إلى الورشة يتضمن الأسئلة البديهية عن مدى قابلية فكرة الورشة بأكملها على التحقق. أسئلة تدور حول دور المشرفة (نجوى بركات) تهطل ما إن تحدث أحداً من أصدقائك عن الفكرة. كان ثمة خوف عام من تصدير الأسلوب المحرر أو تعميم نوعية الكتابة. نحن نتربى على فكرة تقديس النص (مطلق نص) في هذه المنطقة من العالم. لكن هذا الشك ما لبث أن تبخَّر مع المراحل المتقدمة من المشروع، وأنا قررت منذ البدء أن أذهب بعيداً في التجربة».

وحول آلية العمل، قال: «كانت الجلسة الأولى عامةً تجمع المشتركين. تحدث الجميع عن مقترحاتهم التي قدِّمت للساقي ولبركات، وهي ظهرت مقترحات دسمة تحفل بالخيوط والأفكار التي تنوعت على نحو متطرف. تلى كل طرح مناقشة شاركت فيها نجوى والمشاركون الآخرون. بالنسبة إليّ، أردت أن أكتب قصة عن تأثير غياب الأشخاص، والتفاصيل وعن هوية الفرد الشخصية التي تتغير بتبدل مكونات محيطه في جو من الغرائبية والصدف في بيروت الآن. تغير مقترحي في بعض أجزائه مع الحفاظ على فكرته الأساسية. كانت ثمة شخصيات كثيرة تثقل خط الرواية الأساسي من دون أن تفيده. بعد أن رسينا على الخطوط العامة التي قررت العمل عليها، تفرقنا إلى جلسات انفرادية مع نجوى. كنا نتناقش على مدى ساعات في مقاهي العاصمة. نجوى ترمي الشك، ولك أن توافق أو لا. تتعرف معنا على الفكرة حتى تضاهينا معرفةً كأنها تخلقها معنا. هي الشخص القابع في الرأس، يجلس أمامك على كرسي، ويسأل، ويستطرد، ويناقش، ويومئ».

ويضيف شومان: «منذ البدء كانت اللغة تؤرقني. وددت أن أجرب نمطين، الأول يحوي صوت الراوي الذي يتكلم عن الشخصيات بضمير الغائب في الوقت الحالي، ولكنه في الوقت نفسه غير عليم بكل الأمور، بل يرى التفاصيل من وجهة نظر الشخصية الرئيسية، والنمط الثاني يحتوي على ضمير المتكلم، وبحثتُ له عن لعبة فنية داخل الرواية لتبرير وجوده. أوجدت اللعبة لأني لم أكن واثقاً من أني سأنجح في تفرقة اللغتين. لم أود أن أجرب كل شيء دفعة واحدة. رغبت في أن تكون تجربتي «مضبوطة» إيقاعاً وشكلاً».

بدأت آخر المشتركات رنا نجار بالقول: «كتبت رواية من المخطّطات التي كنت أؤجّلها دائماً إلى أجل غير مسّمى، حيث يمكنني التفرّغ للكتابة الأدبية بعيداً عن الغرق في يوميات الصحافة والتلفزيون. كنت أقول دائماً إنني ما زلت صغيرة وخبرتي ما زالت متواضعة. هو حلم يعيش في هواجسي، ولطالما تساءلت كيف سأبدأ والى أي دار سأتوجّه واسمي ليس على الخريطة الأدبية؟ لكن مع هذا المحترف استطعت على الأقل أن أبدأ وأجرّب وأتمرّن تطبيقياً على كيفية بلورة الأفكار الكبيرة واستنباط الشخصيات وتقنية السرد والتدقيق في التفاصيل والبعد عن الحشو».

ووصفت نجار المحترف بأنه «كـ «الأم» التي تعلّم وليدها كيفية المشي ونقله من مرحلة الحبو (الدبدبة) إلى الركض، خصوصاً أن نجوى بركات «كانت مشجّعة لنا ومنحتنا جرعات من التفاؤل قبل كل شيء. ما مكّننا من الاستمرارية والمثابرة. عامل الثقة الذي منحتنا إياه بركات، جعلنا نسلّم كل ما لدينا لها. فالكاتب يكون عادة أنانياً ويستغل كل ما من حوله لكتاباته. أما بركات التي بنت علاقة وثيقة معنا وصارت صديقة، كانت وفيّة لكل كلمة نكتبها ولكل فكرة نطرحها. ولم تنسَ أن توجّهنا من دون أن تتدخّل في المادة أو تفرض رأيها، حتى الأسلوب لم تتدخل به». الأهم أننا خضنا التجربة، فلا تُخاض الحروب من البيوت. المهم أن نبدأ، وها نحن صرنا على خارطة الأدب وإن كانت تجربتنا متواضعة ومبتدئة».

وحول روايتها قالت «أردت أن أخترق عالم المراهقين وعذاباتهم وأحلامهم ونظرتهم إلى الأمور من منظار بسيط، وهو موضوع قلّما طرح في الرواية العربية. وبما أن عالم الطفولة والمراهقة غني ويجذبني وما زالت الإنتاجات الأدبية قليلة حوله في العالم العربي، أردت أن أسرد ذكريات مراهقين هما ريم وجاد اللذين قرّر أبوهما إرسالهما الى مخيّم صفيّ، لأكشف وأعرّي التناقضات الاجتماعية والطبقية والطائفية في المجتمع اللبناني، بلغة الأطفال البسيطة والحادة في الوقت نفسه. قصص الأطفال لا تنتهي وهنا يأخذنا عالم ريم وجاد إلى السخرية من الزيف الاجتماعي ووصف الواقع بأسلوب بسيط وسهل وجارح أحياناً، لأن الأطفال حقيقيون ويقولون دائماً الحقيقة من دون تجميل». وختمت قائلة: «المشكلة الوحيدة التي عانيت منها هي الالتزام بالوقت، ومازلت أعمل على الفصلين الأخيرين».

«لديك ساقا دجاجة».

تثب الجملة أمامه من زمن بعيد. من قالها؟ ربما أحد الصبية، ذات صيف. كبر هيثم وتعرّف إلى أناس آخرين. رحل بعضهم وبقي آخرون، على تباعد لقاءاته بهم. إلا أنه احتفظ بساقي الدجاجة، رغم كلّ تحولاته الجسمانية. عندما يزداد وزنه، تتكدّس الكيلوغرامات في منطقة البطن. وعندما تبلغ الأمور حدوداً خطرة، تصعد الكيلوغرامات لتستقرّ في منطقة أعلى الصدر. أما الساقان، فتـُبقيان على نحولهما.

لذا يلبس هيثم بنطالاً رياضياً عندما يجري في الصباحات في شوارع بيروت. لذا يتفادى دعوات الذهاب إلى البحر مع أمل وهاني. هما لا يفهمان هذا الرفض المتكرر، وهو لا يشرح ويكتفي بالابتسام. قد يزورهما بثياب الرياضة، في مسبح السان – جورج، فيفاجآن ككل مرة، بحضوره. لكن لم يصل الأمر قطّ إلى حدّ النزول معهما في حوض السباحة.

حدث ذات مرة أن خلع هيثم قميصه القطني في المسبح. صفَّقت له أمل ضاحكةً، محتفيةً بالإنجاز غير المسبوق. طلبت له – على حسابها – بيرة ألمازة ميكسيكان، بملح رطب يزنّر مشرب الكأس. وقفت وقالت، مقلدةً مراسلي نشرات الأخبار: «أعزائي المشاهدين، عم نشهد اليوم حدث تاريخي فريد من نوعه». ضحك هيثم. وضحك هاني. لكن «الصبيّ» – كما تناديه أمل عادةً – لم يكمل استعراضه، إذ أبقى ساقيه مختبئتين داخل بنطاله. يومها، لوِّحت الشمس نصفه العلويّ، وفشلت في الوصول إلى جزئه السفلي.

ولم يحدث أن تكرّر ذلك الإنجاز مطلقاً.

عن الأخبار

«كيف تكتب رواية» عنوان الورشة التي انطلقت قبل عام، بمبادرة من الأديبة، وبمشاركة رشا الأطرش، وهلال شومان، ورنا نجار، ورشا عباس. مَنْ يربح لوغو «دار الساقي»؟


سناء الخوري

«نعم، كتابة الرواية تُعلَّم»، تجزم نجوى بركات. الروائيّة اللبنانيّة التي أدارت محترف «كيف تكتب رواية» مع «دار الساقي»، ضمن احتفالية «بيروت عاصمة عالميّة للكتاب»، تعود بنا إلى جذر السؤال التقليدي الذي يدفعنا عموماً إلى التشكيك في إمكان نقل حرفة الكتابة. تقول «في مجتمعنا العربي، الكتابة مرتبطة بالكتاب وبالوحي. لذا، نحيط اللغة والنصّ بهالة من القدسيّة».

صاحبة «باص الأوادم» التي خاضت تجربة إدارة المحترفات الإبداعيّة في الخارج، كانت مهووسة لسنوات بفكرة تنفيذ محترف إبداعي عربي، وجاءت «بيروت عاصمة عالميّة للكتاب» فرصةً لتحقق مشروعها. المحترف كان بابا لهم يؤرّق بركات: «هناك نقص حقيقي في نقل الخبرات من جيل عربي إلى آخر». خاضت بركات التجربة مع رشا الأطرش، ورنا نجار وهلال شومان من لبنان، ورشا عباس من سوريا. بدأ كلّ شيء في ربيع 2009، حين جاءت الأديبة اللبنانيّة بفكرة إقامة محترف للكتابة يحتضن بعض الأقلام الشابة وتبنّت «دار الساقي» الفكرة، على أن تتولّى نشر الرواية الفائزة في نهاية المطاف. وتهافتت مشاريع الروايات من لبنان والعالم العربي ما إن أعلن عن المحترف. قبل الورشة الأولى في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، كان خيار لجنة التحكيم، المؤلفة من نجوى بركات و«دار الساقي» وممثل عن «بيروت عاصمة …»، قد رسا على ستّة مشاريع.

ثمّ انطلقت مغامرة «تشييد العمارة الروائيّة»، كما يحلو لبركات وصفها: «حاولتُ أن أنقل المشاركين من منطقة الفكرة والأيديولوجيا، إلى فعل الكتابة الحقيقي. حاولت مساعدتهم ليجدوا صوتهم». صاحبة «لغة السرّ» التي تعمل الآن على تعريب «مفكرة» ألبير كامو بأجزائها الثلاثة، ستعلن عن الفائز في محترف «كيف تكتب رواية»، عند السادسة من مساء 14 نيسان (أبريل) الجاري خلال حفلة، يليها توقيع العمل المتوّج.

بغضّ النظر عن فكرة المباراة، ستكون حصيلة المحترف أنّه أتاح للجمهور فرصة لاكتشاف طاقات روائيّة جديدة، بعدما ندر وجود الأعمال السرديّة الشابة على رفوف المكتبات اللبنانيّة. «من غير الطبيعي أن يكون الروائيّون الشباب في بيروت معدودين على الأصابع »، كما يقول هلال شومان. الشاب القادم إلى محترف الرواية من فضاءات التدوين والهندسة والصحافة المكتوبة، يكتب قصّة هيثم: بين الحمرا والسوديكو والجامعة الأميركيّة ونيويورك، نتابع يوميات شاب عشريني يستيقظ ذات يوم مع آلام تمتدّ على كامل جسده. الجسد يحتلّ مساحة كبيرة في رواية رشا الأطرش. بطلتها غادة، عاملة في متجر لبيع مستحضرات التجميل، تحاول تركيب حياتها بعيداً عن مسالك أمها وخالتها وأختها. الصحافيّة الشابّة في جريدة «السفير» تنجز هنا مشروعاً شخصياً، لا من حيث المواضيع والشخصيات، بل كفعل فردي بامتياز. «لا أحبّذ التعامل مع العمل الروائي بما سيضيفه إلى المشهد العام، بل كحالة قائمة بذاتها»، تقول الأطرش.

من جهتها، بقي على رنا نجار أن تكتب المشهد النهائي من رحلة ريم وجاد إلى مخيّم كشفي. أحداث الرواية غير الناجزة التي توقّعها الصحافيّة في جريدة «الحياة» تدور في بيروت الطالعة من الحرب الأهليّة أوائل التسعينيات. بلغة طفوليّة، تحكي نجار التناقضات السياسيّة والاجتماعيّة في لحظة مفصليّة من تاريخنا المعاصر. أما رشا عباس، فقد انسحبت من السباق قبل إنجاز روايتها «تكنو» التي تدور حول عالم الأندرغراوند في سوريا، بين «التاتو» و«الحشيش». «انسحابي خيار ذاتي جداً ـــــ تقول الكاتبة السوريّة الشابّة ـــــ فضلت أن أنجز باكورتي وحدي، بعيداً عن صيغة المحترف والمحرِّر». إحدى الروايات الثلاث الباقية إذاً، ستبلغ الشوط النهائي. صاحبة الحظّ السعيد يعلن عنها يوم الأربعاء، وتكون في اليوم التالي على رفوف المكتبات، تحت لواء واحدة من أنشط دور النشر العربيّة. تفكّر «دار الساقي» «في تحويل التجربة إلى تقليد ثابت، يهدف إلى اكتشاف الروائيين الشباب»، بحسب مديرة التحرير رانيا المعلّم. أمّا نجوى بركات فترى أنّ فضلها على الورشة كان في دفع المشاركين إلى فتح طاقة على أعماقهم: «أن تكتب رواية معناه أن تفتح تلك النافذة في معدتك بحثاً عن أشيائك الدفينة».

برعاية وزارة الثقافة اللبنانية

وفي إطار “بيروت عاصمة عالمية للكتاب”

وبحضور مديرة محترف “كيف تكتب رواية”

الروائية نجوى بركات

بيروت عاصمة عالمية للكتاب ودار الساقي

تتشرفان بدعوتكم إلى حضور حفلة الاعلان عن

الفائز في محترف “كيف تكتب رواية”

وتوقيع الرواية الفائزة

تلي اللقاء حفلة كوكتيل

الزمان: 14 نيسان 2010 من السادسة حتى الثامنة مساءً

المكان: صالة متروبوليس، سينما أمبير، صوفيل

المشاركون الذين وصلوا للمرحلة النهائية

رشا الأطرش

رنا نجار

هلال شومان

الباب الحديدي لا يزال يقف حجر عثرة بيني وبين شرفتك. ألم يفطن مصمم الباب أن يترك بعض النتوءات لأقدام بعض عشاقك المجانين، أم أنّ الأمر مقصود؟

تباً. قدمي تتزحلق. أترحم الآن على الباب الخشبي رغم نثراته الظاهرة التي كان تفعل فعلها في ثيابي الصوفية.

خلويُّكِ يرنّ ولا أحد يجيب. عادتكِ السيئة لا تبطلينها. لا أدري لـِمَ يشتري الناس خلوياً يعرفون حق المعرفة أنه سينتهك خصوصيتهم إن كانوا لن يردوا عليه. أستطيع تخيل قطتك المكتئبة دوماً نائمة فوق الخلوي وأنت تفتشين عنه كعادتكِ. يقولون إنَّ اكتئابها هذا يرفع من سعرها، عجباً. أراكِ تلقين مخدات السرير على الموكيت بحثاً عنه، فيما القطة تشعر بالرجّات تحت بطنها، وتمضي تتثاءب من دون أن تتحرك. تستمتع بالذبذبات الخلوية القادمة من تحتها، وتفشلين أنتِ كعادتكِ في العثور عليه. ثمّ ترنين عليه من خلوي آخر، قبل أن تتذكري أنكِ أسكتِّ رنته في اجتماعك الأخير ونسيتِ إعادتها؛ وفي خضم كل ذلك، أبقى أنا عند الباب أحاول إيجاد طريقةً للدخول لا أوقظ بها أفراد عائلتكِ.

أنظر حولي. سألتقط حجراً وأرميه على شباك الطابق الأول حيث تقع غرفتكِ. لا خيار آخر لدي. حصاة صغيرة تحدث صوتاً يلفت انتباه من في الغرفة، ولنأمل أنكِ أنتِ في الغرفة.

لكن مهلاً. من كنَّس الطريق هنا؟ أين الحجارة؟ ألم تمر أية مظاهرة من هنا؟ ألم تستقر عربة إطفاء عند ناصية قريبة؟ أهذا شارع يشبه زمن المصالحة أم ماذا؟ بات الأمر مؤكداً. هذه ليلة سمجة كالنهار الذي سبقها.

أخيراً، بضعة حجارة! لا. هذا حجر صغير، لا ينفع. ذاك حجر متوسط الحجم، فلأجرب.

أرميه. أحقق إصابة قاتلة من المرة الأولى. أصير كاسر زجاج. وأكلِّف أباك مئة دولار جديدة. تـُضاء الأضواء وأسرع الخطى نحو سيارتي المركونة عند المفرق، حيث أجلس، وأنتظر. ألمح في المرآة الخلفية خيالاً وراء ستارة النافذة. خلويّ يرنّ باعثاً برنة شهيرة لموزارت. شاشته تضيء وتنطفئ: أنتِ.

- لِمَ لا تتخلصين من خلويك. يعاني الأمرّين معكِ. هل كانت قطتك البليدة نائمة فوقه كعادتها؟

- لا.

- ماذا إذاً؟

- وضعته في البراد خطأ. لو لم أشعر بالجوع لما كنتَ سمعتَ صوتي الليلة.

- ماذا نفعل غداً؟

- قياساً على ليلتنا هذه وعلى مزاج أبي، ما رأيكِ أن نشاهد فيلماً بلونيْن لشارلي شابلن؟

نضحك، ونخرج سويّاً من شاشة العرض إلى مقاعد صالة السينما، ونشاهد اللقطة التي فرغَت منّا.. للتو.

ننظر إلى سقف الغرفة: صُوَر. تذكرين كيف ألصقناها هناك؟ تناوبنا على التسلق إلى الأعلى. يثبِّت أحدنا الصورة فيما الآخر في الأسفل يمسك «السيبة».

صورة أولى: بدويَّة

أنا وأنتِ في المقهى الجبلي. تقترب منك البدوية، تستفيض في النظر إلى كفكِ، ثمّ تقــول كلاماً كبيراً لا أفقه منه شيئاً. تستمتعين بما تسمعينه منها. لا أفهم ما يحدث أمامي، وأرتكب أسئلة لا يجب عليَّ طرحها. تسألينها أن تنظر إلى كفي. أعارض في البدء، وتحت إصرارك، ونظرتك العنيدة، أحس بالذنب، وأسلّم نفسي لتفاهة اللحظة. تنظر العجوز إلى كفي. تتمتم بكلام قليل غير مسموع، وتؤثر أن تستأذن من دون أن تأخذ «أجرة كفّي». هل كان كفي يخيف إلى الحد الذي يدفع العرَّافة ـ بكل ما يصدر منها من أصواتِ اكسسوارات ـ للانسحاب؟ فكرتُ عندها وفي سؤالي تسليم ضمني بِلا تفاهة.. التفاهة!

استطراد: شعركِ

شعركِ يزعجني. أربطيه أو أديريه للجهة الأخرى، من فضلِك. شكراً.

صورة ثانية: نيسكافيه

أُنظـُرْ مثلاً لهذه الصورة؛ تلك الملصقة في الطرف الأيمن. كنا نركض على الكورنيش. نتسابق وفي أفعالنا شيء من ولدنة نحاول استعادتها فلا نـُوَفَّق. هل تذكر؟ أنا لا أنسى تلك اللحظات: ضحك هستيري، عرق مقرف ملتصق بالثياب، وكوب من القهوة الرديئة الساخنة بعد جري يستحيل كل مرة مناكفاتٍ ولعبة ركض بلهاء. أنظر كيف بقّعت النيسكافيه تي ـ شيرتك المبقَّعة أصلاً بالعرق.
هنا، هنا.

صورة ثالثة: بالتقسيط

نتأمل بصمت. أنظر إلى صورة، وتنظر أنتَ إلى أخرى. أستدير ناحيتك. أنتَ فوق، لا بجانبي. أعود لذكرى شبه مفقودة معلّقة في الأعلى. ما عدنا نتكلم كما قبل. ما عدنا نـُغضـِب بعضنا عن قصد. شَغَلَنا الزحام. أوقف الضجيجُ الكثير. بات كل شيء مدروساً. تعبنا من المشاريع الصغيرة. بتنا قبالة الكبير المخيف: قرارات مصيرية لا تحمل عفوية اللحظات المصوّرة فوقنا. غداً نبدأ بتقسيط مشاريعنا. تصبح حياتنا مجزّأة عند بداية كل شهر، أيامنا فعل واجب، وضحكاتنا الهستيرية اجتماعيةً محسوبةً.

استطراد: راديو وقهوة

الميلودي الأولى انقلبت كوبليهاً مليئاً بالكليشيه والصور المنمَّطة والاستعادات السقيمة. رائحة القهوة القديمة ما عادت تحضرني. باتت القهوة وسيلة لبداية نهار عمل مرهـِق. أنا متعَب.

سؤال: أبيض

أنتِ، هل فرغتِ من الأفكار أو بعد؟ ألا تخافين تلك اللحظة؟ يوم يصبح كل شيء أبيض؟ تحاولين أن تبدأي بفعل شيء فلا تـُوفـَّقين. تنظرين إلى أرشيفك فتشعرين بأنّ من حققت ذلك بعيدةٌ عنكِ كل البعد. أنا أصدقكِ القول: أخاف تلك اللحظة؛ يوم استنزف قدراتي؛ يوم أشعر باللحظة طرحاً من ما تبقى من حياتي لا إضافةً لما سبق، يوم أفتح برنامج «الوورد» وأمكث أياماً أنظر لصفحة بيضاء.

استطراد: أرق

اليوم شاهدت فيلم (500) days of Summer، وتماثلت مع شخصية الفتى الذي لا يفهم، ولا يود أن يستوعب ما حدث، وتبشِّرنا نهاية الفيلم بورطتِه القادمة. الأمر خطير ويحتاج لتدارك. هكذا أظن أنا الآن. لكن ماذا لو تساعدنا للخلاص من المأزق؟ هل ننجح معاً أم نفشل بامتياز سوياً؟
لحظة. هل أتعـِبكِ بأسئلتي هذه؟

بساط الصوَر

«السيبة» تـُعاد إلى موقعها السابق، تحت قصصنا المصوَّرة. «أمسكيها جيداً»، أقول. سنُدخِل السقف حياتـَنا الاجتماعية القادمة، التي علينا حسابها بدقة. آن وقت تحويله أبيضَ كسائر أسقف بيوت العائلات الكلاسيكية.
أحاول نزع صورة اللقاء الأول فلا أنجح، صورة السهرة الاجتماعية الشهيرة فلا أستطيع، صورة الشارع الضاج بالألوان فيأبي أن يبهت بين يديّ. ما الأمر؟ هل كان عنادنا في إلصاق تلك الصور ماضياً يفوق رغبتنا بنزعها الآن؟
لا ننزع صورة واحدة من محاولة أولى. نجرِّب أكثر من مرة حتى ننجح، وخلال ذلك أصمت. أصمت كثيراً، ثم أبتسم، وتستعيدين أنتِ شفاهاً تفقدينها عادةً أيام الشتاء. نضحك ونعاود الاستلقاء على السرير. ما عاد شعركِ يزعجني. حتى أني لستُ منتبهاً الآن إلى الخصلة التي لامست وجنتي. ننشغل بالنظر إلى الأعلى؛ حيث يستقر ما تبقى من نبيذ الصور العتيق.
هناك، فوق سيبة غير متوازنة، يتكلم كلانا بصمت.

الصفحة التالية »

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.